أجرت صحيفة «لايف مينت» الاقتصادية الهندية حوارا مع كيشور محبوباتي، عميد كلية لي كوان يي للسياسات العامة في الجامعة القومية بسنغافورة، كما أنه دبلوماسي سابق في الحكومة السنغافورية، ومن الخبراء المخضرمين في العلاقات الدولية، ومؤلف كتاب: «نصف الكرة الآسيوي الجديد: الانتقال الذي لا يقاوم إلى قوة عالمية».

وقد تحدث في اللقاء الذي جرى لدى زيارته للهند أخيراً، عن قضايا مختلفة شملت البروز الآسيوي، النمو الاقتصادي في اليابان، والحقيقة القائلة إن الهند والصين لا يمكنهما تقليص مسؤوليتهما بعد الآن لاستلهام وتعزيز إطار العمل المتعدد بينهما. وفيما يلي نص الحوار:

لقد أبرزت الأزمة العالمية بروز الصين كقوة عالمية، وارتقاؤها بصورة أكبر من السابق. ماذا يعني ذلك بالنسبة لتطلعات وطموحات الهند؟

الغريب أن اقتصاد الصين بقي سليما ولم يتأثر بالأزمة العالمية. وبالمناسبة لم يتأثر اقتصاد الهند بها كثيرا أيضا. وتظهر إنجازات الاقتصاديات الآسيوية في هذه الأزمة بأن المنافسة في إدارة الاقتصاديات ترجح، بطريقة ما، الكفة الآن لصالح الدول الآسيوية. وعلى النقيض من ذلك لو نظرنا إلى الدول الأعضاء في منظمة التنمية والتعاون الاقتصادي، فإننا نلاحظ أن معدل البطالة هناك مرتفع جدا، وتتراوح نسبته في بعض الحالات بين 15- 20%.

لذلك فمن الواضح أن هناك درجة عالية من سوء الإدارة. وحتى في الولايات المتحدة وصل الحد الأعلى لمعدل البطالة 10%، ويتساءل الكثيرون عن سبب حدوث ذلك. أعتقد أنه من المهم التأكيد على أننا في مرحلة مرنة جدا من التاريخ، فكل شيء يتغير، وبسرعة كبيرة. وأعتقد أن حتى الأميركيين والأوروبيين حائرون إلى حد كبير إزاء مدى سوء إدارتهم لاقتصادياتهم، ويعتقدون بأن عليهم إعادة النظر بصورة جوهرية بركائز سياساتهم الاقتصادية.

وماذا بشأن اليابان؟ ما تأثير الأزمة العالمية عليها؟

تعتبر الصين أكثر دول العالم اكتظاظا بالسكان، ولم يكن حصولها على أسرع الاقتصاديات نموا في العالم شيئا عارضا، بل هو نابع من بعض الإدارة الاقتصادية الخارقة. وبالنسبة لليابان، للأسف يبدو أن اليابانيين لم يتعلموا الدرس. لقد كان اقتصادهم من أفضل الاقتصاديات أداء، والأمر نفسه ينطبق على المجتمع الياباني، ولكن في وقت قريب جدا سيتفوق الاقتصاد الصيني عليه.

إذن هل أصبحت الصين أكثر القوى هيمنة في آسيا؟

لا أعتقد أنها أصبحت بعد أكبر قوة مهيمنة في آسيا. ولو قارنا الأمر بصورة شاملة، فإن الاقتصاد الصيني أصغر بكثير من الاقتصاد الأميركي. ولو قارنا ميزان القوى العسكرية في شرق آسيا، فإننا نلاحظ أن الولايات المتحدة ما تزال القوة المهيمنة في العالم، وأعتقد أن الصينيين يدركون أيضا أنهم في مسار نمو قوي، لكنهم لم يصلوا إلى هدفهم النهائي بعد. غير أن الأمر المهم هو أن الناس لا يتخذون القرارات على أساس الحالة الحقيقية للمنافسة الجارية في هذه الأيام. نحن نراهن على الحالة التي سيبدو فيها العالم بعد 5 سنوات من الآن، والجميع يراهن على أن الصين ستصبح قوة أكبر مما عليه الآن.

كيف ستبدو معالم الخريطة الجيوسياسية الجديدة في آسيا؟

الأنباء السيئة المتعلقة بهذه المنطقة هي أن الذي يدور فيها ليس التنافس الاقتصادي فحسب، ولكن أيضا التنافس الجيوسياسي. وفي الكتاب الذي ألفته أخيراً، عقدت مقارنة بين اتحاد دول جنوب شرق آسيا (آسيان).

والاتحاد الأوروبي، وذلك لأن منظمة «آسيان» تعد من أنجح المنظمات الإقليمية في العالم. ويبلغ الناتج القومي الإجمالي في الاتحاد الأوروبي نحو 17 تريليون دولار، أما الناتج القومي الإجمالي في «آسيان» فيبلغ نحو 1 تريليون دولار. لذلك فإن الاتحاد الأوروبي يعتبر قوة كبرى بينما «آسيان» قوة صغرى.

أما في المفهوم الجيوسياسي فإن «آسيان» تعتبر قوة كبرى من الناحية الدبلوماسية، والاتحاد الأوروبي قوة صغرى. فعلى الرغم من أن الاتحاد الأوروبي يدير سياساته الداخلية ضمن حدوده الجغرافية بصورة جيدة، غير أنه عاجز عن معالجة أية مشكلة خارجية، سواء في إفريقيا، أو الشرق الأوسط، أو البلقان، أو روسيا.

وعلى النقيض من ذلك توجد القوى الصاعدة بأكملها في آسيا. وإذا رغبنا بجمع كل تلك القوى في منصة واحدة، وفي إطار تعاوني جديد، فإن كل هذا المجهود لا يتحقق إلا بواسطة منظمة «آسيان» لأنها ضعيفة اقتصاديا، وبالتالي لا تشكل تهديدا لأية قوة عظمى.

ترجمة ـ عمر حرزالله