لا ينطبق وصف اللاجئين على العمالة الوافدة في قطر على الرغم من وجود عشرات آلاف من الذين تعاني بلادهم من الحروب ، وأحداث العنف ، والاحتلال كالعراق وفلسطين والصومال وغيرها «فاللجوء» ـ إن جاز التعبير ـ إلى قطر يعتبر لجوءاً فردياً اقتصادياً هدفه السعي لتحسين الأوضاع الاقتصادية لـ «اللاجئ» أو الوافد .

وبالتالي فإن نص المادة 14 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي يتحدث عن حق كل فرد في أن يلجأ إلى بلاد أخرى أو يحاول الالتجاء إليها هرباً من الاضطهاد لا ينطبق على العمالة الوافدة في قطر .

اللجنة الدائمة للسكان في قطر أنجزت دراسة متكاملة عن العمالة الوافدة ، تناولت جملة من القضايا الخاصة بالعمالة الوافدة، ومكانتها في التركيبة السكانية للدولة. والتحديات المستقبلية في إدارة تواجدها . حيث تحدثت الدراسة عن الدور التنموي لها، وأكدت على أهمية الدور الذي تلعبه في تنمية دولة قطر من خلال مشاركتها المتواصلة والفعالة في مختلف ميادين التنمية في الدولة.

وأشارت الدراسة أن العمالة الوافدة لا تساهم في تنمية قطر فحسب بل تساعد كذلك في تنمية مجتمعاتها الأصلية، والحد من الفقر فيها وضمان تعليم لأفرادها وحياة كريمة لأسرها، وذلك عبر التواصل معها من خلال التحويلات النقدية للعمالة. هذه التحويلات التي بلغت نحو 1,5 مليارات دولار أميركي عام 2007، متضاعفة بحوالي 7,2 مرة عن مستواها سنة 2002، حين بلغت 9,1 مليار دولار أميركي.

وقد بلغ حجم التحويلات خلال السنوات الست الأخيرة أكثر من 3,20 مليار دولار أميركي. فيما قدرت تلك التحويلات بنحو 2,7% من الناتج المحلي الإجمالي لدولة قطر عام 2007 البالغ 8,70 مليار دولار مما يظهر حجم تأثير تحويلات العمالة الوافدة على الاقتصاد ا القطري من جهة وأهميتها الفائقة في تركيبة الاقتصاديات الوطنية للدول المرسلة للعمالة من جهة أخرى.

وبينت الدراسة أن الدول المستفيدة من التحويلات، هي الدول الأكثر تصديراً للعمالة ولاسيما الدول الآسيوية والدول العربية التي حصلت مجتمعة على حوالي 57% من إجمالي تحويلات العمالة الوافدة المقيمة في دولة قطر بين 2002 و2007. وتعد الهند وجمهورية مصر العربية أكثر الدول استفادة من هذه التحويلات .

حيث بلغ حجم تحويلات عمالتهما حوالي 5 ملايين دولار أميركي بين 2002 و2007 بما يعادل 20% من إجمالي التحويلات المسجلة خلال نفس الفترة، مما يؤكد الدور الريادي للهند في استقطاب تحويلات عمالتها. أما العمالة البنغلادشية والفلبينية والباكستانية والأردنية والسورية والسريلانكية واليمنية والتايلندية والفلسطينية فقد حولت حوالي 4 ملايين دولار أميركي بين 2002 و2007 أي ما يقارب 18% من إجمالي التحويلات خلال نفس الفترة.

وأكدت الدراسة على أن الدور الإيجابي للعمالة الوافدة الذي لا يقتصر في الدول الأصلية على التحويلات النقدية فحسب، بل يتعداه ليشمل كذلك التحويلات المعرفية.

حيث تتيح قطر فرص تعليم متعددة للآلاف من أبناء العمالة الوافدة على اختلاف جنسياتهم وفي كل المستويات التعليمية بما فيها التعليم الجامعي، ومن خلال دعمها للمدارس الخاصة للجاليات المقيمة في الدولة وتساهم في تكوين رأسمال بشري يساعد على نقل المعرفة بتخصصاتها إلى المجتمعات الأصلية للعمالة.

عدد الرجال أربعة أضعاف

في المقابل كشفت إحصائيات رسمية حديثة أن عدد الرجال في قطر يساوي أربعة أضعاف عدد النساء. وقال معهد الإحصاء القطري في دراسة نشرها مؤخرا أن عدد سكان قطر بلغ مليونا و597552 نسمة في 31 أغسطس 2009، ووفقا للأرقام التي نشرها المعهد على موقعه الإلكتروني فإن عدد الرجال نسبة إلى إجمالي السكان وصل إلى 1247844 أما عدد النساء فلم يتجاوز ال 349908 مما يعني وجود خلل غير طبيعي في التركيبة السكانية.

وقد ارجع الخبراء هذا الخلل الكبير لظروف النهضة العمرانية والاقتصادية التي تعيشها قطر حاليا وحاجة البلاد إلى استقدام آلاف العمالة سنويا للعمل في مشروعات التنمية.

ورغم ذلك انتقد بعض الخبراء الفوضى العارمة التي يعاني منها سوق العمل القطري بسبب الخلل الكبير في تركيبة القوى العاملة في قطر بسبب أن النسبة الغالبة من هذه العمالة غير متعلمة أو من حملة الشهادات المتوسطة التي لا تجيد العمل إلا في الوظائف الهامشية فنسبة العمالة الوافدة إلى السوق القطري بلغت نحو 92% عام 2007 ومعظم هذه العمالة غير ماهرة وغير متعلمة حيث إن 28% منها لا تحمل الشهادة الابتدائية.

وهو ما يعني أن أكثر من ربع العمالة الوافدة إلى قطر عمالة «أمية» لا تجيد القراءة أو الكتابة و75% منها يحملون الشهادة الثانوية وما دونها. و تشير الأرقام الصادرة عن جهاز الإحصاء إلى أن نسبة الذكور من هذه العمالة بلغت نحو 90% وهو الأمر الذي يهدد بمشكلات اجتماعية وأمنية كثير.

أمر طبيعي

تؤكد الدكتورة فاطمة الكبيسي أستاذ علم الاجتماع بجامعة قطر أن تضاعف عدد الرجال مقارنة بعدد النساء أمر طبيعي ليس في قطر وحدها ولكن في جميع الدول الجاذبة للأيدي العاملة. وتضيف أن هذه الدول عادة ما تكون في حاجة ماسة إلى استقدام الأيدي العاملة بكثافة عالية للعمل في مشروعات التنمية التي تقوم الحكومات بتنفيذها.

وتؤكد أن قطر تعيش منذ عدة سنوات مرحلة نهضة اقتصادية وعمرانية شاملة كما إن الدولة تسابق الزمن لتحقيق معدلات قياسية من التنمية المستدامة ونظرا لأن عدد السكان في قطر لا يكفي للقيام بهذه المهمة فقد كان الحل في استقدام العمالة.

وتقول عادة ما تكون هذه العمالة من الشباب العزاب الذي يسعى إلى الكسب للزواج وتكوين أسرة. وتضيف سببا آخر لزيادة عدد الرجال خصوصا في الفترة الأخيرة فتقول في السنوات الماضية كانت المساكن رخيصة والإيجارات معقولة وكانت في متناول كثير من الموظفين والعاملين في قطر لذلك كان عدد كبير منهم قادرين على استقدام عائلاتهم .

ولكن بعد حدوث الطفرة الكبيرة في الإيجارات والقفزات المتتالية التي حدثت في هذا القطاع أصبح من الصعب على كثير من العائلات البقاء في الدوحة خاصة ان ارتفاع أسعار الإيجارات أدى إلى ارتفاع أسعار جميع السلع والخدمات وهو الأمر الذي شكل عبئا ماليا ضخما على كثير من العاملين بعد أن أصبحوا غير قادرين على تحمله.

وتقول لاشك ان العامل الاقتصادي والرغبة في تحسين الأوضاع المالية هو الهدف الرئيسي من الاغتراب والسفر ولكن بعد ارتفاع أسعار الإيجارات وزيادة تكاليف المعيشة والغلاء الذي طال جميع السلع والخدمات أصبح من الصعب على كثير من الأسر البقاء في قطر ولذلك كان القرار الذي اتخذه الأزواج هو التضحية بالحياة الأسرية واتخاذ قرار سفر الزوجة والأبناء إلى البلد الأم من أجل تحقيق العائد الاقتصادي الذي تم الإقدام على الغربة من أجله.

ولذلك ـ كما تقول الدكتورة فاطمة الكبيسي ـ شهدت قطر نزوح عشرات السيدات مع أبنائهن وبقاء الزوج بمفرده وهو الأمر الذي رفع من نسبة الرجال في المجتمع القطري على حساب النساء.

وتشير إلى نقطة في غاية الأهمية ألا وهي أن الخلل في التركيبة السكانية في قطر لا يتوقف عند زيادة أعداد الرجال مقارنة بأعداد النساء ولكنه ينسحب أيضا على أن التركيبة السكانية نفسها غير متجانسة.

حيث توجد عشرات الجنسيات التي تتحدث بلغات مختلفة وتحمل الكثير من الديانات والثقافات المتباينة. وتؤكد أن هناك تأثيراً سلبياً خطيراً ينجم عن تزايد أعداد الوافدين إلى قطر من شتى دول العالم حيث يحملون العديد من الثقافات والسلوكيات التي لا تتفق مع ثقافة وهوية مجتمعنا القطري العربي المسلم.

. مشيرة إلى أن هناك خوفاً لدى كل العائلات القطرية من اختلاط أبنائهم بهؤلاء المقيمين حتى لا يتأثروا بسلوكياتهم وعاداتهم ولعل تفضيل الأسر القطرية للسكن خارج تجمعات المقيمين يرجع إلى الخوف من الآثار السلبية التي تنجم عن الاختلاط بالمقيمين وخاصة ممن ينتمون إلى جنسيات ودول غير عربية وإسلامية.

ومن أهم الظواهر السلبية حالياً والتي يجري مناقشتها على جميع المستويات في قطر ظاهرة إسكان العزاب في المناطق السكنية للعائلات سواء كانت عائلات مواطنين أو مقيمين حيث تتزايد شكاوى السكان في مختلف وسائل الإعلام من تصرفات العزاب التي تتنافى مع العادات والتقاليد وتخدش حياء السكان بسبب تجمعهم أمام المنازل ومحال البقالة فضلاً عن الملابس التي يوجدون بها في الشوارع.

وتضيف هناك مخاوف من أن يتحول المجتمع القطري إلى مجتمع للعزاب مشيرة إلى أن ارتفاع أسعار الإيجارات وغلاء المعيشة دفع العديد من المقيمين إلى ترحيل أسرهم إلى أوطانهم وبقائهم هم للعمل داخل الدوحة دون أسرة.

الدوحة ـ أنور الخطيب