كانت مصر تتحسب أن حاجتها للمياه الإضافية قد تسبق حاجة السودان، إلا أن الذي حدث هو النقيض، خاصة عندما اتجه السودان إلى تنفيذ مشروعه الطامح: السودان سلة غذاء العالمين العربي والإفريقي.
لذلك، أخطرت حكومة السودان الحكومة المصرية بتلك الرغبة إلا أن وزارة الري المصرية لم تَرَ مبرراً لعجلة السودان في المشروع، خاصة عندما طالب المهندس يحي بأن يتولى الطرفان تكلفة حفر القناة، أي أن تسهم مصر بنصف التكلفة حسبما ورد في الاتفاقية.
وفي ذات يوم فاجأت يحيى بصورة من رسالة بعثت بها إلى وزير الخارجية المصري فجاءني مهرولاً ليقول: «لماذا فعلت هذا؟» قلت له: «لأساعدك مع وزير الري المصري لكيما تحفر القنال» قال كيف؟ قلت له: «معاندة وزير الري المصري لا منطق فيها. ونحن في حاجة إلى الماء. فإن لم تحفر القناة فلا سبيل لتنفيذ برنامجنا الزراعي الطموح إلا باسترداد السلفة المائية».
الرسالة التي بعثت بها لوزير الخارجية كانت تتعلق بالملحق (1) من الاتفاقية والذي جاء فيه: «توافق جمهورية السودان على مبدأ منح الجمهورية العربية المتحدة سلفة مائية من نصيب السودان في مياه السد العالي يمكن أن تواجه بها ضرورة المضي في برامجها المقررة للتوسع الزراعي. ويكون طلب الجمهورية العربية لهذه السلفة بعد أن تراجع برامجها خلال خمس سنوات من تاريخ توقيع هذا الاتفاق».
فإذا استقرت المراجعة على استمرار احتياجها إلى السلفة فإن جمهورية السودان تمنحها سلفة لا تزيد عن مليار ونصف من نصيبها بحيث ينتهي استخدام هذه السلفة في نوفمبر 1977».
المياه ليست نفوذا
وفي تلك الرسالة أحطت الوزير المصري علماً بأن أوان سداد هذه السلفة سيحين بعد عامين ولهذا نود أن نعرف ما هي الإجراءات التي ستتخذها حكومة مصر لسداد دينها المائي. كنا، بالطبع، ندرك جيداً أن الذي أقر تلك السُلفة المائية: اللواء طلعت فريد رئيس الوفد السوداني في المفاوضات، وأن الذي اقترحها:
زكريا محي الدين رئيس الوفد المصري كانا يعرفان جيداً أن لا سبيل لاسترداد تلك السلفة. فالمياه ليست نقوداً تسترد، أو ديناً ذا أجل، يستعيده الدائن عندما يحين أجله.
ومن حسن الحظ أن كان من بين صناع القرار في مصر من يعرف السودان وأهله، ويكن لهم وداً بلا حدود، ذلكم هو الجغرافي العالم عبد العزيز كامل. ومن موقعه كنائب لرئيس الوزراء لعب كامل دوراً حاسماً في إقناع رجال الري المصري، ليس فقط بالتزام مصر الأخلاقي، وإنما أيضاً بحاجة السودان للمياه. ففي الاجتماع المشترك للتفاوض حول اتفاق التكامل بين البلدين قدم يحيى وثائقه وأدلته فما كان من الوزير عثمان بدران وزير الزراعة والري في مصر، عليه رحمة الله، إلا أن قال:
«أنا موافق ولكن لابد من دراسة جدوى». هنا انتفض كامل ليقول: «دراسة ايه يا عثمان، مشروع القناة شبع درس من نهاية الحرب العالمية الأولى». كان كامل، وهو الجغرافي العالم، يشير دون شك إلى الدراسات التي قام بها الخبراء البريطانيون في وزارة الري المصرية في عشرينيات القرن الماضي.
تنفيذ المشروع ما كان ليبدأ قبل معالجة مشكلة كبري هي كيف يتم حفر القناة. فلو قدر لحفر القنال أن يتم بالوسائل التقليدية، حتى في حجمها الصغير يومذاك الذي لم يتجاوز مائتين وثمانين (280) كيلو متراً، لأستغرق الحفر عشرين (20) عاماً.
كل هذه التقديرات المحبطة سقطت عند العثور على حفارة كبرى (Bucketwhell) أثبتت فاعليتها في الباكستان في الحفر السريع لقناة شاسا ? جيلهوم التي ربطت بين نهر الهند (Indus) ونهر جيلهوم في باكستان.
الهدف من المشروع، كما سلفت الإشارة، هو توفير موارد مائية إضافية (أربعة مليار متر مكعب) لاقتسامها بين السودان ومصر. وعند بدء العمل في المشروع أثيرت حوله ضجة كبرى يحق لك، أيها القارئ، أن تسأل: «وهذي الضجة الكبرى على ما؟» للضجة مسببات موضوعية، كما كانت بعض دواعيها مفتعلة.
الأسباب الموضوعية هي المخاوف من تأثير القناة على الأوضاع البيئية في المنطقة (تجفيف الأراضي التي توفر الكلأ للرعاة)، وعلى الأوضاع الاجتماعية (حمل الرعاة على الانتقال لمواقع أخرى).
أما المفتعل فهي الشائعات الزائفة التي انتشرت حول ترحيل الآلاف من الفلاحين المصريين للمنطقة والتي كان من ورائها سياسيون مناهضون لحكومة ابيل ألير عقدوا العزم على تخذيل حكومته. هذه المخاوف المتوهمة مازالت راسخة عند البعض، وما زال هناك من يستعيدها إلى الذاكرة لهدف في نفسه.
دكتوراة جون قرنق
نفهم جيداً أن يكون سياسيو الجنوب الذين أطلقوا تلك الشائعات على جهل بكل ما كتب حول القناة منذ عشرينات القرن الماضي، ولكن من الغريب أن لا يكونوا قد اطلعوا على، أو نمى إلى علمهم، البحث الذي حصل به د. جون قرنق على الدكتوراة وموضوعه الآثار الاجتماعية والاقتصادية للقناة.
ذلك البحث أكد أهمية القناة لاقتصاد الجنوب والشمال معاً، كما أبرز المخاطر البيئية والاجتماعية التي ستترتب على حفرها، وكيفية درء هذه المخاطر.
لهذا لم يكن غريباً أن يناشد قائد الحركة الراحل، الرئيس المصري حسني مبارك في أول لقاء بينهما في أديس أبابا ليبتعث مهندساً مصرياً لصيانة الحفارة الضخمة (Bucket wheel) التي كانت وقتها تحت سيطرة الجيش الشعبي. نفس الطلب كرره قرنق على المهندسين السودانيين الذين وفدوا للقائه في كوكا دام ضمن وفد التجمع النقابي.
الحاجة لا تزال ماسة لتلك المياه، لاسيما بعد أن أضحى السودان واحداً من المناطق الرئيسة لسد الفجوة في النقص العالمي في الغذاء. ففي الاجتماع قبل الأخير (2007) لقمة منظمة الأمم المتحدة للزراعة والأغذية سُميت دول أربع كمناطق تتوفر فيها الفرص لسد الفجوة الغذائية في العالم: أستراليا، كندا، الأرجنتين، السودان.
ولا شك في أن مليارين من الأمتار المكعبة من مياه النيل يمكن أن تلعب دوراً كبيراً في تطوير التنمية الزراعية في كل السودان، بما في ذلك الجنوب.
رحم الله الراحل جون قرنق الذي كان يطمح دوماً إلى الذرى، ولا معنى للسياسة التي لا تصاحبها آمال كبار تتجاوز الوصول إلى سدة الحكم. كان يقول لنا في زمان ظن أن مشاكل جنوب السودان في طريقها إلى الحل بعد اتفاقية السلام الشامل: «بعد أعوام سينسى الناس مشكلة الجنوب.
ولهذا فمن الخير لنا أن نفكر منذ الآن في أن يصحب حفر قناة جونقلي حفر قناة أخرى تتجه من النيل الأبيض عبر حفافي جبال النوبة إلى غرب السودان»، فتلك هي نقطة وميض النار المقبلة (falsh point The next).
مهما يكن من أمر، فإن قضية مياه النيل لم تعد قضية تعني السودان ومصر وحدهما كما كان الحال في اتفاقية مياه النيل لعام 1959 والتي تم الاتفاق عليها قبل صدور أحكام هلسنكي حول استخدام مياه الأنهار الدولية 1967م (أصدرها اتحاد القانون الدولي في دورته الثانية والخمسين). تلزم تلك الأحكام الدول النهرية بأن تأخذ في الاعتبار مصالح الدول النهرية الأخرى عند استخدامها لمياه النهر أو إقامة أي منشآت فيه تؤثر على مصالح دول الحوض.
وعلى كل، بصرف النظر عن الاتفاقية الأممية 21 مايو 1997 فإن مياه النيل أضحت موضوعاً تُعني به دول الحوض كلها في أطار المشروع الذي يعرف بمبادرة حوض النيل. تضم تلك المبادرة بوروندي، جمهورية الكونغو الديمقراطية، مصر، إثيوبيا، كينيا، رواندا، السودان، أوغندا وتنزانيا.
في إطار هذه المبادرة تتم معالجة جميع المسائل المتعلقة بتنمية الموارد المائية، ودعاوى الدول النيلية حول حقوقها في المياه، والمحافظة البيولوجية والبيئية على الحوض، وتوفير الاحتياجات الزراعية للدول المشاطئة بما في ذلك دول المنبع التي لم تحصل في الماضي على أي نصيب من مياه النيل.
في إطار المبادرة تمت انجازات هامة مثل تدريب الكوادر، رصد مليار دولار لمشروعات في دول حوض النيل الشرقي (السودان، مصر، أثيوبيا) وحوض النيل الجنوبي، وضع تصور لقيام مفوضية لحوض النيل على غرار المفوضيات التي تشرف على نهر الميكونق (تضم تايلاند، لاوس، كمبوديا، فيتنام) أو نهر الدانوب (تأسست عام 1998م وتضم أربع عشرة دولة).
وعلى ضوء كل ذلك، أضحت قضية مياه النيل موضوعاً يخضع للتفاكر بين كل الأطراف ولا يقرر في أمره طرفان. وبدون شك فإن جنوب السودان - إذا انفصل عن الشمال - سيكون جزءاً من مبادرة حوض النيل إذ تعبره روافد مهمة منها ما ينبع في أوغندا (بحر الجبل)، أو إثيوبيا (نهر السوباط)، كما يضم عدداً من الأنهار والبحيرات التي تغذى النيل.
حقوق الرعي
كثيراً ما يرد الحديث بقلق وتوتر عن حقوق الرعي المشروعة لقبائل الرحل الشمالية. وهذا ما ينبغي أن لا يكون. فحتى في سني الحرب ظلت الحركة الشعبية تضمن حقوق الرعي التقليدية في جنوب السودان لهذه القبائل.
وإن كان ذلك الحراك السلمي قد أُحبط في بعض الأحيان، فمرد ذلك أن بعضاً من تلك القبائل وجدت نفسها في أتون حرب لم تشنها ابتداء، ولم تَجنِ فائدة منها في النهاية. إزاء هذا، لا يتوقع المرء أن السياسات التي اعتمدتها الحركة إبان الحرب ستبطل في وقت السلم، حتى وإن رغب في ذلك الغلاة الذين يدعون لقطع الحبل السري بين الجنوب والشمال.
ولعل في بروتوكول أبيي ما يطمئن المتخوفين إذ صُدِّر ذلك البروتوكول بمبادئ عامة أولها « يحتفظ المسيرية والأشخاص الآخرون بحقهم التقليدي لرعي الماشية وتحرك الأفراد عبر إقليم أبيى».
إلى ذلك نضيف أن رئيس حكومة جنوب السودان لم يدع فرصة أتيحت له إلا ودعا فيها للتفاعل السلمي بين الرُحَّل في الحدود بين الشمال والجنوب، ولاحترام حقوق الرعي التقليدية. وفي زيارته الأخيرة لجنوب كردفان (7 يوليو 2009م) لم يدع في الأمر زيادة لمستزيد أو متزيد.
من جانب آخر، من الضروري أن لا نرتهن أنفسنا للنظرة المحلية الضيقة في مثل هذه القضايا. فقضايا الرعاة عابري الحدود، مثلها مثل مياه النيل، لم تعد أمراً ثنائياً. فالاتحاد الإفريقي، مثلاً، وعياً منه بمشاكل الرعي العابر للدول، يعمل الآن على وضع إطار لسياسة الرعي عبر إفريقيا بغرض ضمان الحقوق التقليدية.
ومعالجة جذور ديناميكيات الصراع فيما بين الرعاة، من ناحية، وبينهم وبين الدول من ناحية أخرى. وفي يوليو عام 2007م اجتمعت خمسة عشرة (15) دولة إفريقية في ايسولو (كينيا) للاتفاق على إطار قاري للسياسة الرعوية. بالمقابل أسست منظمة الإيقاد آلية للإنذار المبكر تعين على الاستجابة السريعة للصراعات عبر الحدود الرعوية.
لهذا، يجدر بحكومتي الجنوب والشمال الاستفادة من هذه الآليات في معالجة المشاكل المزمنة حول الرعي، رغم أن المرء لا يتوقع نزاعاً على حدود الشمال والجنوب ليس فقط بحكم التساكن بين هذه القبائل، بل أيضاً بسبب من التمازج والتزاوج والمصالح الاقتصادية المشتركة. ففي كل الحالات التي وقع فيها خلاف، كان للسياسة، دور كبير في إثارة أو تأجيج النزاع.
جيش السودان
أرست اتفاقية السلام الشامل القواعد التي تحكم إنشاء جيش جديد للسودان في حالة بقائه موحداً. كما أوردت المادة 20/2 من الترتيبات الأمنية ما ينبغي عمله في حالة انفصال الجنوب من الشمال(تسريح الوحدات المدمجة المشتركة وعودة كل مكون منها إلى الجيش الأم بغية إفساح الطريق لإنشاء قوات مسلحة منفصلة لكل من الدولتين).
ومن المُؤسي أن يكون موضوع جيش المستقبل في حالة اختيار الجنوبيين للوحدة، أشد تعقيداً. سبقت الإشارة إلى أن طرفي الاتفاقية قد قررا أن تكون الوحدات المشتركة/المدمجة نواة لجيش السودان المتحد. وكان من المفترض، تبعاً لهذا الاتفاق، أن تكون تلك الوحدات قد أهلت لهذه المهمة إعداداً، وتدريباً.
وتسليحاً وفق عقيدة عسكرية (military doctrine) جديدة متفق عليها. هذا أمر لم يتحقق بعد، ولما يتبقَ للاستفتاء غير أربعة عشر شهراً (أي ستة اشهر قبل انتهاء الفترة الانتقالية). ولئن تذكرنا أن أكثر من عانى من ويلات الحرب في العقدين الماضيين من الزمان هما الجيشان، ولئن استحضرنا ما صاحبت تلك «الويلات» من مرارات.
ولئن أخذنا في الاعتبار الشكوك التي انتابت الجيش الشعبي بسبب التلكؤ في إعداد الوحدات المشتركة لكيما تصبح نواة لجيش السودان في حالة إقرار الوحدة، لا مناص لنا من الخلوص إلى أن العلاقة بين الجيشين المنفصلين ستكون علاقة متوترة. ذلك يرمي بنا إلى السؤال اللينيني الخالد، ما العمل؟
واجب الدولتين الناشئتين، فيما نرى، هو تطوير قاعدة جديدة للتعايش السلمي والتعاون الخلاق بينهما، آخذين في الاعتبار تاريخ عدم الثقة بين الجيشين، والشكوك المتبادلة حول نوايا الدولتين، وأخطر من ذلك المحاولات، أو ما يتظناه الجنوبيون محاولات، لزعزعة الحكم في الجنوب بصورة مباشرة (إذكاء نيران الفتنة بين القبائل)، أو غير مباشرة (اصطناع الأحزاب والجماعات من المنشقين على الحركة). وفي السياسة كثيراً ما تلعب الظنون والأوهام دوراً أكبر بكثير مما تلعبه الحقائق.
تعزيز الثقة
في الماضي كان الأسلوب المتبع لطمأنة الدول وإزالة المخاوف هو اتفاقيات عدم الاعتداء (ألمانيا/ بولندا، الاتحاد السوفييتي/ اليابان). هذا النمط من الضمانات أضحى تحصيل حاصل في ظل ميثاق الأمم المتحدة والمواثيق الإقليمية التي تنص على التعايش السلمي والتعاون بين الدول الأعضاء. لهذا قد يكون من الأنسب الاستفادة من نماذج أخرى أفلحت في تحقيق قدر من الثقة بين الدول التي استبدت بها الظنون حول نوايا بعضها البعض.
مثال ذلك اتفاق هلسنكي (Final Act of Helesinki, 1975) وهو الاتفاق الذي جمع بين روسيا ودول شرق أوروبا، من جهة، ودول غرب أوروبا إلى جانب الولايات المتحدة كندا، تركيا، من جهة أخرى لوضع إطار للتعاون السلمي والالتزام من جانب الدول الموقعة عليه بعدم الاعتداء على بعضها البعض.
ذلك الاتفاق تم في فترة خفتت فيها طبول الحرب الباردة، واستحالت فيها العلاقات بين المعسكرين من التوتر إلى البحث عن أرضية مشتركة للوئام. لهذا السبب تعاهدت الدول الموقعة على اتفاق هيلسنكي على خلق إطار للتعاون هو مؤتمر الأمن والتعاون في أوروبا (Conference for Security and Cooperation in Europe - ESCE).
ذلك الاتفاق أرسى القواعد التي يتم على ضوئها التعاون، إلا وهي: الاعتراف المتبادل بسيادة كل دولة، الامتناع عن استخدام القوة أو التهديد باستخدامها، احترام سلامة أراضي الدول الأعضاء، الحل السلمي للنزاعات بين الدول الموقعة، عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، احترام الحقوق الأساسية للإنسان، الالتزام بالاتفاقيات الدولية بحسن نية (In good faith).
التكامل الاقتصادي
السودان، كما سبقت الإشارة، عضو في منظومة الكوميسا التي توفر إطاراً للتعاون الاقتصادي المشترك بين كل دول شرق وجنوب إفريقيا. وسيصبح الجنوب ـ إن انفصل - هو العضو العشرين فيها. تلك العضوية لن تحول دون قيام منظومة للتعاون والتكامل الاقتصادي الثنائي بين دولتي السودان إن أرادتا ذلك، لا سيما وللعلاقة بين البلدين طابع ومزاج خاص، كان بينهما تداخل وتشابك في الكثير من المجالات، لم تفلح الحروب، على شدتها وحدتها، في إيهانها أو ذبولها.
فعضوية الكوميسا لم تمنع، مثلاً، دول شرق إفريقيا (تنزانيا، كينيا، أوغندا، بورندي، رواندا) من أن تنشئ مجموعتها الاقتصادية الخاصة: مجموعة شرق إفريقيا (East African Community - ECA). هذه المجموعة، في اهابها الجديد، هي النموذج الأقرب والأجدر بأن يحتذى في الحالة السودانية.
ويعود تاريخ مجموعة شرق إفريقيا إلى عام 1976م، عندما كانت عضويتها تقتصر على ثلاث دول هي كينيا، تنزانيا، أوغندا. ورغم تحقيق تلك المجموعة لقدر من النجاح معقول في السنوات الثلاث الأولى من عمرها، إلا أنها إنهارت تماماً في عام 1977م.
ويعود الانهيار، إلى جانب الاختلاف في الرؤى بين الرؤساء (كينيا وتنزانيا)، إلى استخدام كينيا ليد غليظة مع الدولتين الأخريين ومطالبتها أن تكون لها سلطات أوسع. وبعد ثلاث وعشرين عاماً (عام 2000) أعيد تكوين المجموعة من جديد بمبادرة من الرئيس موسيفيني بعد ضم عضوين جديدين لها: بوروندي، رواندا.
التكامل الاقتصادي
وتكاد تلك المجموعة تكون هي الأقرب اليوم لتحقيق التكامل الاقتصادي التام من مجموعات أخرى تتضمن أخاً أكبر يخشى الآخرون هيمنته: نيجيريا في المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا (ECWAS)، أو جنوب إفريقيا في حالة مجموعة الجنوب الإفريقي (SADEC).
وأنشئت حول مجموعة شرق إفريقيا، في شكلها الجديد، مؤسسات وزارية تنفيذية، وهيئة تشريعية (كلاهما في اروشا ? تنزانيا)، واجتماعات رئاسية دورية، إلى جانب قيام أجهزة أمنية مشتركة تعنى بوجه خاص بقضايا التجارة في الأشخاص والمخدرات، الإرهاب، تجارة السلاح.
ومن الناحية الاقتصادية، أصبح للمجموعة اتحاد جمركي، رغم فرضها لضرائب مقدرة على الصادرات الكينية لدول المجموعة الأخرى نسبة لأن كينيا أكثر تطوراً في الصناعة.
هناك أيضاً تجربة أخرى خارج النطاق الإفريقي إلا أنها تمثل نموذجاً حياً للتعايش السلمي بين الدول، والتزام مبادئ حسن الجوار، والتكامل الاقتصادي، تلك هي تجربة دول البينولوكس (Benelux): هولندا، بلجيكا، دوقية لوكسمبرغ.
فاتفاقية التعاون بين هذه الدول الثلاث تتضمن حرية الانتقال لعوامل الإنتاج: الأشخاص، السلع، رأس المال، تنسيق السياسات الاقتصادية، حرية المتاجرة والاستثمار، الحماية القانونية لحقوق الأشخاص الطبيعيين والمعنويين. ولضمان تنفيذ الاتفاقية تم إنشاء لجان ثلاث: وزارية، برلمانية واستشارية.
كما أنشأت كلية من المحكمين لفض النزاعات التي قد تطرأ بين الأفراد والدول، أو بين دولة ودولة. فالتعاون أو التكامل الاقتصادي الخلاق هو أكثر ما تحتاجه الدولتان، وفي سبيل تحقيقه لن نسلك سكة لم تطرق من قبل.
قناة جونقلي
كثيراً ما يرتبط الحديث عن استغلال مياه النيل في الجنوب بقناة جونقلي، وجونقلي هي منطقة السدود الممتدة من تلك المدينة/القرية إلى ملتقى نهري السوباط والنيل الأبيض.
وبسبب تكاثف هذه السدود وما يقود إليه من تبخر للمياه التي تعبرها يفقد النيل الأبيض نصف مياهه. وتعود الدراسات حول تغيير مسار النهر لإنقاذ المياه من التبخر وإيقاف الهدر المائي إلى ثلاثينات القرن الماضي، إلا أن الحديث الجاد بشأنها من جانب حكومتي مصر والسودان تم في منتصف سبعينات القرن الماضي في إطار التفاوض بين البلدين للوصول إلى اتفاقية التكامل الاقتصادي.
وكان لنا شرف التوقيع على تلك الاتفاقية نيابة عن السودان الذي ضم وفده إبراهيم منعم منصور، عمر الحاج موسى، بشير عبادي، ويحيى عبدالمجيد. كما ضم الوفد المصري، رئيس الوزراء عبد العزيز حجازي، نائبه العالم الراحل عبدالعزيز كامل، وزير الخارجية إسماعيل فهمي، وزير الزراعة عثمان بدران، ومستشار الرئيس المصري أسامة الباز. ولعلني أخص بالذكر من بين تلك العصبة النابهة من ذوي الدراية في الوفد السوداني المهندس يحيى عبدالمجيد.
نخصه بالذكر لإسهاماته الدولية في مجال المياه، ولدوره المركزي في الوصول إلى اتفاق حول إنشاء قناة جونقلي. المهندس يحيى رجل لا يُضاهى كمال فضله في الخلق، غير كمال براعته في المهنة، صححه الله وعافاه.
مشروع القناة أخرجناه من الأضابير لحاجة السودان للمياه في وقت كنا نتمنى أن نجعل فيه من السودان سلة غذاء العالمين العربي والإفريقي. وتنص اتفاقية مياه النيل (1959م) في الفقرة (1) من الباب الثالث:
مشروعات استغلال المياه الضائعة في حوض النيل على أن «تتولى جمهورية السودان بالاتفاق مع الجمهورية العربية المتحدة إنشاء مشروعات زيادة إيراد النيل بمنع الضائع من مياه حوض النيل في مستنقعات بحر الجبل وبحر الزراف وبحر الغزال وفروعه ونهر السوباط وفروعه وحوض النيل الأبيض.
ويكون صافي فائدة هذه المشروعات من نصيب الجمهوريتين بحيث توزع بينهما مناصفة ويساهم كل منهما في جملة التكاليف بهذه النسبة أيضاً». كما أوردت الفقرة (2) أنه في حالة حوجة مصر للبدء في تلك المشروعات لمجابهة برامجها للتوسع الزراعي تخطر حكومتها حكومة السودان برغبتها في البدء في ذلك المشروع على نفقتها الخاصة إن لم يكن السودان في حاجة وقتها لمياه إضافية، وبعد سنتين من الإخطار تبدأ في التنفيذ.
وعندما يتهيأ السودان لاستغلال نصيبه من هذه المياه الإضافية يرد لمصر نسبة من جملة التكاليف تتفق مع النسبة التي حصلت عليها من صافي فائدة المشروع على أن لا تتجاوز حصة أي من البلدين نصف الفائدة الكاملة للمشروع».
