منذ أسبوعين استقال أكبر مسئول دولي عن قضية البيئة.. وكان يقود أكبر هيئة خصصتها منظمة الأمم المتحدة لبحث هذا الموضوع الذي يهّم كل سكان كوكبنا ويقضّ مضاجع الناس.. حاكمين كانوا أو محكومين بشأن مستقبل الحياة على سطح الأرض. وهذه الهيئة تحمل اسمها الذائع: فريق الخبراء الحكومي الدولي المعني بتغير المناخ.
وقد أرجعت جمهرة المحللين.. إلى أن هذه الاستقالة جاءت في جانب منها بسبب أخطاء شابت متْن التقرير الشامل الذي سبق الفريق الدولي المذكور إلى إصداره..وكذلك إلى خيبة الأمل التي أصابت الأوساط المعنية في عالمنا بل امتدت آثارها إلى الجماهير العادية في أكثر من بلد إزاء عدم توصّل قمة كوبنهاغن المعقودة في أواخر العام الماضي إلى معاهدة دولية جديدة تمثل صكا قانونيا ملزما لأطرافها وتدفعها إلى أن تتخذ قرارات ناجزة بشأن الحد من انبعاثات غاز ثاني أكسيد الكربون التي تمثل أكبر مسببات ارتفاع درجة حرارة كوكب الأرض، وهو ما أصبحت الأدبيات السياسية والعلمية تصفه بأنه «غازات الاحتباس الحراري» بكل ما ينجم عنها من أخطار تهدد صحة الكائنات الحية ما بين الإنسان إلى النبات إلى الحيوان.
قضية مهمة
وقد تكون قضية المناخ والصحة الايكولوجية لكوكبنا أمرا لا يحتّل حتى الآن موقع الصدارة في أجندة الاهتمامات التي تعتمدها دول وحكومات شتى في عالمنا..
وذلك إذا ما قورنت مثلا بقضايا مازالت تشكل محورا لاهتمامات ميديا الإعلام بكل أشكالها ـ قضايا من قبيل أزمة الاقتصاد العالمي ـ أو تيارات العنف السياسي أو الإرهاب العقائدي.. أو نقص الأغذية أو انعدام الأمن الغذائي أو قضايا انتشار الأسلحة والأنشطة النووية.. فضلا عن الحروب الأهلية والصراعات القطرية والإقليمية التي ما برحت مندلعة وممتدة اللهيب في شرق العالم وغربه.
مع هذا كله، فثمة مؤشرات تضئ - كما نتصور - كل الأنوار الحمراء.. كي تنبه، أو بالأدق تنذر جميع الأطراف المعنية إلى أن موضوع البيئة وقضايا تغير المناخ، فضلا عن تداعياتها سواء بالنسبة لارتفاع درجات الحرارة أو ارتفاع منسوب سطح البحر والمحيط..
أو التغيرات الجيولوجية ـ التكتونية (بمعنى الزلزالية) التي تطالعنا أخبارها بين يوم ويوم ـ كل هذه المسائل لابد وأن تصبح جزءا شديد الأهمية والإلحاح من شئون وشجون كل الأطراف المعنية بمستقبل عالمنا وآفاق الحياة في كوكبنا.
التعلل بالأماني
صحيح أن هناك من حاول إطلاق زفرات من الارتياح عندما كشفت الدراسات عن أخطاء أو عثرات في «تقرير حالة المناخ» في العالم الصادر ـ كما أسلفنا ـ عن فريق الخبراء الحكومي الدولي السابق الذكر.. وربما جاء هذا الارتياح مشوبا بحالة من التشفي إزاء تهديدات الويل والثبور التي ظل يرددها علماء الفريق المذكور بشأن مستقبل الحياة في عالمنا..
وربما جاء الارتياح من منطلق التعلل بالأمنيات أو التفكير الرغائبي أو التفكير بالتمني كما يقول تعبير اللغة الإنجليزية. ولو على سبيل «تمنّوا الخير تجدوه» كما يقول مثل تراثي عربي لا ينقصه حسن النوايا كما نقول.
وأيا كان الأمر ـ فالحاصل أن اليوم الأخير من شهر فبراير الماضي شهد قرارا صادرا عن الأمم المتحدة يقضي بتشكيل «مجلس» مستقل من العلماء الاختصاصيين يتم تعيينه وتكليفه بمهمة محددة على الوجه التالي:
أن يراجع بدقة (ونزاهة طبعا) كل الأعمال التي أنجزها، والدراسات التي قام بها فريق الخبراء الحكومي الدولي، ولاسيما التقرير الشامل، الصادر عام 2007 بشأن حالة المناخ في العالم.. مع إيلاء اعتبار خاص لما قد يكون قد شاب التقرير العالمي المذكور من سلبيات أو أخطاء.
وربما نلاحظ من جانبنا أن تشكيل هذه المجموعة المستجّدة من العلماء الاختصاصين جاء في تصريح أدلى به متحدث دولي رسمي في اجتماع دولي ضم وزراء مسئولين عن قضايا البيئة في أقطارهم، والتأم عقده مؤخرا في «نوسيا دوا» في أندونيسيا.
وقد ألمح هذا المتحدث ـ السيد «نك نتل»، وهو ناطق باسم برنامج الأمم المتحدة للبيئة أن مجلس العلماء المرتقب سوف يكَّلف بالتعمق في بعض ما خلص إليه الفريق الدولي من نتائج وجدت من يتوقف عندها:
معارضة كانت أو رفضا أو تفنيدا أو دحضا من جانب علماء آخرين، وخاصة ما يتعلق منها بشأن التنبؤ باختفاء طبقات الجليد من فوق قمة جبال الهملايا في الهند وجاراتها في جنوب شرقي آسيا بحلول عام 2035 (يعني ربع قرن وربما أقل قليلا) وتلك تنبؤات يفيد اختصاصيون آخرون بأنها لا تستند إلى توافق علمي بشأنها.
سؤال مطروح
هل معنى هذا أن التقرير الدولي المشار إليه أصبح غير ذي موضوع.. أو أضحى مرشحا للوضع على رفوف الإهمال؟
الجواب بالنفي في كل حال.
جريدة « نيويورك تايمز» ترى في مقال نشرته في هذا الشأن ما يلي :
- رغم ما تردد هنا وهناك من انتقادات للفريق الحكومي الدولي وما ساد من تشكك إزاء بعض النتائج التي انتهى إليها.. إلا أن جمهرة العلماء والاختصاصيين وأوساط الأمم المتحدة مازالت تؤكد أن القرائن التي تشهد، بل تشدد، على أن النشاط البشري هو العامل الأساسي في ظاهرة الاحترار ـ التساخن في العالم.. هي قرائن ثابتة ولا تلقى إليها الشكوك.
ثم تضيف «التايمز» أيضا:
- (من هنا) فمازالت تقييمات الفريق الحكومي الدولي تمثل مصدرا جوهريا يسترشد به صانعو السياسات في العالم إذ يعكفون على التصدي لظاهرة ارتفاع درجة حرارة كوكب الأرض.
آفاق المستقبل
من ناحية التوقيت.. ثمة موعدان أساسيان في هذا المضمار:
- الأول في أواخر الصيف المقبل من العام الحالي حيث من المرتقب أن يُصدر مجلس العلماء الجديد تقريره الذي يراجع فيه بالتصحيح أو التعديل أو بالرفض أو الموافقة التقرير الشامل الأسبق الصادر عام 2007 وهو ما قد يبعث قدرا من الاطمئنان إلى وجدان الفرقاء من صانعي السياسات وجماهير المتابعين للشأن البيئي على السواء.
- الثاني في شهر أكتوبر القادم حيث يعقد اجتماع فريق الخبراء الحكوميين الدولي في كوريا الجنوبية، وفيه تجري دراسة الوثيقة المنتظر صدورها ـ كما ألمحنا ـ لزوم المراجعة والتصحيح.
يلفت اهتمامنا أيضا أن أواسط «نوسا دوا» بمنطقة بالي الاندونيسية.. شددت على ضرورة إيلاء الأهمية الواجبة إلى نوعية من الكتابات التي يُعتد بها حقا المؤلفات المطروحة في هذا المضمار، وهي التي يصنفها أهل الاختصاص تحت وصف «الأدبيات الرمادية».
ويقصدون بها التقارير والدراسات والبحوث التي ربما لا تُنشر على صفحات الدوريات العلمية والمنشورات الأكاديمية المحكمّة، ولكنها تصدر أيضا من جانب هيئات حكومية مسئولة عن هذه النوعية من قضايا البيئة.. المناخ.. الأرصاد.. الحياة البحرية.. الخ إضافة إلى بحوث ودراسات يقوم بها باحثون جادون من خارج نطاق الأطر والمجموعات الدولية العاملة في هذا الميدان.
من جانبه، بادر «أخيم شتاينر» المدير التنفيذي لبرنامج الأمم المتحدة للبيئة (يتخذ البرامج موقعه في مقر الأمم المتحدة الأفريقي في نيروبي ـ كينيا) إلى تصريح أصدره في الأسبوع الماضي .
وذكر فيه أنه لا يعارض إدراج هذه الأدبيات «الرمادية» ضمن متون الوثائق والمنشورات الدولية المعتمدة، ولكنه وجّه اللوم إلى وسائل الإعلام التي اتهمها بأنها بالغت إلى حد الغلّو في رأيه في تضخيم السلبيات أو العثرات التي وقع فيها الفريق الحكومي الدولي المعني بتغير المناخ.
ومن الذي ينجو من سلبيات وعثرات وخاصة في متن تقرير بالغ الضخامة صدر منذ 3 أعوام وبلغ عدد صفحاته 3000 صفحة وأحال عبر هذه الصفحات الحافلات إلى 10 آلاف ورقة من ورقات البحوث العلمية. ورغم ذلك تعرض لانتقادات شتى بعضها وصل في درجة الهجوم إلى وصف التقرير بأنه «كلايمت جيت» ـ بمعنى فضيحة المناخ كما يذكر الكاتب الأمريكي «جون برودر» في تقرير من العاصمة واشنطن.
حامل نوبل
من ناحية أخرى تصادفنا ملاحظات نافذة أخرى أدلى بها هذه المرة السيد «آل جور» وقد أصبح ـ كما هو معروف ـ من أكبر دعاة حماية البيئة.. سواء بفضل تاريخه الطويل، الايجابي بالدرجة الأولى عبر عقد التسعينات حين كان يتبوأ منصب نائب رئيس الولايات المتحدة خلال ولاية الرئيس الأسبق بيل كلينتون.
. وكم تابعناه في تلك الفترة حينما كانت الدعوة الايكولوجية في مرحلة التبشير كما قد نسميها، وهي محاولة إخراج قضايا بيئة الأرض وتغيرات المناخ من داخل المختبرات العلمية وزوايا أبراج الاختصاص التقني العاجية ـ إلى حيث تصبح جزءا من الاهتمامات والهموم اليومية في حياة المواطن العادي.
وكان طبيعيا أن يتحّول السياسي الأمريكي آل جور مع السنوات الأولى من القرن الجديد من موقع الريادة إلى موقع المرجعية في شئون البيئة.. خاصة بعد حصوله على جائزة نوبل الرفيعة اعترافا بجهوده، أو فلنقل بصبره الطويل ودأبه المتواصل في هذا المجال.
لهذا وجب الاهتمام بما نشره آل جور مؤخرا معلقا على أحاديث النقد إلى حد التشكيك في مصداقية الطروحات التي جاء بها تقرير 2007 الذي عرضنا له.
ودراسة السيد آل جور المنشورة بدورها في آخر أيام فبراير الماضي تحمل العنوان التالي: ليس بوسعنا أن نشيح النظر (أو نغضّ الطرف بالتجاهل) عن تغير المناخ.
في هذه الدراسة يحذّر السياسي الأمريكي المخضرم من لعنة الأجيال الطالعة حين تواجه مستقبلا ويلات المناخ فإذا بها تلعن الأجيال الحالية على تقصيرها إزاء معالجة المشاكل الراهنة أو بالأدق تجاهل هذه الظواهر التي تتجلى آثارها السلبية أحيانا والوخيمة أحيانا أخرى.. ابتداء من التسونامي في المحيط الهادئ وليس انتهاء بآفات الجفاف في أفريقيا أو كوارث الزلازل وآخرها ما أصاب شيلي دولة المخروط الجنوبي في قارة أمريكا اللاتينية.
مدن في خطر
لم يشر آل جور في هذا المقام إلى ما صدر مؤخرا من تحذيرات من جانب مصادر ومراجع علمية بشأن قائمة مخيفة تضم عددا من مدن العالم المهددة بكارثة الزلازل بصورة أو بأخرى. وفي هذا يقول البروفيسور «روجر بيلام» أستاذ علم الزلازل بجامعة كولورادو في الولايات المتحدة (نيويورك تايمز) 25/2/2010:
- بغير المبادرة إلى بذل جهود مطردة في مجال تغيير أساليب تشييد المباني وتثقيف الجماهير، بمن في ذلك المسئولون أو المعنيون، ابتداء من رؤساء المدن إلى مشيّدي الأبنية، بشأن السبل الكفيلة بدعم الهياكل المبنية، فإن مأساة زلزال هايتي التي وقعت مؤخرا يمكن أن تحدث على نحو أكثر تفاقما في مرحلة أو أخرى من القرن الحالي على مستوى مدن شتى من خارطة العالم ومنها: كراتشي (باكستان).. كاتا كتماندو (نيبال) أو ليما (بيرو) إلى جانب مدن من حواضر الأقطار الفقيرة.
مرة أخرى يقول آل جور في دراسته التي نحيل إليها:
- وددت لو كانت أزمة المناخ مجرد وهْم يمكن أن يتبدد.. لكن لسوء الحظ، فإن حقيقة الخطر الماثل داهما أمامنا لم تتغير حتى مع اكتشاف غلطتين أو أكثر وسط آلاف الصفحات التي ضمت نتائج جهود من البحث العلمي المتأني والدقيق تواصلت على مدار الأعوام الاثنين والعشرين الأخيرة، وقد عكف عليها ـ كما هو معروف ـ فريق الخبراء الحكومي الدولي المعني بتغير المناخ.
والحق فالأزمة التي تواجهنا مازالت قائمة بل متنامية لأننا لا نزال نلقي بأحمال قوامها 90 مليون طن في الغلاف الجوي من مواد التلوث المسببّة لارتفاع درجة حرارة الكوكب كل 24 ساعة يوميا، وكأنما أصبح هذا الغلاف المحيط بكوكب الأرض مجرد بالوعة لنفايات الصرف الصحي.
صحيح ـ يعترف آل جور نفسه ـ أن التقرير الدولي المذكور أخطأ حين بالغ في تقدير معدل ذوبان الغطاء الثلجي فوق سفوح وقمم الهملايا الآسيوية.. كما أنه استخدم في هذا السياق معلومات مقدمة له من جانب حكومة هولندا ثم ثبت أنها غير دقيقة جزئيا.. لكن علينا أن نسلم أن مشاريع البحث العلمي لا يمكن أن تخلو من أخطاء.. والأهم في هذا الصدد هو أن درجة التوافق الشامل بين آراء الأغلبية الساحقة من العلماء الاختصاصيين لم تتغير بشأن ظاهرة انبعاثات غازات التساخن العالمي.
ثم أن هناك أخطاء.. وقعت عند الطرف الآخر من المعادلة الكوكبية.. وإذا كان علماء الفريق الدولي قد بالغوا في تقدير ذوبان ثلوج الهملايا.. فإن ثمة أخطاء في التهوين من تقدير ارتفاع سطح البحر خلال سنوات القرن الحالي.. وفي التقليل من معدل زوال الغطاء الثلجي في القطب الشمالي ومن سرعة انصهار الصفائح الجليدية في القطب الجنوبي (قارة أنتاركتيكا) ومنطقة غرينلاند الشمالية من العالم.. ومن ثم التهوين من تدفق هذه الكميات المائية الهائلة إلى مجرى البحار والمحيطات.
أخيرا، يخلص آل جور إلى الاستشهاد بما سبق إلى تأكيده السياسي البريطاني المخضرم ونستون تشرشل حين قال:
- لا يكفي أحيانا أن تقوم بما هو أفضل.. بل أحيانا يتوجب عليك أن تقوم بما هو مطلوب.
محمد الخولي

