يعمل في إسرائيل ثلاثة أجهزة استخبارات رئيسية، هي: جهاز «الموساد»، ويترأسه مئير داغان، ويختص بالأمن الخارجي والمهمات الخاصة، وجهاز الأمن العام «الشاباك»، ويترأسه يوفال ديسكن، ويختص بالأمن الداخلي، وجهاز الاستخبارات العسكرية «أمان»، ويترأسه الجنرال عاموس يدلين، وهو جهاز خاص بالشؤون العسكرية ويغطي حاجات الجيش الإسرائيلي في المجال الاستخباراتي.

وبديهي أن ثمة تنسيقا عالي المستوى بين هذه الأجهزة الرئيسة الثلاثة، وثمة موازنات عالية لها للقيام بأنشطتها الاستخباراتية، إضافة إلى أن هذه الأجهزة تعمل بحرية تامة، وباستقلالية عن أجهزة الدولة المدنية الأخرى، كما عن المستوى السياسي.

لكن جهاز «الموساد»، من بين هذه الأجهزة، يحظى بمكانة متميزة في إسرائيل، فضلا عن شهرته العالمية، بالنظر للأعمال التي قام بها منذ تأسيس الدولة، وضمنها، أعمال التجسس في عديد من الدول العربية، ودول العالم، وحتى في الولايات المتحدة الأميركية، وقيامه بتجنيد العديد من العملاء في هذه الدول، وكذا قيامه بعشرات عمليات الاغتيال ضد فلسطينيين وعرب وأجانب.

وقد سلّط كشف سلطات دبي لتورط جهاز الموساد الإسرائيلي في عملية اغتيال المبحوح مجددا الأضواء على هذا الجهاز، كما أثار ردود فعل متباينة في إسرائيل من حول هذا الجهاز.

حيث ثمة من أكد على ضرورة الاستمرار في تدعيمه، وإطلاق يده، باعتباره ينفذ أعمالا تستهدف حماية إسرائيل، وضرب أعدائها، في حين ثمة من رأى بأن عمليات هذا الجهاز، التي لا تخضع لرقابة، باتت تضر إسرائيل، في كل المجالات. وعن ذلك يقول بن كسبيت:

«اختلّ شيء ما في دبي. يقول تقدير أن التصفية كان يفترض أن تكون هادئة. بلا توقيع. وكان يفترض أن يُرى موت المبحوح موتا طبيعيا: فقد وجد في فراشه، بغير علامات عنف، والباب مغلق من الداخل وما أشبه. لم ينجح هنا شيء ما.

هذا هو الخلل الأول الذي جلب الباقي كله: فمنذ اللحظة التي يجري فيها الحديث عن قتل يبدأون مشاهدة عدسات التصوير. لم يدرك شخص ما أن دبي بنت «نموذج بريطانيا»، وجعلت الإمارة كلها هدفا مصورا.. بعبارة أخرى أهلا وسهلا بكم في العصر الرقمي.

منذ الآن الجميع في صورة. بعد ربع ساعة سيصبح كل شيء في قبضة المقاييس الحيوية.» («معاريف»، 9/3). وبنتيجة ذلك فقد برزت وجهات نظر تدعو لمأسسة هذا الجهاز، وجعله تحت الرقابة أسوة بما حصل مع جهاز «الشاباك» (الأمن الداخلي)، الذي كان فوق الرقابة، وبات اليوم مراقبا ومقيدا بالقانون، نتيجة لقرار «محكمة العدل العليا»، بعد أن تزايدت الفضائح هذا الجهاز المتعلقة بالتعذيب وانتهاك القوانين. وفي هذا الإطار يقول عوفر شيلح: «لا أعلم إن كان اغتيال المبحوح انعطافا.

ولا أعلم كيف يجب أن يتم اغتيال كهذا. لكنني أعلم انه قد حان وقت بحث مأسسة الموساد: ميزانيته وتحديد أهدافه، وما يحل له فعله وما يستصوب لإحراز نجاحات عملياتية ولتقديم منتوج صحيح. وأعلم أيضا أنه بما يتعلق بالمنظمات السرية، فإن قاعدة أن الظلام ينشأ عنه عفن هي في الأساس قاعدة صحيحة.

«(«معاريف»، 32) وتوصل زئيف سيغل إلى ذات النتيجة (مأسسة الموساد)، وبحسب رأيه فإن «المهمات الخاصة» للموساد غير محددة، ومن حق رئيس الحكومة أن يملأها بمضمون كما يشاء، من غير أن يحتاج إلى تصديق جهة أخرى.

تستطيع اللجنة الثانوية للمخابرات والخدمات السرية في لجنة الخارجية والأمن للكنيست، التي تتلقى تقارير وبخاصة بعد الفعل، تستطيع أن تعبر عن رأيها وأن توصي، لكن لا أكثر من ذلك. أثير اقتراح لتحديد إطار قانوني مفصل للموساد في 1998 ـ اقترحه كاتب هذه السطور ـ إزاء النقد الشديد لصورة تنفيذ عملية اغتيال خالد مشعل في عمان.

يستطيع قانون جهاز الأمن العام، الذي اتخذ في الكنيست في ذلك العام، أن يكون مثالا لقانون الموساد، الذي يحدد ترتيبات تتعلق بتعيين رئيس الموساد وطرائق رقابة عملياته.. تشريعا مفصلا لترتيب عمل جسم مثله قد اتخذ في بريطانيا، وفي كندا وفي استراليا..

أن توجه معارضي قانون الموساد يهيئ لدوار القوة الذي قد يفضي إلى تورط ضار لا يسوغه عدم وجود مصلحة عامة حيوية فاضلة زائدة.

(«هآرتس»، 1/3) ومعلوم أن جهاز الموساد يتمتع، كما قدمنا، بمكانة خاصة في إسرائيل، فلا رقابة عليه، لا من الحكومة ولا من المجلس الوزاري المصغر، ولا من قبل لجنة الخارجية والأمن، ولا من قبل مسؤولي الأمن القومي.

وميزانيته مفتوحة، ويده طويلة؛ وفي مقابل ذلك حتى الجيش يخضع لرقابة، وكذا جهاز الأمن الداخلي. وبحسب أمير اورن فإن «الموساد وحده يواصل لعب الغمّاية ويتمتع بمكانة مميزة: فهو الجيش الخاص لرئيس الوزراء.. الموساد ليس الجيش الخاص لنتانياهو ودغان بل ذراعا لدولة إسرائيل.

هي ومواطنيها يدفعون ثمن الأخطاء. محظور عليهم أن يدعوا قادتهم يتملصون من الرقابة على أمل أن تشوش لحية، باروكة ونظارات هويتهم الحقيقية.» («هآرتس»، 25/ 2).

ماجد كيالي