سؤال العلاقة بين رأسي السلطة في روسيا تنقسم حوله الآراء اتجاهين، الأول يذهب إلى وجود خلافات حقيقية بين ميدفيديف وبوتين حول أساليب وسياسات إدارة الدولة، وأن هذه الخلافات تزداد حدتها يوما بعد يوم، والاتجاه الثاني يرى عدم وجود أي خلافات بين الاثنين ويرى أن هناك جهات داخل روسيا تروج لوجود هذه الخلافات لأهداف ومصالح خاصة.

وأن هذه الجهات تسعى إلى الالتفاف حول الرئيس ميدفيديف وإقناعه بأنه هو الأفضل وأن توجهاته هي الأكثر ملائمة لروسيا في الوقت الراهن، وخاصة في المجالات الاقتصادية، ويحدد البعض أصحاب هذه الاتجاهات بفئتين هما.

أولا «الأوليجارخية» من النخبة أصحاب الأعمال والمليارديرات الذين تغلغلوا في أركان السلطة في عهد الرئيس الراحل يلتسين وسيطروا على مراكز صنع القرار وعلى مفاتيح الاقتصاد الروسي.

ثم جاء بوتين ليشن حملة قوية عليهم ويقلص سلطاتهم ونفوذهم، والجهة الثانية هم الشيوعيون الذين همّش بوتين دورهم ووجودهم وقلص من شعبيتهم كثيرا بسبب طروحاته في السياسة الخارجية المشابهة كثيرا لطروحاتهم.

خاصة حول استعادة أمجاد الدولة العظمى والحنين للعهد السوفييتي، وأيضا تشابه طروحاته الاقتصادية مع طروحاتهم حول تدخل الدولة في الاقتصاد ووضع اقتصاد السوق تحت رقابة الدولة، الأمر الذي أدى إلى تقليص شعبية الشيوعيين في الشارع الروسي بشكل ملحوظ.

لعبة الشيوعيين

رغم تقارب وجهات النظر بين الشيوعيين الروس ورئيس الوزراء فلاديمير بوتين إلا أن الشيوعيين بقيادة زعيمهم جينادي زيوجانوف الذي يقود المعارضة في البرلمان يسعون للتقرب من الرئيس ديمتري ميدفيديف الذي يختلف معهم كثيرا في التوجهات الأيديولوجية والسياسية.

ففي الوقت الذي يمجد فيه بوتين الزعيم السوفييتي الأسبق ستالين ويعيد له مكانته في المجتمع ويعيد سيرته الذاتية كبطل قومي وزعيم خالد إلى كتب التلاميذ في المدارس، وهذا شيء من المفترض أن يلقى ترحيبا كبيرا من الشيوعيين الذين لم يكفوا على مدى العقدين الماضيين عن رفع صور ستالين في تظاهراتهم في كافة المدن الروسية.

لكن الشيوعيين الروس رغم هذا يذهبون إلى الهجوم على رئيس الوزراء بوتين ودعم الرئيس ميدفيديف الذي عبر أكثر من مرة عن رفضه للماضي، وخاصة الحقبة السوفييتية، ورغم رفض ميدفيديف لأي شكل من أشكال التدخل للدولة في الاقتصاد وتأييده لسياسة اقتصاد السوق بكافة أبعادها الغربية، إلا أن الشيوعيينالروس يرون ويصرحون بأن كافة الأخطاء مصدرها رئيس الوزراء بوتين.

وينتقدون بشدة إدارة بوتين للاقتصاد الروسي في ظل ظروف الأزمة العالمية، وهذه اللعبة المزدوجة من الشيوعيين الروس أمر متوقع منهم ولا غرابة فيه، فهم يعلمون جيدا أن صاحب الشعبية الكبرى هو بوتين.

وأن تبنيه لشعارات الدولة العظمى التي يرفعها الشيوعيون يعني أنه يسحب البساط من تحت أقدامهم ويفقدهم شعبيتهم،أما ميدفيديف فهو في اعتقاد الشيوعيين لا خوف منه لأن سقوطه حتمي في حالة سقوط بوتين، ولهذا يدعمونه ويشددون الهجوم على بوتين.

مركز التطور

لقد ظهرت على الساحة الداخلية في روسيا ظواهر ومؤشرات تشير بالفعل إلى وجود خلافات بين بوتين وميدفيديف، وهناك مركز للدراسات قريب من الكريملين اسمه « مركز التطور العصري الروسي»، هذا المركز أسسه الرئيس ميدفيديف كجهاز استشاري بعد مجيئه للسلطة في مايو عام 2008.

وظل هذا المركز يعمل في الظل طيلة الفترة الماضية، ثم نشط فجأة في سبتمبر الماضي مع تصاعد حدة الأزمة المالية العالمية، وفي الثالث من فبراير الجاري طرح المركز في وسائل الإعلام تقريرا تحت عنوان « روسيا القرن 21 «، جاء في التقرير أن « روسيا الآن تقف في مفترق طرق تاريخي، وعليها أن تختار.

إما أن تكون دولة عصرية أو أن تخسر وضعها كدولة عظمى «، ولكن الملفت للنظر في تقرير المركز هو طرحه لتوجهات في السياسة الروسية مخالفة تماما لتوجهات رئيس الوزراء بوتين، من هذه التوجهات إمكانية انضمام روسيا لعضوية حلف شمال الأطلسي (الناتو) وأيضا للاتحاد الأوروبي، وتقليص نفوذ وتدخل الدولة في الاقتصاد.

ورفع رقابة الدولة تماما عن كافة وسائل الإعلام ، وأيضا تقليص عدد أفراد الجيش الروسي لأقل من النصف وتطبيق نظام التطوع والتعاقد للخدمة العسكرية بدلاً عن نظام الخدمة الإلزامية، والأخطر في التقرير هو المطالبة بأن يكون اختيار حكام الأقاليم الروسية بالانتخاب المباشر داخل الأقاليم بدون أي تدخل من المركز في موسكو.

وهذا مخالف تماما للقرار الذي أصدره بوتين أثناء فترة رئاسته بضرورة موافقة الكريملين على أي مرشح لرئاسة الأقاليم، ويقول رئيس مركز التطور العصري الروسي «إيغور يورجنس» للصحافيين إنه يتمنى أن يستطيع الرئيس ميدفيديف تنفيذ هذه السياسة من أجل عصرنة روسيا وإخراجها من مفترق الطرق.

وقال يورجنس عن بوتين «إنه يجازف ويخاطر ببقائه في السلطة لفترة طويلة، وأنه سيتحول بمرور الوقت وكبر السن لشخص آخر أشبه بالزعيم السوفييتي بريجنيف الذي كان يعتقد أن كل قراراته صحيحة وقرارات الآخرين خطأ، وهذا سيشكل خطرا كبيرا على روسيا».

من الذي يحكم؟

الاتجاه الذي يرى أنه لا توجد أي خلافات بين بوتين وميديفيديف يستند في الأساس إلى تصريحات الاثنين وإجاباتهم حول هذا السؤال، حيث صرح رئيس الوزراء بوتين في التاسع من ديسمبر الماضي للخبراء الدوليين في مجموعة « فالداي» في موسكو أنه وميدفيديف لن يتنافسا على الرئاسة في عام 2012 وأنه سيكون هناك اتفاق بينهما.

وقال بوتين « إنني وميدفيديف نحمل أفكارا واحدة وأهدافنا واحدة «، هذا التصريح من بوتين يفسره أصحاب الاتجاه الأول الذي يرى وجود خلافات بين الاثنين بأنه يؤكد هذه الخلافات أكثر من نفيها، ويقول « جيمس شير» المحلل السياسي في مؤسسة « تشاتام هاوس» في لندن « عندما يقول بوتين أنه لن تكون هناك منافسة بينه وبين ميدفيديف في عام 2012 فإنه بهذا يريد أن يفهم الآخرون أنه هو صاحب القرار».

على الجانب الآخر وفي حديثه إلى محطة « سي إن إن » الأميركية أجاب الرئيس ميدفيديف على سؤال حول دوره الشكلي في إدارة الأمور قائلاً «أنا الذي يحكم روسيا»، هذا الأمر لم ينفه بوتين الذي أجاب على أسئلة الصحافيين قائلاً «ليس أنا الذي يحكم روسيا بل الرئيس ميدفيديف هو الذي يحكمها ويدير شؤون الرئاسة كاملة دون تدخل من أحد».

أيضا الرئيس ميدفيديف في حديثه لطلبة جامعة بيتسبورج في الولايات المتحدة قال أنه لا يرى ما يمنعه من الترشح للرئاسة في عام 2012 إذا أعطاه الشعب الروسي ثقته، ويقول «فاليري فادييف» العضو القيادي في حزب «روسيا الموحدة» الذي يرأسه بوتين «لا شك أن ميدفيديف يريد البقاء في موقع رئيس الدولة.

ولكن الأمر لا يتوقف على إرادته ولا على ما يتمناه هو»، ويقول «سيرجي أوبوخوف» نائب رئيس الحزب الشيوعي الروسي «ميدفيديف وأنصاره يعدون من الآن للحملة الانتخابية في عام 2012 دون علم بوتين».

مجموعة الستة

رغم وجود مؤشرات للخلافات بين بوتين وميدفيديف، ورغم الحملة الهجومية على بوتين، إلا أن غالبية الخبراء والمحللين لا يرون وجود لهذه الخلافات، ويستندون في ذلك إلى أن الحديث عن هذه الخلافات يدور داخل روسيا فقط بينما لا يتردد أي شيء منه في الخارج وخاصة في الغرب وواشنطن.

ويقول المحلل الاستراتيجي الألماني «ألكسندر رار» الخبير في الشؤون الروسية «من السذاجة أن يتصور البعض أنهم يستطيعون أن يضعوا ميدفيديف وبوتين في مواجهة، ولا أحد يعرف ماذا يدور في كواليس الحكم في روسيا».

ويقول رار: «أعتقد أن إدارة الحكم في روسيا ليست محصورة بين الاثنين، بل هناك مجموعة من ستة أفراد تدير شؤون الحكم وتصنع القرار في روسيا، هؤلاء هم بوتين وميدفيديف ونائبي رئيس الوزراء فيكتور زوبكوف رئيس الوزراء السابق وأستاذ كل من بوتين وميدفيديف في السياسة.

وسيرجي إيفانوف وزير الدفاع السابق والذي كان يعتبره الكثيرون المرشح الأول لخلافة بوتين، ويضاف إليهم وزير الخارجية سيرجي لافروف الشخصية غير المرغوب فيها لدى واشنطن، ومع هؤلاء أيضاً السياسي المخضرم رئيس الوزراء الأسبق يفجيني بريماكوف رئيس غرفة الصناعة والتجارة الروسية.

والذي يعتبر الأب الروحي لفلاديمير بوتين الذي عمل معه سنوات طويلة في جهاز الاستخبارات السوفييتية «كي جي بي» هذه المجموعة معا هي التي تحكم روسيا الآن وتدير شؤونها».

أياً كان رأي الاتجاهين حول وجود خلافات من عدمه بين رأسي السلطة في روسيا، ميدفيديف وبوتين، فإن ظاهر الأمور لا يؤكد أياً من الاتجاهين، ولا حتى مع حملة الهجوم المتنامية على رئيس الوزراء بوتين، وتبقى كافة الاحتمالات قائمة حتى انتخابات الرئاسة المقبلة في عام .

د. إينا ميخائيلوفنا خبيرة الإعلام السياسي الروسية