بوصلة الإنسانية في مفكريها، فيهم مكامن المعرفة وإمكانات قراءة الماضي والحاضر واستشراف معالم المستقبل من منطلق علمي قادر على إبعاد شبح الكوارث والأزمات الطبيعية وغير الطبيعية عن ناظر الناس ويخفف عن كاهلهم أعباء محتملة حتميتها من عدمها تتحدد بمدى اعتمادهم على النظر إلى ما يدور حولهم ومن خلفهم من خلال عيون أولئك العلماء والمفكرين، الذين أفنوا حياتهم في سبيل مزيد من اليقين والمعرفة خدمة لأبناء جلدتهم في الإنسانية،.

أحد أهم أولئك المفكرين هو المفكر المصري الدكتور جلال أمين، صاحب الكثير من المؤلفات الشهيرة مثل «ما الذي حدث للمصريين» و«عولمة القهر» و«عصر التشهير بالعرب والمسلمين»، وأستاذ الاقتصاد بالجامعة الأميركية في القاهرة. قدم إلى دبي لاستلام جائزة مؤسسة سلطان بن علي العويس الثقافية للدراسات الإنسانية والمستقبلية. «البيان» انتهزت فرصة وجود المفكر الكبير في دبي وأجرت معه هذا الحوار. هل تتوقع مرحلة جديدة في مسيرة مصر تشهد تعديلا جذريا في الدستور ؟ أتوقع مثل هذا التغيير في نظام الحكم المصري وأتوقع تغيرا جوهريا. لو سألت المصريين هذا السؤال في الوقت الراهن، لن يجمعوا على هذا التوقع، بعضهم سيقول لك إن هذا التوقع غير ممكن وإن نظام الحكم سيكسب من جديد، لكني شخصيا أكاد أكون متأكدا من أن ظاهرة الدكتور محمد البرادعي ستأتي بالبرادعي إلى الحكم أو شخص آخر مثيل له.

ولدي أسباب لهذا التوقع، لكن قبل أن أقول لك الأسباب، لا بد من القول إنه إذا حصل هذا فإن النظام سيصبح أكثر ديمقراطية وأكثر تسامحا مع المعارضة كما ستكون حرية الرأي متاحة أكثر كما أتوقع أن الفساد سيقل .

وأنا أوافق على أنه سيأتي حكم مدني ويحل محل الحكم العسكري، مع أن أصل مبارك العسكري لم يكن له تأثير كبير في واقع الأمر، ولا حتى السادات، فالانقلاب العسكري كان له أهمية في بداية عصر الثورة .

ومن ثم فقد أهميته، حيث لم يعد لواقع أن عبد الناصر كان عسكريا أو ضابطا أي تأثير على النظام السياسي المصري. الحكم المقبل سيكون مدنيا، وسيحظى الناس بفرصة انتخاب رئيسهم هذه المرة، بينما لم ننتخب أي رئيس من الرؤساء الثلاثة السابقين، وهكذا سيكون الرئيس المقبل أول رئيس مصري ينتخب من المصريين، وهذا لا يعني أن عبد الناصر لم يكن محبوبا، لكن هناك فرق بين أن يكون محبوبا وبين أن يكون منتخبا.

دولة مستقلة

لم يكن النظام ذا طابع عسكري، فما هي طبيعة التحالفات الطبقية أو السياسية أو الفكرية التي يقوم عليها؟

لا أتفق، في كثير من كتاباتي، مع وجهة النظر التي تنظر إلى طبيعة النخبة الحاكمة في مصر على أساس التحالفات الداخلية التي عادة ما تجري بين قوى اجتماعية أو سياسية أو طبقية معينة.

لأن هذا الطرح يفترض وجود دولة مستقلة لا تخضع بشدة للظروف الخارجية، بينما مصر دولة تابعة منذ مدة طويلة جدا، لكني لا أنكر أن العوامل الداخلية مهمة ذلك أن القوى الخارجية تأخذها في اعتبارها وتدخلها ضمن معادلة التبعية.

هناك نوع من التعويل على العوامل الخارجية من أجل التغيير بينما ثمة غياب لعوامل الحراك الاجتماعي الطبيعية.

بالطبع،ذلك أن عوامل الحراك الاجتماعي والسياسي الطبيعية لا تحدث إلا في الدول المستقلة، التي تملك إرادتها،أعتقد أن هذا سيهز تفكيرك لأنك اعتدت على أن الواقع الطبقي له أهمية قصوى في التغيير، لكن المسألة مختلفة في حالة مصر، وسأضرب لك مثالا في هذا السياق، فالانفتاح الذي أجراه السادات كان يناسب شريحة اجتماعية معينة في مصر استفادت منه بشدة ولكن الذي أحدث الانفتاح في مصر هو الضغط الخارجي.

تنكر آخر

لماذا راحت مصر وتنكفئ نحو الداخل بمحض إرادتها، إلى درجة أنها تسمي بعض مؤسساتها الوطنية بالمؤسسات القومية مثلما يجري عند الحديث عن الصحف القومية المصرية وكأن الحالة المصرية الداخلية هي المقصودة بالصفة القومية بعيدا عن محيطها العربي؟

انكفاء مصر على ذاتها له دلائل كثيرة وأهم بكثير من وصف الصحف المحلية بالقومية، لأن كلمة قومية عند المصريين، بعكس دول عربية أخرى، لا تدل بالضرورة على التنكر للعرب، لكن هذا لا يعني عدم وجود تنكر للعرب من نوع آخر وبدلالات مختلفة. أما فيما يتعلق بانكفاء مصر على ذاتها، فإنه من السهل فهم ذلك، لأن مصر انكفأت على نفسها منذ أيام السادات وكان هذا مفهوما ومتوقعا.

فالسادات لم يكن لديه إنتماء عربي ولم يكن لديه مشروع قومي ولا عربي، وكان يصنع ما يقال له، ما يحيلنا إلى مسألة تبعية النظام المصري للخارج ويفسر كل شيء في الواقع. عندما كان السادات تابعاً لعبد الناصر، كان يتكلم عن إسرائيل كلاما مختلفا تماما عن كلامه بعد أن استلم الحكم، أما السبب فيتعلق باختلاف الظروف وباختلاف المتبوع.

شعب حي

إلى متى سيبقى الحراك السياسي في مصر أسير الأرصفة والأسوار المحيطة بمقرات الاتحادات والنقابات؟

أنت تقصد لماذا لا ينتقل إلى الشارع؟

حسناً، يجب أن نلاحظ أن الشارع المصري لم يلعب عبر التاريخ دورا مهما بعكس دول عربية أخرى، الشارع المصري عادة ما يكون أكثر هدوءا والثورات الشعبية التي تندلع في الشارع قليلة جدا في مصر وأنا أرد ذلك إلى طبيعة الشعب المصري، لكن ذلك لا يعني أن الحاكم لا يحسب حسابا للشعب المصري، فعين الحاكم المصري كانت منذ الفراعنة على الشعب الذي يطأطئ له أحيانا ويتجاهله أحيانا أخرى، لكنه يجب أن يكون واعيا لما يفكر به الشارع المصري، إلا أن المصريين لا يقتربون من الشارع إلا نادرا.

وبالتالي، فإن حركة كفاية أخذتنا جميعا على حين غرة عندما قامت عام 2004 واستغربنا نزول الناس إلى الشارع رغم أعدادهم الضئيلة، وهذا ليس سيئا بالضرورة، فالشعب المصري شعب حي والمسألة لها جوانبها الإيجابية وجوانبها السلبية والشعب المصري شعب صبور.

وبالعودة إلى السؤال، يمكن القول إنه من الأمثلة القليلة التي حصلت على صعيد خروج الناس إلى الشارع هو خروجهم في إستقبال محمد البرادعي، مؤخرا، وهذا يعتبر شارعا رغم أن معظم الذين شاركوا في ذلك الاستقبال الحاشد ينتمون إلى فئة الشباب المتعلمين. يضاف إلى طبيعة الشعب المصري عامل آخر يتعلق بأن النظام المصري نظام بوليسي مخيف لا يسمح للناس بالنزول إلى الشارع.

نمو وفقر

على الرغم من أن مصر تحقق معدلات عالية نسبيا في النمو الاقتصادي،إلا أن واقع تقسيم عائد العملية الاقتصادية يشهد اختلالا حقيقيا يجعل الفقراء أكثر فقراً والأغنياء أكثر غنى، كيف يمكن تفسير هذا التناقض الصارخ؟

عندما تشير إلى ارتفاع معدلات النمو فإنك تشير بذلك بصورة أساسية إلى الفترة الواقعة ما بين عامي 2005 و2008، فطوال العشرين سنة التي سبقت هذا التاريخ كان معدل التنمية حوالي 4% ثم ارتفع خلال السنوات الثلاث تلك وثم حدثت الأزمة المالية العالمية في سبتمبر 2008، لكن ملاحظتك صحيحة، ذلك أن الفقراء لم ينتفعوا من ارتفاع معدلات النمو حتى في أفضل حالاتها، لا بل قد تكون حالتهم قد ساءت أكثر.

ومن السهل تفسير هذا الواقع، فالاقتصاديون عادة ما يشبهون النمو الاقتصادي بالكعكة بيد أن هذا لا يشير البتة إلى كيفية تقسيم تلك الكعكة التي يمكن أن تكبر كثيرا بينما يقل نصيبك فيها وهذا شيء مألوف في تاريخ الاقتصاد، أي أن الحديث يدور هنا عن سوء التوزيع صغرت الكعكة أم كبرت، بحيث يصبح من غير المستغرب أن ينمو الاقتصاد بوتيرة عالية بينما يزداد الفقراء فقرا والأغنياء غنى.

نمط سييء

ما هو تصورك للمنعطف المقبل في الحركة السياسية في مصر، كيف يؤثر بروز شخصيات عامة جديدة على غرار الدكتور محمد البرادعي وهل هذا يبعد التوريث عن المشهد السياسي المصري مع اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية في عام 2011؟

نعم بالضرورة، وأنا بت أعتقد الآن أن توريث الحكم لن يتم، لكن لم يكن هذا رأيي منذ شهر. مجيء البرادعي وطريقة تعامل الناس معه وملابسات أخرى كثيرة في الداخل والخارج جعلتني أعتقد أن عملية التوريث فشلت واستبعدت ، لكن ليس تماما لأنه هناك بعض الدوائر الحكومية وكتابها يشنون حملة انتقاد شرسة ضد البرادعي وهذا يعني أن هناك بعض العناصر في النظام التي لا تزال متمسكة بالتوريث.

عوامل قوة

كيف يبدو لك المستقبل العربي في ضوء واقع التمزق الذي يعيشه النظام الرسمي؟

منذ اسبوع ألقيت محاضرة في بيروت في مركز الدراسات الفلسطينية تحت عنوان «مستقبل القضية الفلسطينية» وشرحت فيها الأوجه الداعية للإحباط وهي كثيرة، إلا أني قلت إنه رغم كل هذا هناك بعض العوامل الإيجابية ودواعي عدم التشاؤم، أحدها يتمثل في أن الغرب وإسرائيل ماضون في ضرب العرب وتشتيتهم وإضعافهم اقتصادياً وسياسياً وعسكرياً وثقافياً منذ 80 سنة أي منذ عام 1930 عندما احتل الإنجليز عدن والفرنسيون الجزائر.

فمنذ ذلك التاريخ ونحن نتعرض للضرب، بينما يتطور التعليم في خدمة المستعمر واللغة تضرب والدولة الواحدة تجزأ كما حصل في الشام مثلاً والدول العربية تبعد بعضها عن بعض، لكن رغم كل ذلك فإن المرء يدهش كيف لا نزال صامدين وأنا استنتج من ذلك أن الشخصية العربية فيها مكامن قوة دفينة لسببين ،الأول لأننا ننتسب إلى حضارة راقية .

و لدينا لغة عبقرية لا تزال تساهم في توحيدنا رغم ما يحدث لنا وهذا عامل يخفف درجة الإحباط،، أما العامل الثاني فيكمن في أن الولايات المتحدة آخذة بالضعف منذ حرب 67 تقريباً والمركز الاقتصادي النسبي للولايات المتحدة في العالم يتضاءل وعندما يتضاءل هذا المركز فلا بد أن يتبعه تدهور سياسي ومن ثم عسكري.

أعتقد أن ذلك من أسباب التفاؤل لأنه عندما تضعف الدولة المسيطرة عليك والتي تدعم عدوك باستمرار فهذا يدعو إلى بعض التفاؤل لكن هذا لا يعني أن ننتظر سقوط إسرائيل بمفردها بل علينا واجبات نحو أنفسنا .

المستقبل العربي يلوح في أفقه دواع للتفاؤل وأخرى للتشاؤم. لكن وجود إسرائيل في المنطقة سيبقى يلقي بظلال قاتمة على مستقبلها .

اليسار

كيف تنظر إلى واقع الفكر اليساري في العالم ؟

حركة الفكر اليساري في العالم ضعيفة ، وذلك يعود إلى السقوط المدوي للإتحاد السوفييتي والدول الاشتراكية وتصاعد نشاط الفكر المحافظ الجديد وربما الأهم من ذلك يكمن في النزعة الاستهلاكية، التي عمت العالم.

والإنسان عندما يتحول إلى كائن استهلاكي تضعف نزعته ككائن سياسي واجتماعي وكلما ازدادت لهفة الناس على السلعة يضعف المشروع العام وأنا أرى ذلك في عيون طلبتي الذين لدى كل واحد منهم مشروعه الخاص ويريدون أن يتمتعوا بالحياة بحيث يصبح الغرض الوحيد من الحياة هو التمتع والتمتع هو استهلاك.

حيث يصحو المرء على إعلانات وينام على إعلانات، فما الذي تتوقعه من الفكر اليساري أو الإصلاحي في مثل هذه الظروف. نحن بحاجة إلى نهضة روحية لأن مقاومة النزعة الاستهلاكية لا تأتي بالسياسة بل تأتي بالروح بمعنى أن نفيق لأنفسنا حيث لم تعد المسألة تتعلق بصراع طبقي رغم وجوده فما الفائدة من أن تربح العالم وتخسر نفسك . هل يستطيع العرب أن يقدموا هذه المساهمة الروحية؟

الخارطة الإقليمية تشير إلى وجود ثلاثة مراكز إقليمية هي إيران وتركيا وإسرائيل بينما المركز الرابع المتمثل بالعرب يبقى متوارياً عن الأنظار .

هذا سؤال مهم جداً، فمن نافلة القول إن إيران مرشحة لمثل هذا المركز من خلال قوتها العسكرية وطاقتها السكانية والحضارية والثقافية، الأمر نفسه ينسحب على تركيا لكني لا ادري ما مدى قدرة تركيا وإيران على التصدي لإسرائيل ، في حين أتصور أنه من الممكن حدوث نوع من التقاسم بين تركيا وإسرائيل ولا أتصور ذلك بين إسرائيل وإيران لأن الأخيرة لديها نزعة روحية معادية جداً لإسرائيل و إسلاميتها أقوى وتاريخها الحضاري أغنى وتمسكها بتراثها أشد بينما تنكرت تركيا لتاريخها وتراثها منذ أتاتورك علماً بأن هناك نزعات جديدة في تركيا تحاول أن تستعيد دور تركيا التاريخي في المنطقة.

إسرائيل تتابع بدقة ما يحدث في مصر

يرى الدكتور جلال امين أن الصهيونية ليست ببعيدة عن ممارسة ادوار معينة في صميم المعادلة الداخلية لمصر،حيث تقوم ،من وجهة نظره، بدور أساسي في التطور المصري، لأن إسرائيل لا يمكن أن تتجاهل ما يحدث في مصر. وما يحدث داخل مصر مهم جدا لإسرائيل لأنه يؤثر على سائر المنطقة العربية ولأن مصر أقوى دولة عربية وإسرائيل تتابع ما يحدث في مصر باستمرار وتنسق سياستها مع الأميركان في هذا الصدد باستمرار .

دور الصهيونية واضح. صحيح أن الوضع الداخلي في مصر سيكون أفضل سياسيا واجتماعيا و من ناحية مقاومة الفساد و توزيع الدخل ، لكن لا أدري إن كانت السياسة الخارجية ستشهد تغييرا أم لا.

ظاهرة أحداث 11 سبتمبر اختراع أميركي

يجزم الدكتور جلال امين أن ظاهرة أحداث 11 سبتمبر وما تلاها هي ظاهرة من اختراع أميركي بحت والإرهاب اختراع أميركي أيضاً واخترعوه كي يحل محل الشيوعية لأنه بدون هذا الواقع لا تتقدم السياسة الخارجية الأميركية لما يحمله من تخويف للقوى الصغرى حول العالم ويبرر الإنفاق على الدفاع ويأتي بأرباح صناعة التسلح ويخيف الرأي العام الأميركي الداخلي ويجعله يقبل بأي شيء .

مصر تقترب من نمط أميركا اللاتينية

يقول الدكتور جلال أمين أنه يشبه السنوات الأربعين الأخيرة من حياة مصر بأننا نقترب من نمط أميركا اللاتينية.

ويشير إلى أن نمط توزيع الدخل في أميركا اللاتينية مشهور بأنه من أسوأ أنماط التنمية عندما يتعلق الأمر بتوزيع الثروة حيث تظهر بقوة الفجوة بين الفقراء والأغنياء.

حوار- باسل أبو حمدة