يحيل المؤلف في هذه الحلقة الى مؤرخ شعبي عاش في مدينة دمشق خلال منتصف القرن الثامن عشر وكان يحترف الحلاقة. ولكنه ترك مذكرات أقرب الى اليوميات التي قدمت تصويرا دقيقا ومبسطا عن أحوال ذلك العصر الذي كانت فيه المنطقة العربية خاضعة لحكم الإمبراطورية التركية التي شيدها بنو عثمان واتخذوا من اسطنبول عاصمة لها.

ويحلل المؤلف هيكل السلطة والإدارة الذي شيده العثمانيون وقد دانت لهم أقطار المشرق العربي بعد أن تم غزوها خلال العقدين الأول والثاني من القرن السادس عشر..

ومع تطور الأحداث اضطرت الدولة الإمبراطورية الى الاستعانة بحكام البلاد السابقين وكان في مقدمتهم مثلا المماليك في مصر وسورية. وتعرض الحلقة إلى التحديات التي صادفتها الدولة العثمانية سواء من جانب إمبراطوريات أوروبا في النمسا والمجر وروسيا ومناطق القوقاز والبحر الأسود، وكلها كانت تهدف الى تحرير وسط وجنوب أوروبا من السيطرة التركية.

أو من جانب بعض الولاة والحكام المحليين في مناطق المشرق العربي، وكان في مقدمتهم كل من علي بك الكبير في مصر، وكذلك الشيخ ضاهر العُمر في مناطق شمالي فلسطين التي كانت قد ازدهرت وذاع صيتها وخاصة خلال النصف الثاني من القرن الثامن عشر بفضل انتاج القطن الذي اشتد الطلب عليه في فرنسا نتيجة تطور تكنولوجيا الغزل والنسيج بعد قيام الثورة الصناعية

عاش في مدينة دمشق خلال منتصف القرن 18

اسمه أحمد البديري.. كان من أهالي العاصمة السورية دمشق.. يحيل إليه مؤلف كتابنا في مواضع عديدة.. رغم أن البديري لم يكن حاكما ولا متصرفا ولا جنرالا في جيش لسطان بني عثمان.. صحيح أن ذكرته المراجع وكتب التراجم.. (ومنها مثلا موسوعة الأعلام للمرحوم خير الدين الزركلي ـ الجزء الأول) ولكنهم ذكروه بوصفه أحمد البديري.. الحلاق: نعم..

فقد كان صاحبنا يحترف الحلاقة وكان معتزا بمهنته.. مشيدا بفضل «الأساتذة» الذين علموه إياها.. وكم كان يحكي عن أصحاب الرؤوس الذين عنت هاماتهم وهو يمارس الحرفة في بيداء تلك الرؤوس. لماذا إذن يحوز أحمد البديري الحلاق كل هذا الاهتمام عند فواتح الفصل الثاني من الكتاب؟ لأنه ترك لنا مذكرات يومية..

كان يدوّن فيها الأحداث الجارية في زمانه، وبالذات خلال الفترة 1741ـ 1762. يصف المؤلف هذا المؤرخ الحلاّق بأنه كان مواطنا عثمانيا.. شديد الإخلاص للدولة العلّية وسلاطينها..

وكم دوّن في تواريخه دعاءه لله عز وجل أن يديم عز الدولة الى آخر الزمان.. آمين! ويحلل المؤلف أسباب هذا الولاء موضحا أن مفهوم اسطنبول عن أمور الدولة وفنون الحكم الرشيد كان يقوم على أساس من توازن مرهف ودقيق بين 4 عناصر مترابطة تشكل فيما بينها ما كان يعرف بأنه «دائرة التوازن» أو هو «قطب الرحى».. أو «بيضة الميزان» كما قد نقول.

ثم يعرض المؤلف هذه العناصر الأساسية الأربعة على النحو التالي: جيش قوي تابع للدولة يتيح لها ممارسة سلطاتها ونظام ضرائبي واسع النطاق يتيح للدولة الحصول على الأموال الطائلة لسد احتياجات هذا الجيش ونظام سليم لإدارة موارد الدولة والسهر على راحة رعاياها..

إن لم يكن من أجل أن يظلوا قادرين على سداد ما عليهم من صنوف الضرائب وأنواع المكوس وقوانين وفرمانات ولوائح تنظيمية تستهدف توخّي قدر معقول من العدالة والانضباط بحيث يدور دولاب الحكم على هذا النحو الذي يبدأ بإقرار سلطة الدولة ثم ينتهي عند سهرها على استتباب الأمن وحفظ النظام.

الثناء على آل العظم باشا

مشكلة المؤرخ الحلاق إياه أن أودع مذكراته المخطوطة كل ملاحظاته وهمومه إزاء ما كان يشاهده ويعايشه ثم يكابده في عصره ؟ منتصف القرن الثامن عشر من أنماط الفساد الضارب أطنابه في عاصمة دمشق وفي البلاد السورية بشكل عام.

صحيح أنه لم يبخل بالثناء على أسعد باشا العظْم حاكم البلاد أيامها من قبل السلطان العثماني. لكن هذا المديح لم يجعله غافلا عما شهدته موارد المدينة العريقة من نهب وسلب مما أدى الى أوضاع من الفوضى وحالات من التمرد العسكري والى انهيار الأخلاق..

سواء بسبب الفقر المدقع وشحة الأقوات وارتفاع أسعارها أو بسبب عجز الحكام المحليين عن ضبط الأسواق واستغلال كبار المزارعين والإقطاعيين لجموع الفلاحين وهكذا يواصل كتابنا الإحالة الى مذكرات حلاق دمشق.. في مسعى من جانب المؤلف للتدليل على ما بدأ يصيب إمبراطورية بني عثمان من عوامل الوَهَن والاضمحلال..

حيث نشعر كقارئين أننا بإزاء تلك الأحاديث التي سبق وساقها المؤرخ الإنجليزي إدوارد جيبون (1737- 1794) عن تصدع امبراطورية الرومان في كتابه الأشهر في الأدب الإنجليزي وقد أصدره جيبون تحت العنوان التالي: اضمحلال وسقوط الإمبراطورية الرومانية.

تحديات الداخل والخارج

على أن مؤلف كتابنا لا يلبث أن يورد عوامل أخرى أضيفت الى الفساد الداخلي الذي كان ينخر كالسوس في هيكل الدولة التركية العليّة.. وكانت بالطبع عوامل خارجية ظل سلاطين اسطنبول يرونها أفدح وأشد خطرا من عوامل الفساد الداخلي.

بمعنى آخر.. يقول المؤلف إن حكام تركيا كانوا معنيين أكثر وأكثر بالمشاكل والتحديات التي كانت ماثلة أمامهم وأمام دولتهم الإمبراطورية، لا على يد الولاة المحليين في القاهرة ودمشق مثلا..

سواء كانوا من بقايا المماليك في مصر أو كانوا من باشاوات أسرة العظْم. في سورية ولكن كان يؤرق مضاجع ساكني قصور بلدز وطوب كابي على ضفاف البوسفور تحديات جاءت من فيينا عاصمة النمسا وأيضا من موسكو عاصمة قياصرة روسيا.

ثم يواصل المؤلف تحليله في هذه النقطة قائلا: مع حلول القرن الثامن عشر بدأ الجيران الأوروبيون يهددون الإمبراطورية العثمانية بأكثر مما كان يهددها حكام الأقاليم في المنطقة العربية: عمل آل الهابسبورغ..

وهم حكام النمسا والمجر (هنغاريا) على صّد المد العثماني عن التوغل في وسط أوروبا المنطقة التي ظلت تؤرق ذاكرتها وصول جيوش الأتراك الى أبواب فيينا في عام ,1683.

وما أن حل العام الأخير من القرن السابع عشر حتى كان النمساويون قد هزموا الأتراك، وتحررت بذلك بلاد المجر الهنغارية ومعها ترنسلفانيا وأجزاء من بولندا كانت واقعة تحت سيطرة العثمانيين. ومن ناحيته كان القيصر الروسي بطرس الأكبر يواصل ضغوطه لصد جحافل العثمانيين في منطقة البحر الأسود وسهول القوقاز.

جدل التاريخ وأحكامه

لكن جدلية التاريخ كان لابد وأن تمارس تأثيرها.. وبمعنى أن هذه الأحداث التي شهدت هزائم إمبراطورية اسطنبول وإصابة هياكلها المنيعة، أو التي كانت منيعة بقدر لا ينكر من التصدع ؟

كان لابد وأن ينتقل تأثيرها وإيقاعاتها وأصداؤها مع الأخبار الواردة من مسارح العمليات في وسط أوروبا ومناطق القوقاز (شبه جزيرة القرم بالذات) الى حيث تترامى المسامع والأفئدة في مناطق العالم العربي الخاضع بداهة لسلطة العثمانيين.

وكان في هذه الأحداث ونتائجها ما شجع أطرافا وأوساطا وشخصيات محلية (من المحكومين) على قدر من الاستقواء في مواجهة السلطة المطلقة التي كانت احتكارا لإمبراطورية السلاطين..

وبلغ الأمر أن أصبح الناس يهابون الولاة والحكام المحليين.. بأكثر من خشيتهم من عُمّال الدولة العلية وكبار وكلائها ومندوبيها من البكوات والباشاوات.

يضيف المؤلف معلقا في هذا الخصوص: إن الدولة التي تفقد احترام رعاياها تصبح معرضة لخطر محدق وداهم. والمشكلة أن باتت اسطنبول أمام خطر مزدوج على النحو التالي: كانت بحاجة الى موارد لكي تستطيع تأمين حدود ممتلكاتها التي تبّقت في أوروبا،

فيما كانت بحاجة الى نفس الموارد كي تكبح بها جماح الولاة المحليين وتستعيد بواسطتها هيبة الدولة التي آلت الى تضعضع في أقطار العالم العربي.

مع ذلك فلم يكن هؤلاء الولاة المتمردون في العالم العربي بقادرين على شق عصا الطاعة ضد دولة السلطان العثماني..

لماذا؟ أولا لأن بعضهم لم يكن عربيا من الأصل.. بل كان منهم من ينتمي الى فصائل المماليك المجلوبين من وسط آسيا أو من أرمينيا أو من ارناؤوط الألبان. ثانيا كان كل منهم يتصرف بمفرده.. معتمدا بالتالي على موارد محلية وامكانات قطرية لم يكن بوسعها إطلاقا أن تشكل تحديا يؤبه به بوجه مركز الحكم - الباب العالي.

ومع هذا فقد كان يصدق على أحوال المنطقة العربية قانون الصيرورة الدائم مدللا بوضوح على أن دوام الحال من المحال..

حدث في مصر وفلسطين

لقد حل القرن الثامن عشر على بلاد العرب الواقعة تحت الحكم الإمبراطوري العثماني.. وجاء القرن الجديد بمتغيرات كان أبرزها ما يلي: اكتشف الحكام المحليون (في مصر والشام مثلا) أنهم إذا تحالفوا معا لأمكنهم أن يتحّدوا سلطات الدولة أو أن يخصموا منها قدرا من تلك السلطات يتحولون بها الى تحقيق مصالحهم وأطماعهم على السواء.

هكذا تحالف المماليك ـ حكام القاهرة مع ضاهر العمر حاكم مناطق الجليل في شمالي فلسطين (1690-1775). صحيح أن ضاهر العُمر كان يحكم منطقة أصغر بكثير من مصر من حيث المساحة.. لكن مناطق الجليل الفلسطينية كانت قد حظيت وقتها بامكانات مستجدة أضفت على حاكمها قوة لا يستهان بها.

يقول مؤلف كتابنا (ص45): إذا كان النفط هو الذي وضع منطقة الشرق الأوسط على خارطة العالم في القرن العشرين، فقد كان هناك سلعة أخرى وضعت منطقة شرقي البحر المتوسط على خارطة الدنيا وجلبت لها ثروات طائلة في القرن الثامن عشر.. هذه السلعة - الاستراتيجية ـ كما قد نصفها هي: القطن.

هو السلعة الثمينة التي واكبت تحولات الثورة الصناعية في أوروبا وبخاصة في كل من انجلترا وفرنسا: الأولى كانت تعتمد في تشغيل مصانع لانكشاير على أقطان مستعمراتها في أمريكا وجزر الهند الغربية (في البحر الكاريبي) فيما كانت فرنسا تعتمد على الأسواق العثمانية لسد مجمل احتياجاتها من واردات القطن اللازم لصناعاتها..

ومع تطور تكنولوجيا الغزل والنسيج في سياق القرن الثامن عشر.. وهو ما أفضى الى حدوث الثورة الصناعية، ارتفع الطلب على القطن محلّقا الى عنان السماء وكان أن زادت واردات فرنسا من أقطان شرقي المتوسط (فلسطين وسورية) بمقدار 5 أضعاف وأكثر (من 1,2 مليون كيلوغرام في عام 1700 للميلاد الى 11 مليون كيلوغرام بحلول عام 1789 ؟ عام الثورة الفرنسية).

ثم يضيف المؤلف في هذا السياق قائلا: كان القطن المفضل دون سواه في الأسواق الأوروبية هو ذلك الذي تنتجه منطقة الجليل شمالي فلسطين.. وكانت الثروات المتحققة من هذه السلعة كافية لتغذية مطامح الأسر المحلية الحاكمة (مشايخ قبيلة الزيداني بقيادة ضاهر العُمر) لكي يتخذوا موقف التحدي بوجه الحكم العثماني في طول سورية وعرضها.

ثم كان يجاوبه في مصر حاكم طموح آخر، عاش وازدهر مع أواخر القرن الثامن عشر.. هو علي بك الكبير الذي كان من سلالة المماليك.. ومن الطريف أن كان يعرف بمسميات عديدة على نحو ما يقول مؤلف الكتاب:

ـ عند عامة المصريين كانوا يعرفونه باسم «علي الجن» في تلميح الى مقدرته على تحدي جبروت دولة بني عثمان.

- وعند قومه المماليك كان يحمل لقب «شيخ البلد» بمعنى الحاكم المحلي، وهو لقب مازال يحمله قادة القرى في أرياف مصر بين الدلتا والصعيد.

- عند الأتراك كان اللقب هو «بولوت كابان» بمعنى «صائد السُحب» وهو لقب وصف به الحكام العثمانيون من باب الإعجاب بعلي بك لأنه استطاع إخضاع بدو الصحراء الذين كان قيادهم وانقيادهم من أصعب ما يكون.. ومن ثم كان إخضاعهم أقرب الى معجزة صيد السحابات في أجواز السموات.

أما اللقب الذي ساد وعرف به الرجل في سجل التاريخ فكان كما أسلفنا هو «علي بك الكبير» الذي يصفه مؤلف الكتاب بأنه استطاع أن يحقق من العظمة وعلّو الشأن بأكثر مما حققه أي مملوك في تاريخ مصر العثمانية.

ولقد تحالف كل من ضاهر العُمر وعلي بك الكبير لشق عصا الطاعة على اسطنبول وإعلان دولة ذات استقلال ذاتي في كل من أرض مصر وأرض فلسطين لكن التحالف لم يدم طويلا لأن الدولة العلية ما لبثت أن تحركت واستخدمت وسائل ذلك العصر وفي مقدمتها الدسائس والمؤامرات والخيانات حتى تم القضاء على كل من الزعيمين.

ولم تكن تلك هي نهاية اتجاهات التمرد على الدولة العثمانية ورفض سلطتها وسطوتها بحال من الأحوال.

وفي قلب الجزيرة أيضا

هذه الحالة من الرفض.. ومن الثورة إزاء ما آل إليه حال الإمبراطورية من تدهور وتفكك متمثلا في تفشي آفات الفساد والرشوة والمحسوبية وشراء المناصب والذمم وتدهور أحوال الزراعة والصناعة وشيوع مظالم الولاة وقادة الجنود ومَن في حكمهم من كبار موظفي الدولة التركية..

هي نفس الحالة التي أفضت الى المستوى الاجتماعي الذي عانى من اضمحلال منظومة القيم الدينية مما أفضى الى انتشار البدع والخرافات وأساليب الشعوذة التي تنبو عن روح الوسَطية والعقلانية والتي تتميز بها عقيدة التوحيد عند المسلمين.

لا عجب أن تصل شعلة هذا الرفض الى قلب الجزيرة العربية حيث قامت الدعوة الوهابية.. وكان في تعاليمها وفي القيم التي جهدت في نشرها ما يهدد عرش السلطنة العثمانية التي ظل دعاتها يلهجون بالثناء على سلاطينها تحت شعار أن «السلطان هو خاقان البرين وسلطان البحرين وحامي حمى المسلمين والزائد عن حياض الدين..

الى آخر ما كانوا يخلعونه على السلطان من ألقاب كانت تزداد بمرور الأيام فيما كان ازديادها مرادفا ؟ بمصادفة تاريخية سيئة ؟ مع اضمحلال نفوذ الدولة العثمانية واستقطاع أجزاء من رقعة الأقطار التي كانت تحكمها، وخاصة في مناطق الوسط والجنوب من قارة أوروبا.

إضاءة

ظل المؤلف يتابع ما أسماه بظاهرة التحدي لسلطة الدولة الإمبراطورية العثمانية في مناطق العالم العربي.. وإذا كان هذا التحدي قد بدأ متواضعا أو محدودا في تحالف علي بك الكبير في مصر والشيخ ضاهر العُمر في فلسطين ؟ فقد جاءت السنوات الأولى من القرن التاسع عشر لتشهد التحدي الأكبر والأخطر ملخَّصا في العنوان الذي اختاره المؤلف للفصل الثالث من هذا الكتاب وهو: إمبراطورية مصر في عهد محمد علي.

تأليف: إيوجين روجان

، 2009 الناشر: بازيك بوكس، نيويورك

عرض ومناقشة: محمد الخولي

عدد الصفحات: 553 صفحة