إقبالنا على هذا الموضوع،إذن، نذهب به إلى ما هو أبعد من سطح الأمور حتى لا نترك القصد ونأخذ بجوانبه . الذين يأخذون بجوانب الأمور لا يدركون أن العقدين الماضيين من الزمان قد أحدثا تحولاً كبيراً في الرؤى والانتماءات والجغرافيا والسياسة.
هذا التحول قد يقود إلى بروز «قرانقة» كثر في مناطق عديدة من السودان إن لم ينته الهذر السخيف الذي يميز بين السودانيين، بين «أولاد المصارين البُيُض وأولاد المصارين الزُرُق»، وبين «أولاد البلد» وربما «أولاد الأيه».
إن لم نفعل ذلك، فسيظل السودان يتخبط في الفتن ولا تطيب له ريح. لهذا، يفيد أن نتلمس الأسباب الحقيقية التي دفعت الجموع الغفيرة من أهل الشمال الجغرافي، وغير قليل من خيرة مثقفيه، للوقوف تحت رايات الحركة، أو الاحتماء بظلها.
أهم هذه الأسباب هي:
رؤية الحركة ونظرتها المستقبلية للسودان. تلك الرؤية كانت تهدف إلى حل مشاكل السودان المتشعبة، وليس فقط حل «مشكلة الجنوب»، بإعتبار مشكلة الجنوب حبكة ثانوية (subplot) في رواية مأساوية. هذا النمط من التحليل قلب المناضد فوق رؤوس كثيرين، ومازال بعض من هؤلاء يتلوى تحت المناضد.
خير دليل على ذلك هو عجزهم عن مجابهة الرأي بالرأي ولذا آثروا التهاتر الذي ما فتئ ينهمر من صفحات بعض الصحف كمطر نَجِس. وبقدر ما أسعدني كثيراً الإطلاع على تقرير لجنة الإتحاد الإفريقي حول دارفور التي ترأسها تابو أمبيكي الرئيس السابق لجنوب إفريقيا، أذهلني أيضاً الترحاب الذي لقيه ذلك التقرير من كل القوى السياسية السودانية.
قال امبيكي في تقديمه للتقرير :«الجذور التاريخية لحروب السودان المتعددة والمتكررة، بما فيها حرب دارفور، تعود إلى المناهج الاقتصادية والسياسية الظالمة التي شابت استخدام السلطة في القطر منذ القرن التاسع عشر على الأقل.
فالحكومات المتعاقبة بعد إعلان الاستقلال كانت أما عاجزة عن، أو غير راغبة في، السيطرة على هذه المواريث وإعادة تكوين السودان كامة يتشارك فيها كل المواطنين الإحساس بالفخر بانتمائهم للسودان».
كما قال: «مشكلة دارفور هي مشكلة السودان في دارفور». أو ليس في هذين القولين صدى لما كان يقوله جون قرنق منذ عام، وبدلاً عن الترحاب بقوله ذلك، رماه الناس بكل تهمة.
وقدرة وحذق قائد الحركة الشعبية في إدارة النضال السياسي والتفاعل الفكري، وفي الربط بين الوسائل والغايات. فالغايات الكبرى، وكان قرنق بعيد الغاية، لا تتحقق إلا بوسائل فاعلة. والوسائل لا تجدى إن كانت عصية على التطبيق إما بسبب عدم مواءمتها للظروف، أو قلة إدراك الفاعل للواقع الذي يريد تغييره.
خصائص قرنق
تعاطى قائد الحركة تعاطياً فكرياً حتى في إمور الحرب، فالفكر ضروري في الحرب كما في السياسة. كان الراحل، وهو يعد لعملياته العسكرية يقرأ عن حروب البلبونيز، وتجارب الصين وفيتنام، ونظريات صن تسو في الحروب، في الوقت الذي كان يقرأ عن السياسة والاقتصاد وتاريخ الشعوب. لهذا أفلح الرجل في التفاعل الفكري مع، بل التأثير على، عدد لا يحصى من مثقفي الشمال.
وبآخرة، خلال فترة المفاوضات في نيفاشا، أخذ قرنق يقرأ تراجم القرآن (واحدة من تلك التراجم أهداها له علي عثمان محمد طه). لا نحسبنه فعل هذا لنوازع دينية، وإنما ليتفقه في الأمور ليفطنها، ثم يجادل فيها رفيقه المفاوض عن علم.
وكثيراً ما كان قرنق يجري مقاربات بين ما أطلع عليه في القرآن وما أستوعبه من العهدين القديم والجديد.
ولطالما ذكرناه بحديث الرسول الكريم: (الأنبياء أبناء علات، أبوهم واحد وشرائعهم شتى) وبراعته في إنشاء التحالفات مع كل المجموعات العرقية والسياسية في السودان مما قرب منه المواطن الشمالي العادي، خاصة من كان ينشد منهم التغيير وما هو بطائله.
كان يقول دوماً لرفاقه: «واجبنا ليس هو أن نحارب لهؤلاء القوم حروبهم، بل أن ننظم غضبهم (to organize their anger) لأن الغضب غير المنظم يدمر».
جون قرنق لم يخترع الصراعات الجهوية ولكنه إكتشف جذورها، ولم يستجيش غضب المهمشين ضد الظلم، وإنما أزكى وعيهم به. الغضب الناجم عن الظلم، حقيقة كان أم توهماً، معروف في السودان منذ الاستقلال: مؤتمر البجة 1959م، إتحاد جبال النوبة 1958م، حركة سوني في دارفور 1962م. بيد أن الظلم وحده لا يصنع ثورة، وإنما يصنع الثورات الإحساس والوعي به.
ولعل هذا هو الذي قصد إليه الفيلسوف الألماني (البروسي) جوهان هيردر Johan Herder عندما قال: «لكل مجتمع روح والمفكر الحقيقي هو الذي يحول الروح إلى وعي». وبراعته أيضاً في، بل وحرصه على، خلق علاقات حميمة مع عامة الناس. فطوال غيابه عن شمال السودان بعد أن تركه للغابة، ظل قرنق في تواصل دائم مع جيرانه من عامة الناس في الحاج يوسف.
وكان أولئك الجيران هم أول من خف لزيارتهم عند مجيئه إلى العاصمة. وتعبيراً عن حبهم له أقام أولئك الجيران سرادق عزاء عقب رحيله. كان قرنق، كلما سئل عن الدائرة الانتخابية التي سيترشح فيها أجاب: «الحاج يوسف» حتى أخذ بعض صحبه الأقربين يتندرون على ذلك بإطلاقهم على القائد الراحل وصفاً لا يخلو من الخبث: «مرشح دائرة سانت جوزيف» .
واستعداده للاعتذار عن الخطأ لمن يجدر به الاعتذار لهم، فالاعتذار لا يجوز لمن فطرهم الله على أن لا يأبهوا لفعل خير. مثلاً، عند ما لاحت تباشير السلام دعا قرنق إلى موقعه الرئاسي في نيو سايت كل القيادات القبلية والدينية في الجنوب ليطلب منهم العفو وهو يقول: «لقد ارتكب الجيش الشعبي أخطاء جسيمة خلال الحرب في حقكم، وفيما تملكون. تلك أمور اقتضتها طبيعة الحرب. ومن حقكم علي، بل من واجبي، أن أعتذر عن تلك الجنايات سائلاً عفوكم».
وإدراكه لقدر نفسه، فلكل زمان ومكان رجال. مثلاً، عندما تلاقت قيادات التجمع الوطني في أسمرا لاختيار رئيس للتجمع، وكان الرأي مجتمعاً على اختياره، تابى قرنق قبول ذلك العرض وأقترح، كبديل عن ذلك، أن تكون للتجمع قيادة جماعية تضم قيادات الأحزاب. كما اقترح على زملائه الموافقة على اختيار مولانا الميرغني رئيساً لتلك الهيئة.
قال لزعيم الحزب الوطني الاتحادي: «ليس من اللياقة أن أكون رئيساً لفريق أنت فيه». وبحكم معرفتي اللصيقة بالراحل، أوقن أنه لم يفعل ذلك من باب التواضع المفتعل، وإنما لإدراكه أن ذلك القرار يقتضيه واقع السودان السياسي المعقد، والذي لا يعترف بالواقع يدفع بنفسه إلى فشل إن لم يكن تهلكه.
وأخيراً قدرة ذلك القائد الفذ في التمييز بين ما هو داني القطوف في السياسة وما هو مستحيل حتى لا يتعسف المرء طلبه. وبين ما هو ممكن ومتاح وما هو مرغوب ومستعصي.
القدرة على ذلك التمييز هي التي مكنته من إبرام اتفاقيات مع كل القوى السياسية، بما فيها حزب المؤتمر الوطني والمؤتمر الشعبي اللذان خاض ضدهما حرباً لأكثر من عقدين من الزمان.
بدون ذلك الفهم الفَطِن لحقائق السودان ما كان جون قرنق لينجح في مفاوضات تحيط بها الألغام، بل لعله كان سيغرق في وحل السياسة السودانية وطينها المتكلس.
عملية سياسية وليس حدثاً
اتفاقية السلام الشامل لم تحقق لجنوب السودان وحده الكسب، وإنما لكل أهل السودان كما يعلم الغادي والرائح. ولكيلا نخطئ في الحساب نؤكد ما قلنا من قبل عن أن تلك الاتفاقية، على شمولها، لا تمثل رؤية الحركة الشعبية للسودان الجديد .
مع ذلك أرست الاتفاقية قواعد متينة تنطلق منها كل القوى الطامحة إلى، والحريصة على، بناء سودان ديمقراطي إلى تحقيق ذلك المطمح المشروع.
السودان الجديد هو سودان يستوعب كل أهله بتنوعاتهم وتعدداتهم المتقاطعة، ويتيح لهم التساكن الآمن، بل التفاعل الخلاق. ذلك لا يكون إلا بشيئين: الأول هو بناء السياسات القومية على ما يجمع بين الناس لا على ما يفرق بينهم. الثاني هو تمكين كل القوى السياسية من العدو فوق أرض منبسطة لا نتوء فيها ولا كوابح ولا تعاريج، كما ذكرنا من قبل.
هذا هو قدر الحركة الشعبية، توحد السودان أو انشطر، إذ أن رؤية السودان الجديد ليست برؤية ميتافيزيقية مجردة، كما أن استيلاده لا يتم عبر حدث واحد. تحقيق السودان الجديد «عملية وليست حدثاً»، كما كان القائد الراحل يقول:
.. وفي مناقب الاتفاقية
ما الذي حققته اتفاقية السلام الشامل؟ رغم أننا سنكرر أنفسنا، إلا أنا نستميح القارئ العذر لأن نفعل هذا بغية ربط أطروحتنا بالقرائن.
ــ حققت الاتفاقية السلام الشامل، وبدون السلام لن يكون هنالك حكم مستقر، رشيداً كان ذلك الحكم أم جامعاً للآفات.
ــ أحدثت الاتفاقية تغييراً عميقاً في نظام الحكم بإقرار اللامركزية بوجه لم يعرفه السودان من قبل. فرغم كل الحديث في الماضي عن الفيدرالية لم تتحقق الفيدرالية بأي درجة تقارب الدرجة التي حققتها الاتفاقية.
ــ وضعت الاتفاقية الأساس لنقلة نموذجية في الاقتصاد بتضمينها في الدستور لقواعد جديدة للقسمة العادلة للثروة والإيرادات القومية.
ــ أعلت الاتفاقية قيمة الثقافات واللغات السودانية المنسية و المزدراة عند البعض وارتفعت بها إلى مركز اللغات والثقافات الوطنية .
ــ أرست الاتفاقية مبدأ هاماً هو أن المواطنة وليس الأصل العرقي أو النوع أو الانتماء الديني هي التي تؤهل المواطن لشغل كل الوظائف القومية بما في ذلك رئاسة الجمهورية. ونذكر أنه حتى منتصف عقد الستينيات من القرن الماضي كان الساسة السودانيون يتحاورون فيما إن كان للمواطن المسيحي الحق في التطلع لرئاسة الجمهورية.
ــ تضمنت اتفاقية السلام بل وطدت (entrenched) في الدستور مبادئ حماية حقوق الإنسان وسنت، ولأول مرة في تاريخ السودان، وثيقة للحقوق.
ــ وضعت اتفاقية السلام عملية التحول الديمقراطي في مسارها الطبيعي بحيث يكون التنافس السياسي تنافساً ديمقراطياً معافى حتى لا ينزلق أهل السودان من جديد للعنف والحروب. ورغم التسليم بأن عملية التحول الديمقراطي لم تتحقق بوجه كامل، فإن ذلك لم يكن لقصور في الاتفاقية أو الدستور وإنما لعجز القادرين عن التمام.
ــ كفلت الاتفاقية مساواة الرجل والمرأة في «التمتع بجميع الحقوق المدنية والسياسية، وجميع الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية (الفقرة 1-6-2-16 بروتوكول اقتسام السلطة)».
مع هذا، لم تكتف الحركة بذلك النص بل ترجمته ترجمة عملية في المحيط السياسي بتحديد نسبة مقدرة للنساء (25%) في كل المواقع الدستورية، بما فيها البرلمان، دون أن يحرمها هذا التمييز حقها في التنافس مع الرجل فيما تبقى من مقاعد.
* وأخيراً أعطت الاتفاقية معنى لما ظلت الحركة الشعبية تصفه «بالوحدة على أسس جديدة»، كما عَرفَت الشكل الذي سيتم بموجبه تحقيق هذه الوحدة طوعاً. ولئن لم يتحقق ذلك ينبغي أن يكون السؤال: «من هو الذي حال دون تحقيق الوحدة الطوعية؟» بدلاً عن «ما هو مصير شماليي الحركة بعد الانفصال». فالعمل على تحقيق الوحدة مثل رقصة التانجو، لا تكتمل إلا براقصين، أو كما يقول الأميركيون (It takes two to tango).
المُضي في طريق الوحدة
لكل ما سبق ذكره، نوقن أن الحركة الشعبية في كل السودان ستمضي فيما تبقى من الفترة الانتقالية في سعيها لجعل الوحدة جاذبة كما تلزمها بذلك اتفاقية السلام الشامل.
وبما أن الحركة الشعبية هي الحزب الذي أطلق الدعوة لوحدة السودان على أسس جديدة، وبما أنها هي الحزب القائد في الجنوب، فإنها تملك أكثر من غيرها القدرة السياسية لجعل الوحدة حقيقة، لا يماثلها في تلك القدرة أحد. هذا واجب ومسؤولية لا تستطيع الحركة التنصل منهما حتى يختار شعب جنوب السودان، وفق إرادته الحرة، ما يريد: الوحدة أو الانفصال.
في ذات الوقت يتيح خيار الانفصال لقوى جنوبية لم تكن طرفاً في الاتفاقية الحرية في الدعوة للانفصال، شريطة أداء ما ألزمهم به الدستور مثل التعهد بالعمل على إنفاذ الاتفاقية، واحترام المؤسسات التي أرستها، والدستور الذي أقامته.
هناك أيضاً ساسة جنوبيون آخرون لا ينتمون للحركة الشعبية قرروا سلفاً أن خيارهم هو الوحدة تحت كل الظروف.
رأى هؤلاء، بل حقهم في الدعوة لما يدعون إليه، جدير بالاحترام. على أن الظاهرة التي تتطلب الوقوف عندها طويلاً هي محاولات رهط من الساسة الجنوبيين أصبح ديدنهم هو تعيير الحركة الشعبية بأنها الحزب الذي باع الجنوب وخان مصالح أهله لأنه لا يدعو للانفصال. لهؤلاء قال رئيس الحركة في مؤتمر كل الأحزاب في جوبا (26 ـ 29 سبتمبر 2009م). «ليس لديكم ما تعلموننا إياه.
فنحن الذين صنعنا الاتفاقية، ونحن الأدرى بما تفرضه من واجبات». أضاف: «أين كنتم حين كنا هنا وسط شعبنا في وقت كان فيه ذلك الشعب في أمس الحاجة لقياداته».
الجنوبيون أصحاب القرار
يدعو للدهشة، أن يكون مركز انطلاق الأغلبية من هؤلاء الانفصاليين المزعومين هو الخرطوم، دون أن يلحق بهم تقريع أو تأنيب من وحدوييها. مع ذلك لم يملك أياً من هؤلاء الساسة الشجاعة لإظهار لونه الحقيقي، أو رفع راياته الانفصالية في عاصمة السودان.
الشغل الشاغل لهؤلاء، ولمن يخطط لهم أو يؤازرهم ويدعمهم، هو تأليب هذه الجماعات على الحركة الشعبية وحكومتها في الجنوب حتى تنكسر.
هذا الموقف الملتبس يكشف عن أن الغاية الأولى لمن ينبغي أن يكونوا في مقدمة الحادبين على الوحدة وإنفاذ الاتفاقية بالصورة التي تؤدي لهذه الوحدة، ليست هي إنفاذ الاتفاقية، أو وحدة السودان وإنما تدجين الحركة الشعبية حتى ترضخ لأماني الأخ الأكبر، بالمعنى الأورويلي للكلمة (نسبة لجورج أورويل، اسم القلم للكاتب والروائي البريطاني اريك آرثر بلير).
وفي نهاية الأمر، لا الحركة الشعبية، ولا الانفصاليون الحقيقيون، ولا أولئك الذين آثروا المنزلة بين المنزلتين، هم الذين سيقررون مستقبل جنوب السودان. شعب جنوب السودان وحده هو صاحب القرار، وحدة كان أم انفصالاً.
وبما أن قرار الوحدة لا يتم إلا إن كانت الوحدة جاذبة له، ولن تكون كذلك إلا إن استوفت شرائطها إلا وهي التطبيق الكامل للاتفاقية، لا يستطيع أحد أن يتحدى قرار ذلك الشعب.
لن يكون هذا هو خاتمة المطاف بالنسبة لحركة قومية التوجه ظلت تدعو لوحدة السودان منذ منشئها وتفاخر بأنها أول حرب خاضتها كانت بين رفاقها حول الوحدة أو الانفصال.
في تلك الحرب أنتصر الوحدويون بقيادة قرنق الذي مضى في دعوته، حتى عندما فاوض وتوصل إلى اتفاقية السلام الشامل لكيما يكون السودان كله وطناً حراً ديمقراطياً جديراً بأهله وأهله جديرون به.
هذا موقف لا شبيه له في تجارب الأمم، ففي كل الحالات التي وقع فيها انفصال إقليم عن الدولة الأم عبر ممارسة حق تقرير المصير كان الانفصال هو الشعار الذي رفعته قيادات حرب التحرير منذ البداية: إثيوبيا/ أرتريا، أندونيسيا/ تيمور الشرقية، المملكة المتحدة/ إيرلندا الحرة، كندا/ كويبك.
أما وضع السودان فهو النقيض لهذا. فمنذ تفجير ثورتها في عام 1983 دعت الحركة، من مركز انطلاقها الجنوبي، إلى وحدة السودان.
وعلنا نستذكر أنه عندما طلب الوفد الحكومي في أخريات أيام التفاوض منح 10% من مقاعد البرلمان ومواقع الولاة في جنوب السودان لحزب المؤتمر الوطني، بالرغم من أن ذلك الحزب كان يفاوض باسم حكومة السودان التي تتكون من أكثر من حزب، تساءل قرنق: «ولماذا المؤتمر الوطني؟». كان الرد هو: «لكيما نعمل على الدعوة للوحدة الجاذبة».
وافق قرنق على الطلب وأضاف: «الحركة الشعبية أيضاً تريد 10% من المواقع في الشمال كيما تدعو عبرها لفكرة السودان الجديد». لهذا نفترض أن الحركة عندما قبلت في عام 2005م فكرة السودان الجديد المصغر وأسمته الحد الأدنى من السودان الجديد أرادت أن يكون حق تقرير المصير آلية لدعم الوحدة الطوعية في حدها الأدنى.
هذه، بالطبع، هي رؤية الأب المؤسس، لا رؤية دعاة الانفصال في الجنوب منذ البداية، ولكل ما رأى. كما ليست هي رؤية قلة من قيادت الحركة الذين أثبطت هممهم مناورات المرجئة والمعطلة، أو استرهبهم من جاءوا بسحر عظيم من دعاة الانفصال.
خروج هؤلاء على ما نصت عليه الاتفاقية، تماماً كما خرج نظراء لهم في الحزب الشريك، لا يؤهل أياً منهما لإمتطاء صهوة جواد أبيض يقول من فوقه للآخر: «لقد أخطأت». فمع بسالة هؤلاء فيما صنعوا من أجل تحقيق السودان الجديد خلال عقدين من الزمان إلا أن الأمور دوماً بتمامها، والصنائع باستدامتها.
رغم كل هذه العوائق، فإن قيادة الحركة مطالبة بالدعوة لما ظلت تدعو، والتزمت في الاتفاقية بالدعوة، له: جعل خيار الوحدة جاذباً حتى الشوط الأخير، كما فعل رئيسها لسلفا كير في خطابات سياسية في الدمازين وجنوب كردفان والذي قال فيه: «سأكون أول من يضع صوته في صندوق الوحدة».
مع ذلك، فإن البعض لا يذكر لسلفا إلا تعليقاً عابراً في كنيسة بجوبا، وكأنهم يتمنون أن يكون ذلك هو الحال.
بسبب من كل ذلك حرصت الأجهزة العليا في الحركة على أن تبين على وجه التحديد ما الذي تعنيه بالسودان الجديد في بيانها الانتخابي، وأن توضح البرامج العملية الواقعية التي تعبر بها عن ذلك المعنى حتى تُطرح على مناصريها في الشمال والجنوب والشرق والغرب خلال الانتخابات القادمة التي تعد العدة لخوضها.
التعابير الشفرية
في الختام، لا تنتهي مسؤولية الحركة الشعبية بالانفصال. كان قائد الحركة الراحل يردد كثيراً أن السودان الجديد، ويعني بذلك السودان الكبير (Sudan writ - large)، سيكون دولة تحتذي ومنارة في إفريقيا. ذلك كان حلمه للسودان الكبير. ونأمل، إن كان ثمة انفصال، أن يكون السودان الصغير (Sudan writ - small) أيضاً مثلاً يحتذى.
هذا أمل لن يتحقق إلا بالالتزام بالرؤى والقيم المعيارية للحكم التي أرساها الزعيم الراحل. إن تم هذا ستبقى الحركة في الجنوب منارة رجاء صالح ليس فقط لأعضائها في شمال السودان، وإنما أيضاً لكل القوى الطامحة في سودان جديد.
نجئ من بعد إلى من يُطلق عليهم أسم «شماليي الحركة»، هذا تعبير ابتدعه صحفي باحث (ضياء الدين بلال) ربما استهواه الاسم كعنوان شائق لمقال صحفي أو كتاب يلفت به الأنظار.
ولكن النعت أيضاً أصبح تعبيراً شفرياً عند صنف من الناس تتملكه العنصرية حتى أطراف أنامله لأنه لا يرى في الحركة إلا تنظيماً جنوبياً، خلقه قائد جنوبي، ويمثل الجنوبيون الجزء الغالب من قياداته.
فلم نسمع أبداً من يتحدث عن جنوبيي حزب المؤتمر الوطني، وهم كثر. ولا عن جنوبيي المؤتمر الشعبي، وعدد غير يسير منهم يحتل المراقي العليا في ذلك الحزب.
الجنوبيون والشماليون في الحركة، حتى في أدنى مراقي الجيش الشعبي، ظلوا يطلقون على أنفسهم اسم السودانويين الجدد «New Sudanists» لأنهم مواطنون بلا حدود. ذلك تعبير لا يستبشر به كثيرون، ناهيك عن أن يفيض السرور في نفوسهم: «قل موتوا بغيظكم».
نقول لرهط الشامتين أن السودانويين الجدد سيبقون، إن انفصل الجنوب، تحت خيمة ما تبقى من السودان، لا يقتلعون منه إلا يوم أن تقتلع الخيمة.
واجبهم المباشر هو العمل الدائب على أن يتم الطلاق بين شقي القطر بإحسان حتى تتحقق الوحدة على وجه جديد بعد أن عرقل مسيرتها الذين يفرحون في الأرض بغير الحق. وواجبهم الدائم هو مواصلة السعي لبناء سودان جديد، «فلا تكُ في مِرية منه».
بين هؤلاء، إن أمد الله في العمر، سأكون، لا من خلف ولا قدام. أما موقعي في الفضاء السوداني الذي يتمنى البعض أن يعرفه من باب الفضول أو الشمات فسأحدده لنفسي وبنفسي، وفوق الزمان والمكان. هو كموقع ابن السقاء الكوفي، أمير الشعراء المتنبي
واقف تحت أخمصي قدر نفسي ***واقف تحت أخمصي الأنام
ذلك موقع لن يحظى به إلا من تصالح مع نفسه وما فتئ يتمنع عن وضع خطامه على أيدي الآخرين، كبروا أو صغروا، حتى لا يستبدوا به. أو إن شاء الشامتون بلا جدوى الرد على السؤال بتعبير آخر نقول إن موقعنا سيكون موقعاً هامليتياً:
«لئن تحدد موقعي داخل قشرة صلبة لثمرة جوز فسأعد نفسي ملكاً لمكان بلا حدود» (I could be bounded in a nut shell and count myself a king of infite space) الفصل الثاني المشهد الثاني من هاملت.
ظاهرة لم يألفها السودانيون
الموضوع الأخير يتعلق بمستقبل «الشماليين» في الحركة الشعبية بمن في ذلك الذين نذروا حياتهم من المحاربين في جبال النوبة والنيل الأزرق وأجزاء أخرى من السودان، وسالت دماؤهم كيما يتمتع جميع السودانيين، بمن فيهم أهل الجنوب، بثمرات السلام. هذا سؤال يجيش في بال طائفتين من الناس، وبدرجات متفاوتة من القلق أو الاهتمام.
الطائفة الأولى هي المنتسبون للحركة، أو الحادبون عليها الذين تجوس في خواطر كليهما مخاوف حول مآلات حركة وهب بعضهم العمر لها، وراهن آخرون على دورها في إنقاذ البلاد.
أما الطائفة الثانية فهي من الذين لا يذكرون الحركة بخير، ناهيك عن أن يشفقوا على «شمالييها». غاية هؤلاء هي الشماتة على من أسموهم «شماليي الحركة» لما سيلحق بهم من مكروه أو يصيبهم من بلوى لو انفصل الجنوب.
وإن كان الانفصال مكروهاً، كما هو مكروه بحق في نظر دعاة السودان الجديد، فإن كراهيته تعود لأنه سيقصم ظهر السودان، وليس فقط بليةُ تصيب «شماليي الحركة» ويصبحوا بسببها طوع الشوامت.
لقد أثبتت تجارب الحرب السودانية أنه رغم كل مرارات القتال لم يتحول النزاع بين الشماليين والجنوبيين، على مستوى عامة الناس، إلى صراع عرقي كصراع الهندوس والمسلمين عقب انفصال الهند عن الباكستان، أو كصراع التوتسي والهوتو في رواندا. فلماذا، إذن، يسعى البعض لإذكاء التحارض والإفساد بين قوم وقوم، وأي نافعة سيجني السودان من ذلك، حتى وإن كان أدنى ردود الفعل الجنوبي هو الانفصال الغاضب؟
كان أخلق بهؤلاء أن يتفكروا في نتائج قاصمة الظهر هذه لبلد ظلت تتعضله الأدواء منذ استقلاله. وكان أحرى بهم أن يتمعنوا في الأثر الذي تركته الحركة، بل تركه قائدها المؤسس في عقول وقلوب الشماليين من الجنينة إلى همشكوريب، ومن حلفا إلى كاودا. وفيما بين هذه وتلك، في الخرطوم التي خرجت بملايينها لتستقبله عندما وفد إليها للمرة الأولى.
تداعى الشماليين للانضمام إلى حزب ذي منبت جنوبي، والتفاف بعض نخبه حول زعيم سياسي جنوبي ظاهرة، لم تألفها السياسة السودانية. تلك الظاهرة أمضَّت جماعة الشامتين مضيض الجرح للمجروح، فما هي دواعي تلك المضاضة ؟ نقدر أولاً، أن للغيرة السياسية دور كبير في هذا.
ثانياً أن بعضاً من هؤلاء احتسب أن تأييد الشماليين للحركة الشعبية، ناهيك عن الانتساب لها، قد أضفى على تلك الحركة مشروعية قومية، وهذا مكروه في عرفهم، إن لم يكن حراماً. ما يحل للحركة في نظر هؤلاء هو أن تبقى جنوبية تتعامل معها المؤسسة السياسية كما ظلت تتعامل مع أهل الجنوب في الماضي.
