لم تكن حملة نابليون الفرنسية في صيف عام 1798 على مصر.. فتحاً حضارياً كما يحلو تصويره لبعض المؤرخين، بقدر ما كانت أقرب إلى ناقوس تنبيه للقوى الوطنية والنُخب المثقفة في مصر والمشرق العربي، وفي مقدمتها علماء الدين في الأزهر.. إلى ضرورة الانفتاح على العصر الحديث ؟ مطالع القرن 19 ؟ مع أهمية التنبه إلى حقيقة الخضوع عبر أكثر من 3 قرون لسيطرة إمبراطورية غير عربية هي الدولة التركية وعاصمتها في اسطنبول.

على جناح هذا الانفتاح والوعي الجديد، جاء محمد علي إلى حكم مصر مع السنوات الأولى من القرن 19 بكل طموحات الرجل إلى إنشاء كيان مستقل عاصمته القاهرة.. ورغم إحباط هذه الطموحات في أواخر حكم محمد علي في أربعينات القرن المذكور، إلا أن أفراد البعثات التي أوفدها إلى أوروبا ؟ وفي مقدمتهم رفاعة الطهطاوي ؟ عادوا محّملين بأفكار جديدة تدعو إلى النهضة والحرية وفصل السلطات ثم انتقلت هذه الدعوات الإصلاحية إلى سائر كيانات الدولة العثمانية فيما جوبهت بتحديات تمثلت في نضوب خزائن الدولة ولجوء حكامها إلى الاقتراض من البنوك الربوية الأوروبية وهو ما أفضى إلى وقوع اسطنبول وعواصم أخرى في المشرق والمغرب فريسة للسيطرة الاستعمارية.

في أول أيام يوليو من عام ,1798. صحا أهل الإسكندرية على ساحل مصر المتوسطي على مفاجأة صادمة وجدوا فيها ميناءهم العتيد مزدحما بالسفن الحربية والغزاة القادمين عبر البحر من فرنسا بقيادة نابليون بونابرت. وهكذا بدأ الاحتلال البونابرتي لمصر فيما أصبح يعرف في التاريخ العربي المعاصر باسمه المتواتر: الحملة الفرنسية.

دام هذا الاحتلال نحوا من 3 سنوات.. يوضح المؤلف أن كان ثمة هوة فاصلة بحق بين المصريين أصحاب البلاد الشرعيين وبين المحتل الأجنبي بونابرت، الذي قدم إلى الأرض العربية محملاً بأفكار ودعوات الثورة الفرنسية، رافعاً شعارات عن التمدين والتحديث.. صحيح أن نابليون سعى إلى كسب ود النخبة من علماء الأزهر وصفوة الكاتبين في مصر والقارئين.

وصحيح أنه حاول ترويج أفكار ومقولات وصل بعضها إلى ادعاء الإسلام ونادى بعضها الآخر بمبادئ المساواة والحرية. فضلا عن محاولة إبهار أبناء البلد أهل الشرق الأورينت كما يصفهم بحفلات أو اجتماعات يشهدون فيها تجارب الكيميائيين الفرنسيين أو فرقعات الديناميت أو صواريخ الألعاب النارية.. لكن هذا كله لم يفلح في إبهار المصريين..

ولا جازت هذه «النكتة» على أفهامهم ولا أصيبوا بالفزع الأكبر من فرقعة القنبر بمعنى القنابل على حد تعبير مؤرخ العصر اللماح عبدالرحمن الجبرتي (1754-1822).. لم يفلح هذا كله بسبب جوهري وحيد هو:

أن أهل مصر رأوا في بونابرت وجيشه وجنوده قوما من المستعمرين.. وكأنهم جاءوا باستعمار «الفرنسيس» لكي يحل محل استعمار الأتراك العثمانيين.

هذا الفراغ السياسي

لهذا كان على الفرنسيس أن يرحلوا عن البلاد المصرية ليتركوا فراغا في مجال السلطة والحكم على نحو ما يذهب إليه مؤلف كتابنا (ص65) وربما كان أهم ما خلّفوه من أثر هو أن حطموا قاعدة السلطة التي كان يستند إليها المماليك في حكم القاهرة وسائر أراضي الدلتا في شمال مصر.

وهكذا أسلمت الأوضاع إلى صراع بالغ الشراسة شهدته شوارع القاهرة مع السنوات القليلة من بداية القرن التاسع عشر: بين المستعمر التركي القديم والحاكم المملوكي العتيد والطرف الإنجليزي الطامع في وراثة تركة نابليون.. ثم أضيف إلى هذا كله طرف مستجد اسمه قوى الشعب المصري التي فتحت الحملة الفرنسية عيونها لكي تتطلع إلى لنظام أفضل ومؤسسات جديدة لحكم البلاد وإدارة مرافقها.

ولأنها كانت قوة فتية وعفية وأكثر مشروعية من سواها.. فقد استطاعت القوة الشعبية أن تختار حاكمها الجديد وكان ضابطا من أصل ألباني اسمه محمد علي الذي رشحوه ثم أعلنوه واليا على مصر في عام 1805.

يعلق المؤلف على هذه التطورات قائلا: فرق كبير بين أن يتم الإعلان عن هذا الاسم أو ذاك حاكما على مصر.. فقد حظي بهذا الإعلان عشرات من الرجال منذ الغزو العثماني في عام 1517 وبين أن يصبح المرشح - في حالة محمد علي ? حاكماً فعلياً على البلاد.

وهنا يعقد كتابنا مقارنة بين مشروع استقلال الأتراك بالحكم عند علي بك الكبير وعند محمد علي باشا.. يقول البروفيسور روجان: على خلاف كل من سبقوه.. نجح محمد علي في إقرار وترسيخ سيادته على الإقليم (المصري) عندما بادر إلى احتكار ثروة البلاد واستخدم عائداتها في إنشاء جيش قوي وتنظيم دولة بيروقراطية فاعلة ثم استخدم الجيش لتوسيع رقعة الإقليم الخاضع لحكمه وليجعل مصر مركزا لامبراطورية كان يطمح لبسط نفوذه على أرجائها.

وهنا يكمن الخلاف بينه وبين علي بك الكبير: كان علي بك مملوكا يحلم بإعادة بناء امبراطورية للمماليك فيما كان محمد علي باشا عثمانياً يسعى إلى بسط نفوذه على امبراطورية عثمانية بالدرجة الأولى.

إيجابيات محمد علي

وقبل أن يشعر القارئ بأن المؤلف يكاد يتجنّى على محمد علي من واقع التركيز على طموحاته أو أطماعه، يبادر المؤلف ليضيف أن محمد علي كان موهوباً بعقلية التجديد أو التحديث مما جعله يضع مصر على مسار الإصلاح معتمداً في ذلك على الأفكار والتكنولوجيا الأوروبية فيما اتبع أسلوباً ما لبث أن حاكاه بعد ذلك سدنة الامبراطورية العثمانية أنفسهم في عاصمة الدولة العلية في اسطنبول.

وفيما يسهب المؤلف في عرض جوانب التجديد الذي جاء به حكم محمد علي في ميادين العلم والتطبيق وتكنولوجيا الصناعات الحربية والمدنية.. إلا أن الذي يعنينا هو صناعة الوعي والثقافة والتعليم التي قاد محمد علي باشا مسيرتها في مصر.

يقول المؤلف في هذا السياق: أوفد محمد علي البعثات العلمية إلى عواصم أوروبية واستحدث مكاتب الترجمة التي كلفت بنشر الكتب والدراسات الأوروبية مع ترجمة وإصدار الأدلة والوثائق التقنية إلى اللغة العربية.

وعندنا أن كان هذا هو المسار الصحي والسليم في تعميق تعريب الثقافة والهوية المصرية.. ولو على مستوى نثر البذور التي كان لها ? مع سنوات القرن التاسع عشر أن تنضج وتؤتي ثمارها في تحديد الأبعاد العروبية لشخصية مصر ودورها ورسالتها ومسؤولياتها بالنسبة للإقليم الذي تنتمي إليه وتشاركه وحدة اللغة والثقافة والطموح والمصير.

الانفتاح على أوروبا

وفيما انتهت طموحات هذا الباشا الكبير إلى الانكماش من جديد داخل حدود مصر مع عقد الأربعينات من القرن 19 إلا أن تجربة الانفتاح على تقدم أوروبا عبر المتوسط هي التي بقيت مجسدة في عدد المبعوثين الذين عادوا محملين بأفكار النهضة والحرية والفصل بين السلطات واستشراف آفاق أرحب من التقدم المادي والمعنوي.. وكان رائدهم أو أستاذهم في هذا المجال هو رفاعة رافع الطهطاوي (1801- 1873).

بل أكثر من هذا: فعندما وجدت تجربة مصر ذاتها من ينسج على منوالها في مضمار الإصلاحات التشريعية والسياسية والتكنولوجية عند قمة الإمبراطورية التركية، جاءت النتيجة على شكل تحولات في أسلوب اسطنبول والباب العالي في حكم الإمبراطورية وإدارة مرافقها من جهة، وأيضا في التعامل مع سائر الأطراف الدولية في أوروبا بالذات ـ من جهة أخرى.

يضيف المؤلف قائلا: لم يعد باستطاعة اسطنبول أن تتجاهل ما حققته أوروبا من أشواط التقدم: كانت أوروبا وقتها مع منتصف القرن التاسع عشر قد تجلى دورها ومكانتها بوصفها القوة المسيطرة في العالم.. وهكذا أصبح على الإمبراطورية العثمانية أن تمارس اللعبة وفق القواعد التي رسمتها أوروبا.

نلاحظ في هذا السياق اهتمام المؤلف بهذا الجانب من التقدم الثقافي المستند إلى التجربة الأوروبية. ولعل هذا هو سبب تركيزه الحديث عن المثقف الرائد الذي ألمحنا إليه فيما سبق من سطور.

وفي عرض أقرب إلى الدراما، عند مستهل الفصل الرابع من الكتاب.. يتابع قلم المؤلف خطوات الأزهري المصري الشاب القادم من طهطا في أعماق صعيد مصر وهو يتخذ طريقه صعدا إلى متن السفينة الفرنسية «لاترويت». كان ذلك في يوم ربيعي دافئ هو 13 ابريل من عام ,1826. كان الشيخ رفاعة لا يزال مرتديا الجبة والقفطان وعلى رأسه العمة الأزهرية ذات الشال ناصع البياض.. ألقى نظرته الأخيرة على أرض الوطن من مرفأ الإسكندرية.. وشاءت الأقدار ألا تطأ قدماه تراب مصر إلا بعد خمس سنوات كاملات أمضاهن في فرنسا عاكفا على القراءة العميقة والملاحظة الدقيقة والترجمة الشاقة والتدوين الذكي اللماح لكل ما رآه في حضارة الغرب لكي يمكث في أرض العرب وينفع الناس.

وعندما عاد الطهطاوي وعاد من بعده زملاؤه وتلاميذه جاءت معهم أفكار جان جاك روسو وفولتير ومونتسكيو في حرية التعبير وفي التمثيل البرلماني وفي أهمية المطبعة ودور الصحافيين (أرباب الجورنو ) جمع جورنال على حد ترجمة الطهطاوي) الذين يصدرون «الغازيتات» بمعنى الصحف التي رأى رفاعة أنها أكفأ وسائل التواصل بين الحاكمين والمحكومين.

عقبات وتحديات

انداحت هذه المؤثرات، كما ألمحنا إلى كل مناطق الإمبراطورية العثمانية حيث راجت وازدهرت الدعوة إلى رفض الحكم الاستبدادي المطلق، والى تقنين العلاقة بين الدولة ورعاياها في إطار وثائق وصكوك ومستندات بدأ الناس يتسامعون بها في تلك الفترة وحملت مسميات وصباغات عديدة ومنها مثلا: المشروطية.. الشَرطة (بمعنى المشارطة وبفتح الشين).. ثم الدستور.

وكانت اللفظة الأخيرة أقرب إلى كلمة الساعة كما قد نسميها.. أو كانت الشعار الذي لا يفتأ يرددها أهل النخبة من مثقفي الأقطار العربية الخاضعة للحكم العثماني.. وكم رددت أدبيات تلك الفترة نداء كان يسمعه أهل الحكم ما بين العاصمة في اسطنبول إلى سائر العواصم المحكومة من مشرق العالم العربي إلى مغربه.. والنداء يقول: الدستور.. يا أفندينا..

لكن مشكلة هذه التغييرات وما كان يوازيها من دعوات الإصلاح أنها صادفت عقبات وتحديات جاءت في أساسها من خارج حدود الإمبراطورية العثمانية ذاتها.

ومن عجب أن أخطر ما جسدته هذه التحديات لم يكن متمثلا في الجيوش الأوروبية التي جاءت على متن المد الاستعماري الذي شهدته سنوات القرن التاسع عشر. صحيح أن هذا المد الإمبريالي بدأ مع سنة 1830 باحتلال الفرنسيين للجزائر، ومع سنة 1839 باحتلال الإنجليز لعدن.. ثم عاود زحفه فرنسيا باحتلال تونس عام 1881 ثم إنجليزيا باحتلال مصر عام 1882.

إن مؤلف الكتاب يذهب من جانبه إلى أن الخطر الحقيقي والجسيم لم يكن متمثلا في جيوش الاستعمار الغربي التي زحفت إلى تلك الأقطار التي كانت خاضعة بصورة أو بأخرى للسيطرة العثماني الخطر الأكبر الذي كان يهدد الاستقلال الحقيقي لتلك الأقطار يراه المؤلف متمثلا في عامل آخر هو: البنوك.

وباختصار شديد يقول المؤلف: لقد اجتاح الرعب دعاة الإصلاح ومنفذي الإصلاحات في ربوع الدولة العثمانية إزاء الأخطار الجسيمة التي تمثلت في القروض التي كان أركان الدولة التركية يقترضونها من بنوك أوروبا الكبرى.

هذه المصارف الربوية طالما أغرت حكام اسطنبول بتقديم سلفيات طائلة لمعالجة مشاكل نضوب الأموال في خزائن إمبراطورية كانت تعيش شيخوخة العمر وتداعي البنيان.. ومن ثم تراكمت فوائد تلك القروض.. وزادت شروطها قسوة إلى حد وحشي في بعض الأحيان.

من الإفلاس إلى الاستعمار

وما ان انتصف القرن 19 حتى لاحت نذر الإفلاس الداهم في أوصال الإمبراطورية العثمانية.

وهنا يضيف المؤلف في معرض التعليق عند ختام الفصل الرابع من الكتاب: مع وقوع حالات إفلاس كل من تونس ومصر واسطنبول، باتت مبادرات الإصلاح في مهب الريح. وبعد أن كانت هذه الحركات الإصلاحية قد بدأت من أجل تعزيز دعائم الدولة العثمانية والولايات الدائرة في فلكها.. جاء نفوذ البنوك الأوروبية ومع مجيء جحافل المرابين الأجانب ليقوّض دعائم الإصلاح من جهة ويزيد من استشراء النفوذ بل والسيطرة الأجنبية من جهة أخرى.

ويركز المؤلف في الفصل السادس الحديث لا عن ظاهرة الاستعمار الأوروبي من حيث التواجد والآثار.. ولكن من حيث الأسلوب الذي اتبعه البريطانيون بالذات لبسط نفوذهم على تلك الأصقاع التي ظلت خاضعة على مدار أحقاب زمنية طويلة، بدأت مع مطالع القرن السادس عشر لسيطرة الإمبراطورية ـ التركية العثمانية. هذا الأسلوب لخصته كل الأدبيات السياسية المعاصرة في العبارة المأثورة التالية: فرّقْ تسُد.

وقد أسهب المؤلف في تحليل هذا النهج التفريقي أو التقسيمي، الخدّاع بالطبع، الذي عمد إلى اتباعه عملاء ودوائر الاستعمار البريطاني في المشرق العربي بالذات.. وقد شهدت فترة ما بعد الحرب العالمية الأولى نجاح هذا الأسلوب في بثّ الفرقة بين صفوف العرب.. للأسف الشديد.

تأليف: إيوجين روجان

الناشر: بازيك بوكس، نيويورك ، 2009

عرض ومناقشة: محمد الخولي

عدد الصفحات: 553 صفحة