رفعت آلاف العائلات الجزائرية دعاوى للقضاء بهدف تغيير أسمائها الموروثة منذ العهد الاستعماري. وقالت فاطمة الزهراء بن أبراهم وهي واحدة من ألمع المحاميات بالجزائر، إن جميع من رفعوا الدعاوى سيستجاب لطلبهم وسيتمكنون من اختيار الأسماء والألقاب بأنفسهم، بدلا من تلك التي أطلقها عليهم أعوان إدارة الاحتلال الفرنسي عند بداية التسجيل في دفاتر الحالة المدنية عام 1882.
وقالت إن المحاكم وهي المخولة بتبديل الألقاب اتخذت إجراءات لتسريع وتيرة العمل حتى تنتهي من ما يمكن تسميته محنة الألقاب الموروثة بأقرب وقت «ودعت جميع من يحملون ألقابا قبيحة إلى التقدم لتغييرها كون الدولة أصدرت قوانين جديدة تسهل العملية.
ومن بين من تقدموا لتغيير ألقابهم عائلة «بوذيل» ومعناها بالعربية «أبو ذنب» و«تيغيدات» وهي عبارة بربرية تعني أبو العنزات و«مهبول» وتعني مجنون و«حمار» و«بو بغلة» و«حفيان» و«بن نعجة» و«بوبنيدر» ومعناه أبو طبل وغيرها من الألقاب الغريبة والمشينة التي أطلقتها إدارة الاحتلال على عائلات جزائرية عند توزيع الألقاب دون استشارتها.
وحول الموضوع أنجز جمال يحياوي الأستاذ في جامعة الجزائر دراسة تفصيلية حول اختيار الفرنسيين للألقاب حين كان البلد تحت الاحتلال. وجاء في الدراسة أن السلطات الفرنسية فعلت ذلك عن وعي بغرض الضغط النفسي المستمر على الجزائريين.
فبعد انتزاع الأراضي منهم وتفقيرهم وإغلاق مدارسهم وتجهيلهم أطلقت الألقاب السيئة لتكريس الانطباع لدى الأجيال بأنهم أدنى من الفرنسيين المحتلين. واعتبر ذلك من بين الجرائم الثقافية التي كان الفرنسيون يرمون من ورائها إلى طمس هوية الجزائريين.
وأشار إلى أن الجزائريين كانوا يدونون أسماءهم لدى القاضي الشرعي أو شيخ الجماعة وهي مؤسسات تقليدية تعامل معها الجزائريون عبر الأجيال وكانت كل الأسماء مستقيمة عربية وأمازيغية عادية.
حيث ينسب المولود للأب مع ذكر الجد (مثلا سليمان بن محمد بن عمر)، لكن بدخول الاحتلال عام 1830، تغيرت الكثير من الأمور، وبعد إحكام السيطرة على كامل الأراضي تفرغت نخبة من المنظرين للتفكير في تكريس السيطرة بالاتجاه نحو تشويه الحقائق التاريخية والثقافية وسن قانون مارس عام 1882 الذي يرغم الجزائريين على تسجيل أبنائهم في سجلات الحالة المدنية الفرنسية.
وتم ابتداع اللقب الثابت للعائلة الذي يلزم أبناءها طول حياتهم ويورثونه لمن يأتي بعدهم، وتم التصرف في تلك الألقاب بما جعل الكثير منها قبيحا ودونياً ومذلاً.
واعتبر الدكتور يحياوي فرض هذه الألقاب واستمرارها مأساة عاشتها وتعيشها أغلب العائلات الجزائرية كونها تتبعهم ويجري تدوينها في كل المحررات وينادى بها أصحابها.
ولقد نجت من تلك الأسماء القبيحة العائلات الجزائرية الكبيرة والثرية خاصة المنتمية للمرابطين، حيث تمكنت من اختيار ألقابها فكانت في معظم الأحيان ذات دلالة دينية مثل «ناصر الدين» و«محيي الدين» و«صدّيقي» و«الحسيني» و«مولاي» و«طاهري» وغيرها وهي عائلات عريقة وذات باع طويل في العلم ولها مكانة كبيرة في المجتمع ارتأت إدارة الاحتلال مهادنتها.
وهناك عائلات أخرى اختارت لنفسها ألقابا من أصولها التركية مثل «خزناجي» و«قهوجي» و«خزندار» و«خوجة» وكانت هذه العائلات محل معاملة خاصة من الفرنسيين ربما لتكريس التفرقة داخل المجتمع الجزائري.
أسماء مشينة
بعد الاستقلال قلب الجزائريون صفحة الماضي ولم يعد هناك «عائلات عريقة» ولم يعد النسب مقياسا للمكانة الاجتماعية والسياسية، كما كانت الحال قبل الاحتلال. فثورة التحرير اختلط فيها الجميع ومن حكموا البلاد هم من زكتهم القيادة التي أفرزتها الثورة. وبذلك وصل إلى المناصب العليا رجال بأسماء ربما يستحون من ذكرها.
ومن بين الحكايات التي تداولها الجزائريون كثيرا في ثمانينات وتسعينات القرن الماضي أن الحديث عن جبهة التحرير الوطني الحزب الحاكم وقتها يذكر بحديقة الحيوانات وبمحل بيع الخضار. فقد التقى في قيادتها مسئولون بأسماء «بومعزة» و«الذيب» و«السبع» و«المهري» و«بن نعجة» و«العجل» .
وكان رئيس بلدية سطيف وهي مدينة كبيرة في الجزائر وعاصمة لثاني أكبر ولايات البلاد سكانا يحمل لقب «الفار» ومسئول كبير في ذات الولاية لقبه «القط» وأروع ما في حكاية هذين الرجلين أنهما صديقان حميمان.
وقد وقف مسؤولو صحيفة جزائرية يوما أمام المحاكم بسبب عنوان «دماغ العتروس ينطح صحافية» وينقل الخبر حادثة صفع وزير الثقافة الأسبق صحافية حين أحرجته في مؤتمر صحافي.
ودماغ العتروس هو لقب الوزير ومعناه «رأس التيس». ولا يستبعد أن يكون المسئولون من ذوي الألقاب المشينة أول من يستفيد من قانون تسهيل تغيير الألقاب وسيختارون لأنفسهم ألقابا جميلة وعصرية.
الجزائر ـ مراد الطرابلسي
