في خريف عام 1975 ألقى الرئيس الجزائري الراحل هواري بومدين خطابا أعلن فيه استقبال بلاده للاجئين الصحراويين وتقديم الدعم اللازم لهم، حتى تزول الشدة والأسباب التي دفعتهم لمغادرة بلدهم. وعندما قال بومدين ذلك لم يكن أبدا يتصور أن تلك الشدة ستستمر 35 عاما، ولا يزال الأفق أمام نحو 200 ألف لاجئ غامضا.

بعد أيام من الإعلان بدأت طلائع اللاجئين تتوافد على جنوب غرب الجزائر، وفي مطلع عام 1976 أصبح عدد الذين استقروا بمنطقة تندوف على الحدود مع إقليم الصحراء الغربية يعدون بالآلاف.

الحدث كان جديدا على الجزائريين ولم يكن يخطر بالبال أنهم يستقبلون لاجئين بعدما كانوا هم لاجئون في دول الجوار خلال حرب الاستقلال من 1954 إلى 1962. وكان جديدا أيضا على الصحراويين حيث لم يجربوا النزوح خلال ما يقارب القرن من الاحتلال الاسباني.

ولذلك ساد الارتباك في البداية لأن الأمر يتطلب تنظيما أقوى من المتوفر بالنظر للأعداد الهائلة من العائلات التي تخطت الحدود، وتوافدت من مدن وبلدات عديدة في الصحراء الغربية بينها عاصمة الإقليم العيون والداخلة وسمارة ومنطقة بوكراع وغيرها.

وتكفلت الجزائر كليا بالاستقبال والإقامة المؤقتة في خيام نصبت قرب الحدود، على اعتبار أنهم لم يسجلوا ضمن قوائم الأمم المتحدة كلاجئين ولا يشملهم حق المساعدة.

وأمر بومدين بفتح جسر بري وجوي من مختلف ولايات البلاد لنقل المساعدات من المواد الغذائية والملابس والأغطية والوقود وكل ما يحتاجونه خاصة، وأن طلائعهم وصلت إلى المنطقة في فصل الشتاء.

حيث مقياس الحرارة بمنطقة تندوف يسجل أقل من الصفر ليلا. وقال محمد جيلالي وهو من الاعيان في المنطقة إن البداية كانت باستقبال عائلات جزائرية لأخرى صحراوية على مدى أيام على غرار ما حدث بين الأنصار والمهاجرين.

ولما زاد العدد وطال الأمد قررت السلطات الجزائرية وجبهة البوليساريو جمع العائلات الصحراوية في مخيمات وخصصت أراض واسعة غرب تندوف بنيت عليها بيوت من طوب يفترض أنها مؤقتة ولم يكن أحد يتوقع أن تلك العائلات ستبقى بها كل هذا الوقت.

وضع المخيمات

وعقدت اجتماعات عديدة ضمت مسؤولين من الجانبين لضبط الأمور والتحكم في الوضع، فمع أن سكان الصحراء الغربية وسكان جنوب غرب الجزائر عموما وتندوف خصوصا امتداد لبعضهم ويتشابهون في الملبس والعادات ولهجة المخاطبة الا أن النظام العام الذي يحتكم إليه هؤلاء وأولئك يختلف.

فتندوف تتبع بلدا مستقلا يتوفر على هياكل مستقرة وتسيره قوانين محددة، في حين شعب الصحراء لا يزال رعويا ولا يخضع لقوانين غير طرق التعامل القبلية البدائية، وبعضهم مشمول بأنظمة التسلط التي سيرت بها اسبانيا الإقليم منذ احتلاله العام 1884.

وبحسب ما يتوفر من معلومات في أرشيف الصحف فإن الأمور سارت ببساطة وسهولة ولم تظهر أية مشاكل تذكر في البداية. وتكفل الجيش الجزائري في البداية ببناء البيوت وإقامة المرافق وشق القنوات وربط المخيمات بشبكات المياه والكهرباء لكن فيما بعد صار الصحراويون أنفسهم يقومون بالمهام الكفيلة بتحسين وضعهم بالتنسيق مع سلطات المنطقة.

نظام المخيمات شأن صحراوي

في ظرف عامين تحولت المخيمات إلى أحياء كبيرة من بيوت الطوب والخيام واستمرت في التوسع فيما بعد بحسب الحاجة ووفق تزايد الوافدين، وبنيت فيها مرافق مختلفة بمساعدة من الجزائر ودول عديدة أخرى. وأقيمت مدارس ومصحات وحتى ملاعب لممارسة الرياضة، تسير كلها من الصحراويين ولا يدخلها الجزائريون إلا زوارا ضمن وفود تحت الرقابة.

والغرض هو نقل البيئة التي كان هؤلاء يعيشون فيها إلى موطن إقامتهم الجديدة من جهة ومنع الاحتكاك غير المحسوب بينهم وبين الجزائريين من جهة أخرى.

ويدرس الأطفال الصحراويون في مدارسهم بالمخيمات ويدرسون وفق البرنامج الجزائري مع إضافة تاريخ بلادهم واللغة الاسبانية، وحتى يتمكنوا من المشاركة في الامتحانات بالجزائر ودخول اعداديات وثانويات عامة مثلهم مثل بقية التلاميذ الجزائريين، ويلتحق الناجحون منهم في امتحان البكالوريا (الثانوية العامة) بالجامعات الجزائرية .

ويحصلون على المزايا ذاتها التي تتوفر للطالب الجزائري. وتقع مباني قيادة البوليساريو في «حاسي عبد الله» كما تسمى لدى الجزائريين سابقا و«منطقة الشهيد حافظ» حسب التسمية الصحراوية.

وهناك تقام الاستقبالات الرسمية للوفود الأجنبية التي تزور المخيمات. وأطلق الصحراويون أسماء أهم مدنهم على المخيمات وهي «العيون» و«سمارة» و«أوسرد» و«27 فبراير» و«ربوني» فيما سموا الشوارع والساحات بأسماء من سقطوا من محاربيهم ضد الاحتلال الاسباني.

سكان المخيمات يتدبرون أمورهم

قال الطيب زيتوني رئيس بلدية الجزائر الوسطى (وسط العاصمة)، بوصفه رئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة المدن الإفريقية، إن اللاجئين الصحراويين المقيمين بتندوف لا يشكلون أي ضغط على الاقتصاد الجزائري ولا على السكان، وهم يتدبرون أمورهم في مخيماتهم ويقيمون أنشطة مختلفة متواضعة لكنهم يرونها ضرورية للحياة.

كما يستقبلون ما يأتيهم من مساعدات إنسانية من منظمات إقليمية ودولية. وقال انها غير كافية عموما لكن المسؤولين على المخيمات يوزعونها بشكل يتيح للجميع الاستفادة منها، ويغطي السكان النقص بنشاطات داخلية في إطار الصناعات التقليدية والحرفية، وبعضها يقتنيها زوار المخيمات.

ويجد قسم منها الطريق إلى السوق الجزائرية. وأكد أن حملات تبرعات شعبية واسعة، تنظم في الجزائر من حين لآخر لتغطية العجز في تموين سكان المخيمات تشارك فيها مختلف الولايات وترسل بقوافل من المساعدات سواء من المواد الغذائية أو اللباس والأغطية والخيام والوقود وغيرها من مستلزمات الحياة، واعتبر ذلك واجبا على الجزائر لأن الصحراويين يعيشون ظروفا استثنائية.

الجزائر ـ مراد الطرابلسي