إحدى وستّون سنة مضت، ولم يتمكّن الفلسطينيون «اللاجئون» في لبنان من مشاهدة الألعاب النارية والمفرقعات التي أطلقت خلالها، احتفالاً بذكرى قيام الدولة العبرية، والتي تشكّل بالنسبة لهم ذكرى النكبة التي شرّدتهم من ديارهم، ولم تترك لهم سوى حلم يراودهم ب«حق العودة»، ومغادرة مخيمات هي بمثابة سفارات غير معلنة لوجودهم.

يومها، تشرّدت الحاجة زهرة، «أم عباس»، من فلسطين إلى جنوب لبنان، حيث أقامت في «شادر» مصنوع من القماش، نصبته وكالة إغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «الأونروا» بالتنسيق مع السلطات اللبنانية.. ومن ثم تحوّل الشادر إلى منزل متواضع، يقيها وعائلتها برد الشتاء وحرّ الصيف.

نزحت «عروس» الشهرين برفقة زوجها محمد مع من نزحوا سيراً على الأقدام من الجليل في اتجاه الجنوب اللبناني.. ولم تحمل معها سوى بعض المتاع الذي خفّ حمله، ومنه وثائق ملكيتها لأرض في فلسطين ومفتاح المنزل وصور الأحبّة..

وحين أقامت في حيّ داخل المخيم الذي حمل اسم بلدتها، ظنّت يومها أن «الإجراءات السريعة» التي اتخذتها الأمم المتحدة ومؤسّساتها الدولية، والتي تمثلت في إحضار الخيم ونصبها لإيواء الألوف من «اللاجئين» الفلسطينيين، ستكفل عودتها من حيث أتت في وقت قريب، فشعرت بأن وجودها في لبنان سيكون مؤقتاً، ولن يطول كما هو حاصل.

هي اليوم تعيش مع عائلتها المؤلّفة من سبعة أبناء، بالإضافة إلى أحفادها، في منزل متواضع مكوّن من طبقتين، وفي «قرية» وجدت لنفسها مساحة متواضعة في العاصمة، ويحلو لها أن تتنكّر بلباس المخيم.

وتنجح في ذلك، ليصبح مخيم «مار إلياس» للاجئين الفلسطينيين، أصغر المخيمات الفلسطينية في بيروت.. وفي هذه «القرية» شوارع تحوّلت إلى أزقّة تتّسع لشخص أو اثنين على الأكثر، مع تمدّد البناء، وفيها منازل ارتفعت عشوائياً كفطرٍ نما سريعاً..

تداخلات الحياة

4500 متر مربّع هي المساحة الممنوحة لنحو 425 عائلة في الحياة.. لم تنقص ولم تزد، وكأن لهذا المخيم ثوب خيط على مقاس واحد، أو كأنه ينام وينهض في ثوبه، لا يبدّله خوفاً من أن يضيق عليه أثناء أحلامه..

وداخل هذه المساحة، تتداخل الحياة اليومية مع تشابك المنازل، ويصبح الزقاق المليء بالشعارات السياسية، لاسيما منها المتعلّقة بحق العودة والانتفاضة، والمغطّى بصور قادة الفصائل والشهداء، جامعاً في الوقت عينه رائحة الطعام وصوت طالب ينبعث من أحد صفوف المدرسة..

ومن مكان آخر، تسمع صوت مولّد كهربائي يختلط بنداءات بائعين متجوّلين، ولا بأس إن كان ذلك مترافقاً مع صوت السيدة فيروز يتصاعد من نافذة مفتوحة، «بيقولوا الحب بيقتل الوقت، بيقولوا الوقت بيقتل الحب».. فهل يقتل حب العودة وقت الانتظار، أم يقتل وقت الانتظار حب العودة؟..

الصورة الملأى بالضوضاء تتبدّل بكل معالمها.. لكن الثابت فيها دوماً هو انبعاث ثلاثة أصوات تأبى الاختفاء: ضحكات الأطفال أو صراخهم، أذان يرتفع من مسجد قائم على الطرف الغربي من المخيم، وصوت جرس كنيسة «مار إلياس» ينبعث من الجهة الشمالية، وذلك بما يشير إلى التركيبة الفلسطينية الدينية المختلطة داخل هذه البقعة الجغرافية.

واقع مرير

من ذاكرتها الملأى بقصص «لا تُنسى» عن هجرتها من فلسطين إلى بلدة بنت جبيل في الجنوب اللبناني أولاً، ثم إلى قرى جنوبية أخرى فمخيم تلّ الزعتر، قبل الانتقال إلى المخيم «الأكثر استقراراً»، بحسب رأيها، تختصر «أم عباس» واقع المخيمات الفلسطينية بكلمات:

«سفارات غير معلنة لوجودنا»، و«إحنا عايشين فيها متل المعلّبين».. ترتشف قهوتها وتأخذ بضعة أنفاس متقطّعة من سيجارتها، ثم تميل إلى الأمام كمن لديه سرّ خطير: «هيدا المخيم إلو دور أساسي بالسياسة، لأنو كل الفصائل موجودة فيه»، وتشير بيدها في كل الاتجاهات: «هونيك في مكتب للجبهة الديمقراطية..

وقدّام شوي في مكتب للجبهة الشعبية.. وعالشمال في مكاتب لجبهة النضال وللقيادة العامة وغيرهن كمان»، مكتفية بهذا القدر من تعداد الفصائل الموجودة، ومستدركة بألا وجود ل«فتح الإسلام» أو «عصبة الأنصار»، التنظيمان اللذان «خرّبوا وغرّقوا»، برأيها، مخيمَي نهر البارد وعين الحلوة.

مخيم لايشبه إلا نفسه

وعلى خط السياسة، تتدخّل السيدة كاترين (فلسطينية مسيحية متزوجة بلبناني، وتقيم في المخيم)، لتشير إلى إيجابيات ثلاث «تفرِح» أبناء المخيم: توفّر المياه من بئرين ارتوازيتين حفرتهما «اليونيسيف» والمجلس الثوري، إعادة تأهيل شبكتَي الكهرباء والهاتف منذ عشرة أعوام، إضافة إلى تسوية أوضاع المجاري الصحية منذ السبعينات..

لكنها، لا تخفي حسرتها لكون ثلث أبناء المخيمات لا يجدون فرص عمل، ف«ممنوع علينا نشتغل بلبنان إلا بمهن محدودة.. والله بيسترنا من شرّ الحاجة والعوز».

وليس بعيداً من المكان، وتحديداً في مخيم برج البراجنة الواقع قرب طريق مطار بيروت الدولي، لا بدّ للزائر من أن ينسى انتماءه إلى القرن الحادي والعشرين.. فزمن المخيم وتاريخه لا يشبهان زمن بقية العالم، وليس أدلّ على واقع هذا المخيم سوى قول أحدهم: «إحنا في حكم الأموات».

في زقاق ضيق من أزقة هذا المخيم، تعيش عائشة أحمد، طريحة الفراش في غرفة، ولا معين لها أو مساعد إلا الله، كما تقول.. كلما حاولت الكلام، غلبها البكاء، فوضعها «يعزّ» عليها، وهي التي تحتاج إلى أدوية كثيرة وفحوص دورية لا تستطيع «الأونروا» تأمينها لها، مكتفية بالقول: «ما إلى غير ربّ العالمين»، ليتدخل جارها إسماعيل الشيخة شارحاً:

تقديمات وكالة «الأونروا» من الممكن أن تحتجب.. فالمنح والمساعدات تقلّ كل فترة.. لا أحد يأخذ مساعدة شهرية مالية.. حتى المعونات الصحية والطبية باتت صعبة جداً ومتعسّرة.. ويضحك لشدة ألمه قائلاً: «إحنا مع بعض المساعدات عم نموت كل يوم، فكيف إذا انقطعت نهائياً؟.. الله كبير».

المشاهد تتكرّر مرفقة بحكايا وتفاصيل أكثر.. والحصيلة تتلخّص في أن كثيراً من «اللاجئين» ماتوا في سكوت، لأن الحاجة خنقتهم، وما أحبّوا أن يصرخوا أو يستعطفوا.. فقر وحرمان وأطفال حفاة ونساء ورجال «ختايْرة» وقيادات...

ولا ضرورة للاستعلام والاستفسار أكثر، فوسائل الإعلام نقلت مراراً أوضاعهم بالكلمات والصور.. الأحوال معروفة، و«هادا هوّي البير، وهادا هوّي غطاه»، وفق رأي «الحجّة رمزيّة».

أما الرجل الذي تطوّع لمرافقتنا في المخيم، فأجاب بسرعة عن السؤال حول صعوبة حياة الفلسطيني، كمن كان يفكر أصلاً بهذا: «كتير»، قال، وأضاف أن لحظات تمر عليه يتمنى فيها لو كان يحمل جواز سفر ليس عليه أي حرف بالعربية.

بدورها، تصرّ زوجته على تصوير غرفتها.. مساحات واسعة من سقف الغرفة الحديدي مبقورة تتدلّى منها قطع الإسفنج.. تضع دلواً حيث يدلف السقف.. تقول، والعبارة تتكرّر على ألسنة الجميع، إن «الصراصير تعشّش في الأسقف، وتسقط على الرؤوس من فوق».. ترفع طفلتها لتظهر عينيها الحمراوين بسبب العفونة في الغرفة، وتشرح كم الطفلة مريضة، وكلما أخذتها إلى المستوصفات تُعطى لها الحبّة نفسها، «ضدّ الرشح»!

رجل يضع لافتة صغيرة مكتوبة بخط اليد تعلن عن بيع قطع الفروج على أنواعها.. جارته امرأة مسنّة نصبت خيمة بسقف من البلاستيك المقوّى، صنعت فيها يدوياً فرناً من التِبْن المشوي، يعود تاريخ اختراعه إلى قرون غابرة، تخبز فيه على الحطب.. امرأة أخرى رفعت لافتة: «مشغل ابتهاج للخياطة».. «الحمد لله ماشي الحال»، تقول صاحبة المشغل.

الأحلام ممنوعة.. والانتظار موجِع

«عندما يخلعونك من منزلك ويجلسون مكانك على مقاعد الدراسة في صفّك.. وعندما يتأرجحون على أرجوحتك التي علّقها لك جدك بين أشجار الزيتون.. وعندما يجبرونك على السكن في مخيمات تندب حظها لأنها تؤويك.. وعندما ينتزعون منك هويتك ويعطونك بطاقة الإعاشة، ومن ثم يطلبون منك ألا تَنبس ببنتِ شَفة، فقد أصبحت لاجئاً..

وعندما.. وعندما.. وعندما.. ماذا يمكن أن يكون قد بقي منك؟.. وتحت حجّة حماية حقّنا في العودة، يسقطون عنّا حقّنا بالعمل والعيش بكرامة.. ما نفع العودة بلا نحن؟.. جدي كان يقول لي دائماً: ولدي يا سامر، «بدنا لمّا نرجع ع فلسطين، نرجع ومعنا الشهايد.. مات جدي قبل أن يرى أحلامنا تُنتزع منا يوماً بعد يوم».

سامر نجح في امتحانات الثانوية العامة ـ فرع علوم الحياة، ولم يكمل تحصيله الجامعي للأسباب التي ذكرها أعلاه.. هو واحد من الطلاب الفلسطينيين الكثيرين الذين نجحوا في الامتحانات الرسمية لكنهم يقفون اليوم حائرين أمام بوّابة المستقبل.

جولة صامتة في الأرجاء تكفي.. في عيون الشبان أسئلة كثيرة ممزوجة بكثير من القلق.. ولد هؤلاء في ظل الثياب الخضر وزخّات الرصاص وأنباء العمليات الفدائية، وها هي «القضية تتحول ملفاً على طاولة بعيدة»، كما يرى قاسم، مؤكّداً أن «لا أحد هنا يؤيّد التوطين، كلنا نريد الوطن».

أما الصراحة المطلوبة، فيعبّر عنها صبية يلعبون حفاة بكرة تشبههم إلى حد كبير.. طارق يحلم بأن يلعب في «زاروب» أوسع.. رغيد يتشوّق إلى أكل البلح.. بلال يريد أن يبني قصراً في المخيم.. ويبقى حلم باسل بالعودة إلى فلسطين رهن الانتظار الموجع.. فهل عليه أن يمضي المزيد من الأعوام في انتظار الوطن، أم يختار الطلاق مع الحلم وينصرف لاختراع وطن بديل؟

بيروت ـ وفاء عواد