الأردن من الدول التي أولت العلم أهمية خاصة منذ قيام المملكة الأردنية، إلى الدرجة التي أصبح فيها التعليم قيمة اجتماعية عليا. وأصبح إحدى الركائز الأساسية لتطور الدولة، وبالتالي حظي باهتمام متواصل ودؤوب، وما يدعم ذلك تقرير البنك الدولي عام 2008 حول التعليم في الدول النامية.

وبلغ عدد المدارس في الأردن الآن نحو 5670 مدرسة، منها 3650 مدرسة حكومية، والباقي موزعة بين القطاع الخاص ووكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين ومدارس الثقافة العسكرية. كما بلغ عدد المعلمين في الأردن نحو 120 ألف معلم ومعلمة، منهم 80 ألفاً يعملون في وزارة التربية والتعليم، ويتوزع الباقي في القطاعات التعليمية الباقية.وكان من ضمن جهود التعليم في الأردن القضاء على الأمية التي انخفضت إلى 3,7 بالمئة، وهي من النسب المتقدمة. ووفق الخطط الرسمية فهناك مساع كي تنخفض إلى 5 بالمئة عام 2015.وعلى الرغم من أنها صورة مشرقة للتعليم في المملكة فإن هناك من يقول إن الأردن بات يواجه تحديات حقيقية على هذا الصعيد، مثله في ذلك مثل باقي دول العالم.

وإن كانت صورة المرآة في المملكة أكثر حدة؛ كون المعطى التعليمي فيها يعتبر ركيزة استراتيجية لطاقة الدولة التي لا تمتلك الكثير من الثروات الطبيعية، وتعاني من تحديات على مختلف الصعد. «البيان» التقت وزير التربية والتعليم الأردني الدكتور إبراهيم بدران، وناقشته في عدد من الملفات التعليمية الساخنة، منها العنف في المدارس، والأخطار التي تحدق باللغة العربية في الجيل، وأسباب رفض الدولة إنشاء نقابة للمعلمين. وتالياً نص الحوار:من الواضح ومنذ سنوات طويلة أن وزارة التعليم تعمل على تطوير مستمر سواء في المناهج أو الأساليب، ماذا عن آخر عمليات التطوير؟

يجب أن ندرك أنه في مناهج وأساليب التربية والتعليم ليست هناك ثوابت، خاصة وأن المتغيرات التي يشهدها العالم في العلم تضغط على المنهاج ليتبدل. فهناك التكنولوجيا والاقتصاد والاتصالات والثقافة والتواصل الالكتروني وظهور الوثائق الالكترونية والكتاب الالكتروني والمختبر الافتراضي والتعلم الافتراضي، وكل ذلك يضغط على المناهج كي تكون قادرة على مواكبة المتغيرات.

أقول ذلك لأننا في الأردن على أبواب مرحلة تطوير للمناهج جديدة، ولا أقول تغيراً، بل تطوير كي نقوم أولاً على تأصيل التفكير لدى الطالب، وتأصيل مفهوم التعلم وليس التعليم.

إن تأصل العقل النقدي والتركيبي والتحليلي عند الطالب أمر بالغ الأهمية، فهو تأصيل يؤهل الطالب لتطبيق ما يتعلمه في الحياة العملية، ويؤهله ليصبح جزءاً من الاقتصاد الوطني وليس عالة عليه، بمعنى أن تؤهل الطالب كي يكون قادراً على إنشاء العمل أو المشروع الخاص به، ليضيف إلى الاقتصاد الوطني، وليس ليتحول إلى باحث عن وظيفة.

وذلك يقتضي تطوير المناهج والاهتمام بالمهارات التي ينبغي أن يتسلح بها الطالب، سواء كانت مهارات علمية أو مهارات حاسوبية ولغوية أو اتصال ومهنية، كما أن التعليم المهني سوف يشهد تغيراً في مناهجه باتجاه مزيد من التكنولوجيا في التعليم، كي يصبح هو المسار بدلاً من المسار المهني التقليدي، ليستطيع الطالب فيه استخدام التكنولوجيا في العمليات الإنتاجية وفي الحياة العملية.

امتحان «التوجيهية»

هل من تطويرات مرتقبة في امتحانات الثانوية العامة.. خاصة وأنكم أجلتم - ولأكثر من مرة - المؤتمر الوطني الخاص بالثانوية العامة؟.

يجب أن نتذكر أن امتحان الثانوية العامة أو ما يعرف شعبياً ب(التوجيهية) هو امتحان عريق في الأردن، وربما مضى عليه 50 سنة، وقد أثبت الامتحان مصداقية عالية وقدرة على تميز قدرات الطالب.

والامتحان بحد ذاته جيد. وكل دولة لها امتحان عام، وامتحان شامل، في كل مرحلة من مراحل التعليم، ولذلك بالنسبة لنا سيكون امتحان الثانوية العامة قائماً ومستمراً دون أي تفكير في تغييره كيفما يشاع في الوقت الحالي.

لكن يجب أن نشير إلى وجود إشكالات عدة في حال أردنا تغيير شكل امتحان الثانوية العامة الحالي، منها الإشكال النفسي والاجتماعي.

من المعلوم أن المجتمع الآن يشعر بالتوتر والرهبة والخوف إزاء هذا الامتحان، وحقيقة الخوف ليس من الامتحان ذاته، وإنما بسبب التنافس على المقاعد الجامعية، بحيث أصبحت الأسرة تريد لابنها أعلى علامة كي يستطيع التنافس ويدخل الجامعة.

كما أن الامتحان الحالي يتضمن عدداً كبيراً من المواد التي يمتحن فيها الطالب. وفي الحقيقة هناك توجه الآن بعد الدراسة واستشارة الخبراء إلى تقليص عدد المواد. وأؤكد أن توجهاً يسود الآن بإبقاء امتحان الثانوية العامة ليتنافس فيه الجميع، ولكن ربما يقل عدد المواد التي يمتحن بها الطالب.

أنت تقول إنه لا صحة لما يدور حول مد امتحانات الثانوية العامة لعامين بدلاً من عام؟

لا، هذا أمر اتفق الجميع عليه، وقد استمعنا إلى الآراء المختلفة، ولكن ليكن معلوماً أن مد الامتحان لعامين يعني بقاء القلق والتوتر في العائلة والمجتمع للطالب الواحد.

إضافة إلى أن مد الجهد غير منظور لطواقم وزارة التربية والتعليم لعامين أيضاً، وهذا أمر صعب، فأنت تتحدث عن 130 ألف طالب وطالبة يدخلون الامتحان بكل ما يلزم ذلك من قاعات ومراقبين، وبالتالي ما نطلبه من طلبتنا ومن أولياء أمورهم وعائلاتهم أن يستعدوا للدراسة لامتحانات الصيف والتحضير حسب الأصول والاستعداد في وقت مبكر، وألا يذهب تفكيرهم إلى وجود تغييرات أو غير ذلك.

العربية في خطر

هناك شبه إجماع بين الخبراء أن مسيرة اللغة العربية بين الطلبة في خطر؟ كيف ترى حالها عبر الجيل اليوم؟

دعني أعترف أولاً أنني منحاز إلى اللغة العربية.. لأن اللغة وعاء التفكير، وأداة من أدوات التفكير، وإذا كانت اللغة غير سليمة أو دقيقة فإن التفكير والأفكار التي تصدر عن الشخص وبخاصة في المراحل الأولى من حياته سيشوبها الكثير من الخلط.

أنا أعتقد بأن الاهتمام باللغة العربية واجب. وحينما أقول اللغة العربية لا أعني إهمال اللغات الأخرى، وهذه قضية لا تحتاج إلى تنويه.

وأعتقد بأن أكبر خطأ وقعت فيه وزارة التربية في الماضي أنها دمجت اللغة العربية في إطار ما يسمى «مهارات الاتصال»، وبالتالي تشتت الفكر اللغوي في ذهن الطالب. إضافة إلى انتشار الفضائيات والإذاعات التي تتحدث بالعامية، وعزوف الطلبة عن القراءة لأسباب مختلفة، كل ذلك أضعف اللغة، ما أدى إلى ضعف التحصيل العلمي.

أنتم كوزارة تحاربون من جهتكم الأمية، لكن الجيل الحالي يعاني أمية في الإملاء والمفردات، كما أن البعض يكتب مفردات العربية بالأحرف اللاتينية في الشبكة العنكبوتية، ماذا أنتم فاعلون إزاء ذلك؟

لا أريد أن أقول إننا فعلنا، ولكن أريد أن أقول نحن ندرس الوسائل التي تخفف من هذه الحالة غير المرضية، ولذلك كما ذكرت سابقا كنت قد طلبت من مجمع اللغة العربية أن يوافيني بكل اقتراحاته.

وسننظر كيف يمكن أن نعالج هذا الأمر، ولكن ينبغي أن يكون واضحاً أن مسألة اللغة ليست أمراً يخص وزارة التربية فقط ، وإنما هي مسؤولية اجتماعية ووطنية وقومية بالدرجة الأولى، فالفضائيات المتردية والثقافة الهابطة، والإذاعات التي تتحدث بشتى الأصناف والمصطلحات الهجينة والسيئة كلها تؤثر، وخاصة بالنسبة للطلبة في المراحل الأولى.

أحياناً تصلك رسائل على الهاتف النقال مكتوب فيها «لا تقرأ، لا تكتب، ولكن تكلم».. تصور أنت ما الذي يدخل في ذهن طفل عمره 10 سنوات تصله وبالعامية جملة «لا تقرأ لا تكتب ولكن (احكي).. يجب أن نستشعر جميعاً الخطر لأنها مسؤولية اجتماعية شاملة.

وزارة التربية والتعليم كراعية عليها مسؤولية أكبر بأن تكون جامعاً لكل هذه المصادر؟

الوزارة مسؤوليتها رعاية اللغة ورعاية المهارة اللغوية والإتقان اللغوي لأنه المدخل للإتقان العلمي بالتالي.

ألا يخالجك الخوف على مستقبل التعليم في الأردن، هناك طلبة في الصف السابع لا يستطيعون كتابة أسمائهم، ألا تعتبر ذلك نموذجاً مرعباً؟

نشعر بالرضا، ولكن أمامنا الكثير أيضاً.. نحن نقارن التعليم في الأردن بالدول المتقدمة.. ولا تزال الفجوة كبيرة. ونحن نعترف بذلك، ولكن ذلك لا يخيفني، بل يدفعني إلى الامام، هناك فرق بين أن أشعر بالخوف وأن أشعر بالمسؤولية، وواجبنا تطوير التعليم ورفع مستواه. والأمر يتطلب العناية بالطالب والمعلم والمنهج والمدرسة.

ولدينا الآن مشروع التحديث الثاني للتعليم، الذي سيدشن خلال أسبوعين لتطوير التعليم نحو اقتصاد المعرفة، وسيعطي أهمية كبيرة لعناصر التربية والتعليم، ويركز على المدرسة، وعلى المعلم وتأهيله، والاهتمام بعلاقة الطالب بالمعلم، وفي هذا الصدد نحن نسعى لإصدار مدونة السلوك الأخلاقي والمهني للمعلم، وهناك أعمال كثيرة أمامنا.

طموح وعقبات

لديك طموح بتطوير التعليم في الأردن إلى مستوى الدول المتقدمة، لكننا نشهد تراجع التعليم في المدارس، فهناك طالب لا يعرف كتابة اسمه ، ويضع المعلم في مرتبة دنيا، ما يجعلنا نخشى على مستقبل التعليم.. أليس كذلك؟

إنها مسؤولية تاريخية حينما يكون عدد الملتحقين بالمدارس قليلاً كما كان الحال قبل 30 سنة، وكان لا يذهب إلى مهنة التعليم إلا أوائل الطلبة المتميزين، ولم يكن المجتمع بمثل هذا السباق المحموم لإلحاق أبنائه وبناته بالجامعات.. لقد كان هناك دور كبير للمدرسة، وكان هناك احترام كبير من المجتمع للمعلم وللمدرسة، وأنت لا تستطيع أن تمنع تراجع التعليم إذا تراجع دور المدرسة أمام المجتمع وإذا تراجعت مكانة المعلم أمام المجتمع.

العنف في المدارس

في سياق الحديث عن مكانة المعلم.. ماذا عن العنف بين الطلبة، بل بين الطلبة والمعلمين؟ وإلى أين وصل عمل وزارة التربية لرفع مكانة المعلم التي هي من مكانة العلم؟

يجب أن ندرك أن مكانة المعلم لا تحددها فقط الوزارة، وإنما يجب أن تتغير نظرة المجتمع إلى المعلم. أما عن معالجة العنف في المدارس فهي مسؤولية مشتركة.

في السابق كانت نظرة المجتمع إلى المعلم نظرة رفيعة جداً، وكان المعلم يتمتع بكل الاحترام، لكن لأسف في الفترة الماضية وخلال العقدين الماضيين أصبح عدد الطلاب أكبر، وبدأت تظهر اتجاهات مهنية جديدة كالهندسة والطب والمحاسبة، المعلم لم يعد العنوان الوحيد في المجتمع، وإنما هناك الكثير غيره.

ولا بد أن نعترف أن الإعلام أسهم بوضع المعلم في الصورة المزرية، وربما نتذكر المسرحيات والأفلام. صحيح كنا نضحك عليها عندما يظهر المعلم بصورة هزلية. ولكن كنا نغفل كم كانت تترك هذه المشاهد من اثر عميق في نفوس الأطفال عند مشاهدتهم للمعلم في أسوأ صورة.

هل تعتقد بأن تردي الحالة الاقتصادية وراء ما يحدث؟

طبعاً العامل الاقتصادي له تأثيره في ما حدث.. فظهور مهن عائداتها المالية أعلى بكثير من عائدات التعليم اندفع الكثيرون إليها.

وهذا جيد إلا انه خلق نوعا من عدم التوازن، إذا أخذت المعلم عندنا في الأردن، راتبه أعلى 150 بالمئة تقريباً من راتب الموظف العمومي الآخر، فله 50% علاوة مهنة، ولأن التعليم مهنة شاقة تتطلب العطاء المتواصل والتضحية، فالمعلم بحاجة إلى دعم باستمرار، وإلى تحسين وضعه المالي. وهذا ما أثر في نفسيته.

استهداف المعلمين

أرغب في نقل مشاعر بعض المعلمين إليك.. فهم يرون أنهم مستهدفون؟

لا يمكن لإنسان عاقل أن يتصور أن الحكومة ضد المعلم.. لا يمكن.. يجب أن نميز بين قدرة الحكومة على فعل شيء وبين أن تكون ضد المعلم..

وحينما يتجاوز الطالب حدوده ثم يذهب المعلم إلى القضاء وتحل الأمور بالتوافق العشائري، ماذا يمكن أن تفعل الوزارة؟!.. أنت لا تستطيع أن تلوم الوزارة أو الحكومة، لذلك قلنا إن المسألة شراكة مجتمعية، ولا تستطيع الحكومة أن تمنع الناس من التوافق بالطريقة التي تليق بهم.. هل تريد من الحكومة أن تتدخل وتقول لا تتصالحوا.. نحن لا نستطيع.

لكن يجب أن يدرك الأهالي ويجب أن يدرك الجميع أن إطلاق العنان لأبنائهم كي يتجاوزوا حدودهم ذلك أمر فيه ضرر على المجتمع بأكمله وعلى أبنائهم، ومن هنا جاءت مدونة السلوك.

خط أحمر

ماذا عن رفضكم لإنشاء نقابة للمعلمين؟

نقول دائماً إننا نتحرك برفضنا لإنشاء نقابة للمعلمين وفق أربعة ضوابط: المصلحة الوطنية، والأخلاق، والقانون، والعلم. في ما يتعلق بالقانون فهناك تفسير للمجلس العالي لتفسير الدستور بأن تكوين النقابات أمر مخالف لأحكام الدستور.

لكن المعلمين يقولون: نريد اتحاداً وليس نقابة؟

هذا تحايل.. وأقولها وأنا شخص منفتح، ولست منغلق التفكير، ولست منتسباً لحزب من الأحزاب، ما الذي يريده المعلمون من النقابة؟

الدفاع عن أنفسهم وحقوقهم.

الدفاع عن أنفسهم! هل هم في حرب معنا؟

إذا كانت للمعلمين اقترحات ومطالب عليهم العودة للوزارة.

أليس من حق المعلم أن يحمي نفسه بنفسه، خاصة وانه في بعض الأحيان تكون الوزارة هي الخصم والحكم؟..انظر إلى تجارب المهندسين، والمحامين، والأطباء، وغيرهم من المهنيين... لديهم نقابات، فلماذا الرفض للمعلمين؟

الدستور يمنع ذلك.. وفي الدستور إذا حدث خلاف يكون المجلس الأعلى الفيصل، وحينما عرضت عليه المسألة أشار إلى أنها ليست دستورية.

قلت في تصريحات سابقة إنك تخشى من تسييس النقابة، ما صحة ذلك؟

هذه مسألة أخرى، صحيح أخشى من تسييس النقابة، وهي النقطة التي أشرت إليها من حيث المصلحة الوطنية العليا لأننا نتحدث عن نقابة فيها احتمال كبير للتسييس.

إذا أراد المعلم أن يكون حزبياً هذا حقه، ولكن هناك فرقاً بين أن تكون حزبياً وأن تسيطر على قطاع التعليم بتيار سياسي واحد. أنا لا اقبل أن يفرض على المدارس تيار سياسي واحد. يجب أن ننظر إلى المدرسة كمكان مقدس.. وهناك خوف من تعطيل العملية التعليمية في حال دفعنا إلى الموافقة لتأسيس نقابة..

افرض أن النقابة دعت إلى الإضراب.. هل أوافق على ذلك؟. المدرسة مكان لحماية الوطن لأنها منبع النقاء الوطني والعلمي. وإذا كان المعلم مسيسا وحزبيا وحاول نقل ذلك إلى الصف فلن يكون أمينا في مهمته.

أخيرا أقول إن مصالح المعلمين، نحن مسؤولون عنها من منطلق أخلاقي، والدولة حريصة على ذلك، بل وعلى تحسين أوضاعهم وعلى تقديم الحوافز والتدريب وغير ذلك، لإيمانها بدورهم في تنشئة أجيال المستقبل.

عمان ـ حوار: لقمان اسكندر