أنا أومن أن المساواة في حقوق وواجبات المواطنة، هي الأساس الأكبر لبناء الدول المعاصرة. وأومن أن كفالة حقوق الإنسان، هي الأساس الأخلاقي للإخاء الإنساني، والعمود الفقري لنظام دولي عادل. وأومن أن التعايش السلمي بين الأديان والاعتراف المتبادل، هما أساس الوفاق بين الثقافات والحضارات العالمية.
ومع أن هذه المفاهيم ارتبطت بتطور الحضارة الحديثة، فإنها تعود لخمسة أصول هي: الكرامة، والحرية، والعدالة، والمساواة، والسلام، وهي أصول ثابتة في الدفاتر الإسلامية، ففي القرآن الكريم، دستور الإسلام:
الكرامة: وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ ،
الحرية: وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ،
العدالة: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ)،
المساواة: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ،
السلام: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ ادْخُلُواْ فِي السِّلْمِ كَافَّةًــ ، ــ وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ.
ولا يجوز في شرع الله قتال، إلا دفاعا عن النفس على حد قوله تعالى: أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ. السلام قيمة روحية وأخلاقية، وهو كذلك مطلب عقلي وضرورة اجتماعية ودولية. إن الشرائع المنزلة والتشريعات الوضعية تتفق في حقيقة: لا سلام بلا عدالة.
علاقات عامة
معاداة السامية التي مارستها المجتمعات الأوروبية، هي عدوان ديني وثقافي أفرز في الاتجاه المضاد الصهيونية. الصهيونية وليدة ظلم لحق باليهود.
ووجدت دعما دوليا في ظروف معينة، فأدى ذلك لمظلمة نادرة في كل التاريخ، على نحو ما قال مايكل أودين: «لا يوجد في مجال الهندسة الاجتماعية الأممية عمل أكثر جرأة من تأييد أمريكا لقيام دولة يهودية في عالم عربي شديد العداء لذلك».
الدول التي ارتكبت هذه الجريمة التاريخية، لم تدرك بعد خطورة ما ارتكبوا ولا فداحة المسؤولية الأخلاقية، لذلك كانت وما زالت تتعامل مع الاضطرابات التي سببتها أعمالهم في المنطقة، بدرجة من الاستخفاف وكنوع من زخارف العلاقات العامة:
1ـ مؤتمر مدريد 1991 الذي عقد في إسبانيا وأسس لفكرة الأرض مقابل السلام، نظمته الولايات المتحدة وحلفاؤها، كنوع من المجاملة للعرب الذين تحالفوا معهم في عاصفة الصحراء.
لذلك لم تتابع قراراته بالجدية اللازمة. صحيح أن قراراته مهدت لاتفاق أوسلو (1993)، وهو اتفاق أدى لقيام سلطة فلسطينية منزوعة الدسم، في غزة وأريحا في مايو 1994.
ولكن الدليل على عدم جدوى قرارات أوسلو، أن القوى الأكثر فاعلية في النطاق الفلسطيني والإسرائيلي لم تؤيدها. وعملية السلام التي أطلقها مؤتمر مدريد ماتت.
2ـ في 2003 شاءت الولايات المتحدة بدعم بريطاني، غزو العراق تجاوبا مع نصائح إسرائيلية، فانفتح باب المأساة العراقية.
بعد غزو العراق قادت الولايات المتحدة مبادرة السلام الرباعية، التي كانت هي الأخرى مشروع علاقات عامة لتحسين الصورة، بعد العدوان على العراق. أي أن مبادرات السلام هي مشاهد علاقات عامة، تعقب الفتوحات العسكرية الأمريكية في المنطقة.
وهدفها المعلن، وهو الأرض مقابل السلام، يتراجع مع الأيام ولا يتحقق منه شيء. هدف هذه العملية هو إقامة دولة فلسطينية إلى جوار إسرائيل في الأرض المحتلة عام 1967.
حقائق جديدة
وفي أثناء مفاوضات السلام غير المجدية، والتي استمرت منذ 1991 ولمدة 19 عاما، خلقت إسرائيل واقعا جديدا: ضمت إليها 45% من أراضي الضفة، ووسعت المستوطنات، وواصلت تهويد القدس، وواصلت تهديد المسجد الأقصى، وأقامت الجدار العنصري العازل.
تقوم الاستراتيجية الإسرائيلية على جدوى تفوقها العسكري على كافة دول المنطقة، وعلى الدعم العسكري غير المحدود من أكبر قوة عسكرية واقتصادية في العالم: الولايات المتحدة، وتقوم على افتراض أن الصهيونية سوف تشد أغلبية يهود العالم إلى إسرائيل، مكرسة دورها الرسالي وطبيعتها اليهودية.
ولكن العبرة التاريخية تؤكد محدودية دور التفوق العسكري، إن كانت القوة عارية من الحق. حرب 2006 الإسرائيلية على لبنان، وحرب 2009 على غزة، حققتا تدميراً عسكرياً كبيراً، لكنهما أخفقتا إخفاقاً سياسياً كبيراً.
الآلة العسكرية السوفيتية المدججة بعشرين ألف رأس نووي، لم تسعفها تلك القوة في أفغانستان ولا في الإبقاء على الاتحاد السوفييتي، الذي انهار وهو في حضن أكبر آلة عسكرية عرفها التاريخ. والتفوق العسكري الأمريكي في أفغانستان والعراق، لم يحقق مقاصده، بل حقق نتائج سياسية مضادة لها!
بلغ الدعم الأمريكي لإسرائيل ذروته في عهد بوش الابن، فوقف في مؤتمر صحافي في 14/4/2004 يقول:
ــ بوجوب تخلي الفلسطينيين عن حق العودة.
ــ وبحق إسرائيل في بعض المستوطنات لأمنها.
ــ وبعدم العودة لحدود 4/6/1967، بل لحدود آمنة.
ــ وبوجوب الاعتراف بهذه الأمور، وعدم الحديث عن شرعية أو عن حق مسلوب!
ثم جاء رئيس أمريكي جديد ـ أوباما ـ لا يتحدث بهذه اللهجة، بل يبشر بالتغيير. ومع ذلك فإن قدرته على ذلك يحدها أمران، هما: ما يحيط به من الحرس القديم، واللوبي الإسرائيلي.
إسرائيل غير معنية بهذه الحقائق، بل بقيت أسيرة لرؤاها الأيديولوجية.
قال نيتشه: «الأيديولوجية أعدى للحقيقة من الكذب، لأنها تجعل صاحبها يرتكب أخطر الجرائم معتقداً أن ما يفعله هو عين الحق». لذلك تندفع السياسات الإسرائيلية في اتجاهات قصيرة النظر، مستنفرة للآخرين، ومدمرة للذات، على نحو ما قال غاري سيك: «أكبر خطر على إسرائيل هو إسرائيل نفسها».
عوامل حاسمة
السياسات قصيرة النظر هذه دمرت جدوى حل الدولتين. قال إيهود باراك منبها لهذا الخطر في عام 1992: «كل محاولة للاحتفاظ بهذه الأرض (المحتلة) ستؤدي حتما إما إلى دولة غير ديمقراطية، أو غير يهودية. لأن الفلسطينيين الآن 5,4 ملايين نفس، إذا صوتوا فسيكون تصويتهم لدولة ثنائية القومية، وإذا حرموا التصويت فسوف تكون الدولة عنصرية».
هنالك سبعة عوامل في مجال القوى الناعمة، من شأنها أن تهزم المشروع الصهيوني من الأساس.
العامل الأول: حسب نسب النمو السكاني الحالية، ستكون الخريطة الديمغرافية في عام 2025 كالآتي:
ــ عدد سكان إسرائيل 3,8 ملايين، منهم 2 مليون فلسطيني.
ــ عدد سكان الضفة الغربية وقطاع غزة 7 ملايين نسمة.
العامل الثاني: إخفاق المشروع الصهيوني في جعل اليهود يهرعون لإسرائيل. والنتيجة أن أغلبية اليهود ستظل تتخذ من الولايات المتحدة وطنا لها. وكلما تأكد لليهود أن إسرائيل ليست أرض اللبن والعسل، بل الدماء والنيران، ووجدوا في المجتمعات الغربية الليبرالية المسامحة معهم، بل المدللة لهم، أرض العسل واللبن، فإن الحماسة الصهيونية التي أججتها المعاداة للسامية سوف تفتر.
العامل الثالث: قالت غولدا مائير: «لا نغفر للعرب أنهم جعلونا قتلة». إن الصورة المثالية المرسومة لإسرائيل قد تبخرت، ليحل محلها مجتمع مادي استهلاكي غاصب يدافع عن وجوده بأساليب فاشستية. الحلم الصهيوني مات وحل محله مجتمع طارد.
العامل الرابع: هو يقظة الضمير العالمي الذي صار لا يضع حداً أخلاقياً وقانونياً لأساليب البطش التي يلجأ إليها الظلمة. فهنالك عشرات الجمعيات غير الحكومية المعنية بحقوق الإنسان، وهنالك المحكمة الجنائية الدولية، وهنالك تشريعات في كثير من البلدان الديمقراطية، تمكن محاكمها من محاكمة مرتكبي جرائم الإبادة الجماعية، وجرائم الحرب، والجرائم ضد الإنسانية، من أية جنسية.
الاستطلاعات في الشعوب الأوروبية أوضحت أنها صارت تعتبر إسرائيل خطراً على السلام الدولي. إسرائيل انتقلت من دور الضحية الذي جلب لها كثيراً من العطف، إلى دور الجلاد الذي جلب لها كثيراً من المقت. إن تقرير غولدستون وما أعقبه من قرار في الجمعية العامة للأمم المتحدة، هي خطى لها ما بعدها في وضع إسرائيل في قفص الاتهام الدولي.
العامل الرابع: الصهيونية تنطلق من فهم خاطئ للتوراة، لا يقرها عليه اليهود المحافظون الأصوليون. كذلك هنالك نظرة أكثر إحاطة للتوراة، تؤكد أن عهد الله في التوراة مع إبراهيم وابنيه إسماعيل (جد العرب) وإسحق (جد اليهود).
كتب الأستاذ الدكتور رينهارت لاوت في كتابه «إبراهيم وأبناء عهده مع الله»، موضحاً أن رمز العهد هو الختان، وأن إسماعيل هو أول من ختن، وأن الله قال لإبراهيم: وأما إسماعيل فقد سمعت لك فيه، ها أنا أباركه وأثمره وأكثره كثيراً جداً (تكوين 17/2).
إذن حسب التوراة فإن الأمة المباركة عبرية وعربية. هذا يجعل للعرب نصيباً في التراث المقدس بنص التوراة. إسماعيل نفسه معناه قد سمع الله. العامل الخامس: اطمأنت إسرائيل إلى أن كثيراً من النظم العربية واقعة تحت الهيمنة الأمريكية، ولذلك راضية عن تجاوزاتها أو على الأقل متفرجة لا تبدى حراكاً.
الدلائل الآن تشير إلى أن شعوب المنطقة تحررت من قبضة نظم أسيرة للهيمنة الدولية، وهذا العامل له دوره في الوقوف في وجه العدوان الإسرائيلي.
تيار متجدد
العامل السادس: الإسلام انطلق في العالم في القرن السابع الميلادي، وفي القرن الثامن الميلادي أدت المبارزة بين الدولة الإسلامية التاريخية والإمبراطوريات المعاصرة، إلى انتصارات كبرى. ثم شهد الإسلام نهضة ثانية في القرن السادس عشر على أيدي العثمانيين.
والآن توجد في كل مكان دلائل حماسة إسلامية: في الفلبين ـ في أجزاء من روسيا ـ وفي أجزاء من الصين ـ وفي أفغانستان ـ وإيران ـ وباكستان ـ وفي أوروبا ـ وأمريكا.. في العالم أجمع.
ودون الدخول في مفردات هذه الحماسة، فإنها قطعاً تيار قوي ضد اغتصاب واحتلال أراضي المسلمين. العامل السابع: مثلما كان الظلم محركاً أساسياً للحركة الصهيونية، فإن الظلم هو الآن محرك قوي لكل أنواع المقاومة.
الظلم السوفييتي هو الذي كون المقاومة ضده فكان ما كان. والآن الظلم بأبعاده الخمسة، وهي: الاستبداد والفقر داخلياً؛ والاستيطان، والاحتلال، والاستعلاء الثقافي خارجياً.
كفيل بشحن حماسة كافة أنواع المقاومة. ليس مطلوباً للمقاومة أن تنتصر، بل المطلوب هو صمودها. المعادلة الشهيرة هي أن حركة التحرير تنتصر إذا لم تهزم، بينما قوى الاحتلال تهزم إذا لم تنتصر.
لا سلام بلا عدالة، قاعدة تتفق عليها الشرائع المنزلة والتجربة البشرية المستنيرة. كل الدلائل تشير إلى أن إسرائيل لا تتعظ بهذه الحقائق، وتواصل عدوانها بمزيد من الحماسة: تواصل الاستيطان، وتزيد من الاعتداء على المقدسات الإسلامية، وتستبيح أمن الدول العربية. وهي تصرفات موجبة للشجب والإدانة، لا بمد غصن زيتون ليس له مستلم حقيقي.
مطالب محددة
الموقف العربي الصحيح في هذا الأمر هو دعم المقاومة، وتوحيد الفلسطينيين، وترك ديناميات التاريخ تصنع الوجود المغاير.
ولا بد من مطالبة الولايات المتحدة بموقف محدد لا تردد فيه، يقوم على أساس:
1ـ تصفية المستوطنات.
2ـ هدم الجدار العنصري.
3ـ فك حصار غزة.
4ـ تطبيق القرارات الدولية العالقة.
5ـ عدم استخدام حق النقض لحماية العدوان الإسرائيلي.
مع ديناميات القوة الناعمة، وصمود المقاومة، فإن حركة التاريخ هي التي سوف تمكن الوجود الجديد، وتمسح النظم والأيديولوجيات المتخندقة خارج التاريخ.
إن معالم الوجود الجديد تتمثل في:
1ـ تعايش الأقطار ـ الدول، بما في ذلك الكيان العبري، مع التعددية الدينية والثقافية، وحقوق المواطنة المتساوية، وحقوق الإنسان، وهذا يشمل الوجود العبري والأوطان العربية.
2ـ هيمنة نظام دولي يقوم على السلام، والعدل، والتعاون التنموي والإخاء الإنساني.
نحن المسلمين أولى الناس باحتضان نظم قطرية تقوم على الخماسية الذهبية للمواطنين: الكرامة، الحرية، العدالة، المساواة، السلام. وهي ذاتها التي تمتد لنظام دولي يكفل حقوق الإنسان.
العقيدة الإسلامية كذلك، تعطي التعايش الديني بعداً أخلاقياً وروحياً: فالسلسلة الإبراهيمية تبدأ باليهودية، ثم المسيحية، ثم الإسلام، والتعايش بينها مطلوب. والتعامل مع الأديان الأخرى على أساس: لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ، وعلى أساس لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ.
حركة التاريخ تقوم على أساس نظام سياسي، يوفر المشاركة والمساءلة والشفافية وسيادة حكم القانون. ونظام اقتصادي عادل، يسد الحاجة المادية للمعيشة، ويوفر الخدمات الاجتماعية، ويصون الأمن والدفاع. ونظام دولي، يقوم على السلام العادل والتعايش السلمي بين الشعوب.
الفهم الصحيح للإسلام يكفل هذه المعاني، ويعطيها بعداً أخلاقياً وروحياً. هذا الفجر الإنساني لا مكان فيه لنظم ثيوقراطية، ولا لنظم قومية فاشستية.
الصادق المهدي
