السياسة الخارجية الأميركية من صلاحية الرئيس أصلاً. يعود له رسمها وتحديد أولوياتها واتخاذ القرارات بشأنها. الكونغرس يؤثر في صنعها، من خلال صلاحياته المالية ونفوذه شبه المطلق في هذا الحقل. يحصل ذلك من باب المقايضة الضمنية بين الاثنين. من هذا الباب يمد النواب وأعضاء مجلس الشيوخ أيديهم، لمشاركة الرئيس في طبخة الشؤون الخارجية.

تتراوح هذه المشاركة بين التدخل المستأثر والمتحكم وبين التدخل المتوازن أو المتوافق في النهاية مع سيّد البيت الأبيض. يعتمد ذلك على شخصية الرئيس وقدرته. إذا كان صاحب إصرار على مواقفه وتوجهاته، أو إذا كانت هالة زعامته من الوزن الثقيل، فلا يترك للكونغرس الدور البارز، ناهيك عن القيادي؛ في هذا الحقل.

أما إذا ما كان من أهل هذه المواصفات، واختار صياغة سياسته الخارجية بصورة تخضعها للاعتبارات والحسابات السياسية والانتخابية؛ عندئذٍ يترك للكونغرس مصادرتها وخطفها منه. أو في أحسن الأحوال، شلّ حركته في هذا الشأن؛ المفترض فيه أن يتولى قيادته. الرئيس أوباما لا تنقصه الكاريزما. لكنه تهاون وارتخى أكثر من اللازم.

حتى بمقاييس اللعبة السياسية الأميركية وتوازناتها. كانت النتيجة أن الكونغرس، وحتى العديدين من حزبه الديمقراطي فيه؛ ذهب في مشاركته إلى حدّ شبه السطو على سياسته الخارجية. نجح في إحباط الكثير من توجهات الرئيس، من خلال استباقها بمواقف مضادة؛ أو من خلال وضع العصي في دواليبها وخلق عوائق إشكالات وإحراجات للرئيس وعلاقات إدارته مع بلدان خارجية.

«آخر منتج» كان القذيفة التي أطلقتها إحدى لجان مجلس النواب الأميركي باتجاه تركيا. وضمناً باتجاه رئيس الحكومة رجب طيب أردوغان؛ والتي يبدو أنها تصنيع إسرائيلي بامتياز.

يعرف الرئيس أوباما، لا شكّ، أن الدور الذي لعبه الكونغرس في مجال السياسة الخارجية طغى عليه، تاريخياً، الطابع السلبي والتخريبي. وخاصة مع مجيء الجمهوريين ورئاسة ريغان، أيام الحرب الباردة. وبصورة أخص، إزاء الصراع العربي ـ الإسرائيلي. بلغ التحكم أوجه آنذاك، في التعامل مع الأمم المتحدة. قطع الكونغرس عنها التمويل.

رفض تسديد ما يترتب على واشنطن من موازنتها، بزعم أنها تعادي الولايات المتحدة. في الواقع، كان يريدها أن تتحول إلى أداة لسياسة واشنطن؛ وأن تخرس انتقاداتها لإسرائيل. الاتفاقيات والمعاهدات الدولية، التي رفض الكونغرس التصديق عليها؛ عديدة.

من اتفاقية حظر التجارب النووية، إلى معاهدة منع استخدام الألغام الأرضية؛ مروراً باتفاقية إنشاء المحكمة الجنائية الدولية وبروتوكول كيوتو المناخي؛ وغيرها من الاتفاقيات. كلها جرى تجاهلها، بسبب رخاوة أو تماهي البيت الأبيض مع الكونغرس. على هذه الخلفية، جاءت رئاسة أوباما.

دخلت بتوجهات تغييرية، تتطلب درجة عالية من التشبث بوجاهتها. لكن الرئيس لجأ إلى المسايرة والمساومة. ووقع في التخبط والارتباك. شمّ الكونغرس، عرين النفوذ الإسرائيلي، رائحة ضعف. فكان أن جرى الانقضاض على طروحاته الواحدة تلو الأخرى.

من موضوع المستوطنات إلى قضايا المناخ وقمة كوبنهاغن؛ وانتهاء بسياسة مدّ اليد باتجاه العالمين العربي والإسلامي. والآن جاء دور تركيا. سياسة حكومتها تجاه إسرائيل وابتعادها غير المألوف، عن هذه الأخيرة؛ أزعج تل أبيب ومفاتيحها في الكونغرس الأميركي. الذروة كانت في توبيخ أردوغان لشيمون بيريز في دافوس، بخصوص مجزرة غزة. ثم جاء منع إسرائيل من المشاركة في مناورات أطلسية جوية، في تركيا.

تلاها تأنيب أنقرة للخارجية الإسرائيلية وإجبار حكومتها على تقديم اعتذار عن سوء معاملة السفير التركي في إسرائيل. سلسلة من اللطمات التركية للدولة العبرية.

من جهة أخرى حراك تركي صاعد ومرحب به في المنطقة. تحولات لا تطيقها إسرائيل. فجاء انتقامها عبر الكونغرس. وإلاّ ما الذي حمل إحدى لجان هذا الأخير على استحضار ملف مجزرة الأرمن، في هذا الوقت وبعد أن سعت حكومة أردوغان ونجحت في التوصل إلى اتفاقية سلام مع أرمينيا؛ في أكتوبر الماضي؟ الاستفزاز واضح، بقدر وضوح بصمات إسرائيل على هذا التصويت المفتعل. خاصة وأن القوى التي مرّرت القرار في اللجنة تزمع طرحه على عموم المجلس للتصويت عليه.

إدارة أوباما سارعت إلى القول بأنها ستعمل لعدم وصوله إلى مجلس النواب. موقف باهت. تساهل وتراجعات أوباما، جعلت إسرائيل تستأسد والكونغرس يستفرس. هو قادر، بصلاحياته ووزن موقعه، أن يضع حدّاً لهذا التفريغ لرئاسته. لحدّ الآن اختار ألا يقلب المعادلة. فرصة ضائعة.

فيكتور شلهوب