تربط هذه الحلقة بين التطورات التي استجدت على كيان وسلطة الإمبراطورية العثمانية وبين ما شهدته أقطار الوطن العربي، مشرقا ومغربا، من تطلعات نحو الاستقلال وتحقيق الذات الوطنية من جهة.. فضلا عن تعرض تلك الأقطار لموجات المد الإمبريالي الأوروبي من جهة أخرى.

بعدها ينتقل التحليل إلى واقع النفوذ الإمبريالي الفرنسي في الشمال الافريقي (المنطقة المغاربية) وكذلك النفوذ الاستعماري الإنجليزي فيما كان يلي هذه المنطقة من تخوم وأصقاع العالم العربي الذي كان خاضعا للسيطرة العثمانية ابتداء من مصر إلى الشام والعراق.ومع أواخر القرن 19 ومطالع القرن العشرين تبلورت المشاعر والدعوات الوطنية الرافضة للسيطرة الإمبراطورية لاسطنبول وخاصة مع تصدع كيان الدولة التركية ـ العلية كما كانوا يسمونها.. إلى أن جاء اندلاع الحرب العالمية الأولى لتقضي على ما كان قد تبقّى من سلطة الكيان العثماني على مقاليد الوطن العربي، ولكن لصالح القوى الإمبريالية الأوروبية ـ فرنسا وانجلترا بالذات ـ وهو ما أحبط تطلعات القوى الوطنية العربية في الحرية والاستقلال.. وكان على هذه القوى الانتظار إلى مرحلة وقائع الحرب العالمية الثانية واشتداد ساعد العرب مع سنوات عقد الخمسينات.

بدأت أولى موجات المد الإمبريالي الأوروبي واستغلال شعوب العالم العربي في شمال افريقيا المطل على البحر المتوسط، أي في الساحة التي تحمل اسم المنطقة المغاربية من الوطن العربي.

ويوضح مؤلف هذا الكتاب أن ثمة أسبابا عديدة كانت وراء هذه الظاهرة. في مقدمة هذه الأسباب أن المناطق المغاربية كانت هي الأكثر بُعدا عن عاصمة الإمبراطورية العثمانية في اسطنبول.. بل انها استطاعت أن تهيئ لنفسها وأهلها نوعا من الاستقلال الذاتي بصورة أو بأخرى عن الدولة التركية والباب العالي وذلك على عكس ولايات وايالات وسنجقيات الإمبراطورية في المشرق التي كانت الأقرب جغرافياً والأعمق تأثيرا ومن ثم الأشد خضوعا لنفوذ الدولة وأركانها وجنرالاتها وبصورة مباشرة في بعض الأحيان..

صحيح أن مِنْ هذه الأقاليم ما استطاع بدوره أن يطور نوعا من الاستقلال الذاتي.. على نحو ما أنجز نظام خير الدين باشا في تونس أو نظام محمد علي الكبير وخلفائه الخديويين في مصر، إلا أن السيادة الاسمية ظلت موصولة لصالح السلطان العثماني على نحو أو آخر، حتى مع وجود النفوذ الاستعماري لباريس ولندن في كل من تونس والقاهرة.

أثر هذا العامل الجغرافي يتمثل أيضا، على نحو ما يرى مؤلف الكتاب، في زيادة النفوذ الغربي ـ المتوسطي بالذات في الأقطار المغاربية بالشمال الافريقي. والسبب، كما ألمحنا كان عامل المسافة الشاسعة التي جعلت من أقطار المغرب بعيدة عن حاضرة الإمبراطورية التركية وأكثر قربا ومن ثم أكثر تواصلا وربما أشد تأثيرا بالنسبة لمناطق البحر المتوسط.

بطولات الأمير عبد القادر

مع هذا كله فقد شهدت تلك المناطق ـ ومنها الجزائر على سبيل المثال ـ مقاومة وطنية بطولية ضد موجة الاستعمار الأوروبي، التي تمثلت في وصول حملة فرنسية قوامها 37 ألف جندي عبرت المتوسط إلى الجزائر في يونيو من عام 1830 وكان أن خاض حربا ملحمية ضدها الأمير عبد القادر (1808- 1883). الذي وصفه مؤلف كتابنا (ص116) في عبارات يقول فيها:

كان بطلا جسورا مقداما في خوض معارك القتال. وقد اتبع أسلوب حرب العصابات لدرجة أحرز فيها انتصارات على الغزاة الفرنسيين الذين كانت جيوشهم مزودة بأحدث أسلحة العصر..

كان بذلك يفوق قدرة المماليك في مصر الذين لم يصمدوا أمام هجمة نابليون بونابرت قبل أحداث الجزائر بنحو 32 عاما. من هنا حقّ لعبد القادر.. أن ينال الإعجاب والتقدير، لا من جانب مواطنيه العرب وحسب، وقد كانوا يعدونه من سلالة الأشراف المنتمين إلى عترة النبي محمد عليه الصلاة والسلام، بمعنى أن كان يجمع بين شرعية الموقع بوصفه من أتباع مذهب الصوفية.

وبين شرعية الأداء بوصفه مقاتلا صلبا ضد الغزاة المستعمرين: لقد تعدى هذا الإعجاب بالأمير عبد القادر الجزائري إلى معسكر الخصوم أنفسهم، فقد ترك لنا الفنان الرومانسي هوارس فيرنر (1789- 1863) لوحة زيتية لعبد القادر الجزائري يبدو فيها البطل العربي المسلم في صورة مبهرة بكل المعاني.

أكثر من هذا يضيف مؤلف كتابنا.. فإن شاعر فرنسا الكبير فيكتور هيغو عمد إلى تخليد ذكرى ومآثر عبد القادر الجزائري في قصيدته الشهيرة التي كتب فيها مشيدا ببهاء طلعة الأمير العربي: جنديا محاربا وقائدا ورعا تقيا.

وجاء عام 1912

في كل حال فما ان حلّت سنة 1912 حتى أصبح شمال افريقيا بأكمله واقعا تحت سيطرة القوى (الاستعمارية) في غرب أوروبا.. مابين الأقطار المغاربية التي دخلت تحت النفوذ الإمبريالي الفرنسي.. إلى ليبيا التي خضعت للنفوذ الإيطالي، فضلا عن مصر و(السودان) اللتين خضعتا لنير الاحتلال البريطاني..

وهكذا مارست أوروبا الغربية سطوتها واستغلالها لهذه المنطقة الشاسعة من قارة افريقيا ابتداء من مضيق جبل طارق إلى قناة السويس التي ربطت بين البحر المتوسط والبحر الأحمر.

من جانبنا نلاحظ أن المؤلف توقف مليا عند هذا التاريخ ـ عام 1912 بوصفه المقدمة المنطقية إن شئت لصراع بالغ السخونة والدمار اندلع لهيبه ـ كما هو معروف بعد التاريخ المذكور بسنتين وعرفه التاريخ المعاصر باسمه الشهير والمرير أيضا: الحرب العالمية الأولى (1914ـ 1918).

وبديهي أن أصبح تاريخ هذا الصراع الدولي معروفا ومدروسا.. ولكن كتابنا يتوقف بنا عند الظاهرة التي بدأت إرهاصاتها تسبق حتى اندلاع هذه الحرب ـ العظمى كما أسموها في ذلك الزمان.. إنها ظاهرة تنامي الشعور الوطني.. ذلك الذي أفضى منطقيا في جناحي منطقة الشرق الأوسط ـ العربي بالذات إلى تنامي الشعور القومي العروبي.

إن أهمية الشعور الوطني، وقد لاحت تباشيره في مصر والشام منذ السنوات الأولى من مطالع القرن العشرين، ترجع فيما ترجع إلى عنصر نراه، ويراه مؤلف الكتاب حيويا وبالغ التأثير.

يمكن أن نسميه عنصر المباعدة.. الانعتاق ـ الانفصام ثم الانفصال بين الرعوية العثمانية وهي التابعية للإمبراطورية، التركية ومركزها الإمبراطوري في اسطنبول.. وبين الشعور الوطني المستجد البازغ.. وربما الوليد منذ أواخر القرن التاسع عشر: لم يعد الفرد في مصر مثلا يصف نفسه بأنه من رعايا البادشاه.. السلطان التركي في اسطنبول..

أو المتبوع الأعظم كما كانوا يسمونه.. بل نجم بين الناس من دعا إلى «وطن» لا يعرف التابع أو المتبوع.. في مصر التي تعلمت من رفاعة الطهطاوي أن «حب الوطن هو حِلْية كل فَطِن» على نحو ما قال رفاعة بيك في نشيد عمد إلى نظمه (رغم ما يشوبه من ركاكة) لكي يردده أبناء الأجيال الطالعة في مصر، ثم أودع كلمات النشيد في كتاب مهم أصدره الطهطاوي بعنوان «المرشد الأمين في تربية البنات والبنين».. نفس الشعور الوطني.

ومن ثم القومي العروبي ما لبث أن نشأ وتبلور في سوريا على نحو ما يتجلى في الكتابات التي عَكف على صياغتها وإصدارها رواد كبار مثل عبد الرحمن الكواكبي وخاصة في كتابيه الشهيرين.. الأول عن «طبائع الاستبداد» وفيها عرض تحليلي وإدانة نقدية لعصر السلطان التركي المستبد عبد الحميد..

والثاني هو كتاب «أم القرى» الذي استمع فيه أبناء الشعوب العربية وربما لأول مرة إلى أحاديث سياسية تتعلق بكيان كان مطلوبا الوعي بوجوده وثقافته وتاريخه ومآثره و.. مشاكله اسمه ـ الكيان العربي القومي.

هذه الدعوات إلى وعي الذات الوطنية، فضلا عن وعي وتفعيل الأواصر القومية والوشائج العروبية.. هي التي دفعت قوى الاستعمار الأوروبي إلى اتباع الأسلوب التقسيمي المتعارف عيله في تاريخ الساسة الداخلية والدولية إلى السواء: إنها سياسة «فرق تسد».

هي نفس السياسة التي رآه فيها مؤلف الكتاب على مدار الفصل السادس، الأسلوب المفضل لدى القوى الإمبريالية الغربية وخاصة في غمار التسويات السياسية التي شهدتها فترة ما بعد الحرب العالمية الأولى.

يقول المؤلف في هذا السياق (ص 173): جاءت فترة الحرب العالمية الأولى وما تلاها من تسويات لتشكل واحدة من أخطر فترات التاريخ العربي الحديث.

إن أربعة قرون من السيطرة العثمانية على المنطقة العربية شهدت نهاية مباغتة وحاسمة لها لدرجة أن معاصري تلك الفترة من المواطنين العرب ما كانوا يتخيلون قط أن ستأتي مثل هذه النهاية على هذا النحو غير المتوقع.. رغم أن الإصلاحات ـ التنظيمات كما كانوا يسمونها ـ التي عمدت إلى إدخالها الدولة العثمانية مع النصف الأخير من القرن 19 كانت قد أدت إلى نتائج إيجابية لصالح الباب العالي في اسطنبول.

حيث تمكنت الدولة خلال تلك الفترة من إحكام قبضتها وتعميق نفوذها بفضل الإصلاحات الإدارية وشبكة السكك الحديدية والاتصالات البرقية، فضلا عن الإصلاحات التعليمية التي حاولت تعميق الصلة بين الدولة العلية (التركية) وبين جموع رعاياها (العرب) عبر جناحي الشرق الأوسط.

تسويات الحرب العالمية

لكن الحرب الأولى أدت إلى هزيمة الدولة العثمانية ذاتها ومن ثم انهيارها وزوالها. ومع فترات التسوية في الفترة 1918 ـ 1920 عاشت الأطراف العربية ما يمكن وصفه بأنه «الربيع العربي» الذي كان يَعِد الأقطار العربية بمرحلة من الاستقلال وتحقيق الذات الوطنية .

وربما كان هناك من راودته أحلام وتطلعات إلى عصر جديد للكيان العروبي الموحّد وبَشركة الثقافة والتاريخ والمصير.

مع هذا كله فقد جاءت سنوات ما بعد الحرب العظمى (الأولى) لتشكل خيبة أمل واسعة النطاق لهذه الأطراف العربية.

يقول مؤلف الكتاب في ختام الفصل السادس: الواقع أن هذا العصر الجديد تم تشكيله على يد قوى الاستعمار الأوروبي بالدرجة الأولى وليس من خلال تحقيق استقلال العرب.. وما حدث هو أن الدول الأوروبية حددت أهدافها وعملت على حلّ خلافاتها وقامت بتقسيم تركة الدولة العثمانية المنهارة، ومن ثم الزائلة من التاريخ.

وفيما لم يذكر المؤلف في هذا السياق بالذات معاهدة، أو جريمة، تقسيم الوطن العربي فيما عرف باسم «سايكس بيكو» فإنه حرص على أن يعرض نتائج مثل هذا التقسيم بين كبرى الإمبراطورية الأوروبية الاستعمارية على النحو التالي:

- فرنسا أضافت سوريا ولبنان إلى ممتلكاتها العربية (!) الواقعة في شمال افريقيا.

- بريطانيا أصبحت تنعم بموقع السيطرة في مصر وفلسطين وشرق الأردن والعراق.

ويمضي مؤلفنا (ص 174) ليقول: ورغم بعض التردد أو التعديلات في الحدود هنا أو هناك، فالذي حدث هو أن القوى الأوروبية تولّت رسم حدود الدول الحديثة في الشرق الأوسط على نحو ما نعرفه في الوقت الحالي (باستثناء ملحوظ يجسده ما حدث في فلسطين). والحاصل ـ يؤكد المؤلف أيضا ـ أن العرب لم يرتضوا يوما هذا التقسيم أو الرسم للحدود.

عن الإمبريالية

يخصص المؤلف، على نحو ما ألمحنا، الفصلين السابع والثامن لهذا الصراع مع إمبراطورية الإنجليز أولا ثم مع إمبراطورية الفرنسيين.

ويقف المؤلف عند الحرب العظمى الأخرى ـ الحرب العالمية الثانية ـ التي يقول عنها انها أفضت في التحليل الأخير إلى تهاوي نفوذ الإنجليز وتراخي قبضتهم في مصر بالذات.. ولدرجة مهدت إلى غروب شمس إمبراطوريتهم (ص 210) مع اشتداد المد التحرري.. الثوري عبر سنوات الخمسينات من القرن العشرين.

نفس ما حدث بالنسبة للاستعمار الفرنسي في المشرق حيث اعترفت فرنسا بهزيمتها في يوليو من عام 1945 فكان أن وافقت على تسليم مقاليد الأمور في سوريا ولبنان إلى يد الحكم الوطني في هذين البلدين العربيين.

قبل هذا التاريخ بنحو سنة ونصف شهدت نفس المنطقة ـ المشرق العربي حدثا خطيرا كان له أصداؤه بعد ذلك فيما جاء من أحداث: في يوليو عام 1944 أعلن المتطرفون (الإرهابيون) اليهود الحرب ـ كما أسموها ـ على بريطانيا في فلسطين...!

تأليف: إيوجين روجان

الناشر: بازيك بوكس، نيويورك ، 2009

عرض ومناقشة: محمد الخولي

عدد الصفحات: 553 صفحة