امتاز العراق ومنذ سالف العهود، بتعدد أطيافه القومية والدينية والمذهبية والعرقية، وضمن اعتبارات تاريخية وجغرافية عرف بها العراق القديم والحديث.
فقد عاشت في العراق أقليات مختلفة جنبا الى جنب عبر عصور طويلة، وهي تنعم بالأمن والطمأنينة والوئام والتفاهم، وعلى قدر كبير من تبادل الاحترام والتعاون والمحبة والمصاهرة، ولم تعرف في يوم من الأيام صراعات اجتماعية أو حروبا طائفية أو مذهبية، قبل الاحتلال الأنجلو ـ أميركي.
كما أنها تزخر بإنجازاتها الحضارية ومهاراتها الخلاقة، وإبداعاتها لكل ما يساير ركب الحضارة الإنسانية، وصبه في بوتقة الوطن الأم (العراق)، وهي بعناصرها المتمازجة والمتنوعة، عنصر قوة وإثراء للمجتمع العراقي.
في الحلقتين السابقتين تناولنا الأقلية الكردية في العراق، من حيث الجذور التاريخية والواقع الراهن، ثم استعرضنا بعض أهم الأقليات الأخرى المؤثرة في تاريخ العراق وحاضره.
أما في هذا الجزء الثالث والأخير من الدراسة، فنتناول الصابئة المندائية، ثم تأثيرات الاحتلال على واقع الأقليات، وعلى النسيج الاجتماعي والوطني للشعب العراقي بشكل عام..
الصابئة المندائيون
تعتبر الصابئة المندائية من الأقليات الدينية المعروفة في العراق، ويرى الكثير من الباحثين أن الصابئة المندائيين هم شعب آرامي عراقي قديم، لغته هي اللغة الآرامية الشرقية المتأثرة بالأكادية. ويعد الباحثون المندائية من أقدم الديانات الموحدة التي كانت منتشرة في بلاد الرافدين، قبل الديانة المسيحية بأكثر من 2000 عام.
والصابئة قوم يؤمنون بالله واليوم الآخر، ويؤمنون بأبو البشر آدم عليه السلام، ويعتبرونه نبيا، كما يؤمنون بشيث بن آدم، وسام بن نوح، ويحيى بن زكريا، كما هو مذكور في كتابهم المقدس «كنزاربا.
وقال عنهم ياقوت الحموي إنهم «ملة يصل عمقها إلى شيث بن آدم عليه السلام»، ويرجع ابن الوردي تاريخهم إلى النبي شيث أيضا والنبي هرمس. ويقول الفرحاني إن الصابئة أصحاب ديانة قديمة، ولعلها أقدم ديانة موحدة عرفتها البشرية.
وانقسم الباحثون في القرن الماضي حول أصل الصابئة المندائية إلى قسمين، القسم الأول يرجع الأصل الشرقي للمندائين إلى «بلاد وادي الرافدين»، والقسم الثاني يرجعهم إلى الأصل الغربي (فلسطين)، ويبقى الأصل الشرقي للمندائية هو الرأي الأكثر قبولا من قبل الباحثين.
وتاريخ الصابئة المندائية يلفه الكثير من الغموض في أغلب جوانبه، حسب الكثير من الباحثين في المجال المندائي، ويرجع ذلك إلى انزوائهم وانغلاقهم الديني الشديد ومنذ فترات طويلة، بسبب الاضطهاد الكبير الذي تعرضوا له على فترات متعاقبة، فآثروا الانغلاق والانزواء للمحافظة على دينهم وتراثهم، فضلا عن ضياع وحرق الكثير من الكتب التي تتحدث عن تاريخهم.
وجاءت تسمية الصابئة من ما يسمى «مصبتا» باللغة المندائية، ويعد الطقس عماد الديانة المندائية وركنها الأساسي، وهو فرض واجب على الإنسان ليكون مندائيا. والتعميد لديهم يجري في المياه الجارية الحية وجوبا، لأنه يرمز إلى الحياة والنور الرباني، وطقس التعميد المندائي محتفظ لحد الآن بطقوسه الدينية القديمة.
ويسميهم العراقيون بالعامية «الصبه»، ويعيشون على ضفاف الأنهار وخاصة نهر دجلة، لما للماء والطهارة من أهمية في حياتهم الدينية والروحية، وهم يتواجدون الآن في محافظة بغداد وبقية المحافظات العراقية في الوسط والجنوب، مثل العمارة والناصرية والبصرة والكوت والديوانية وديالى.
اشتهر الصابئة المندائيون منذ القدم بالنتاجات الأدبية والعلمية الرائعة، وبرع الكثير منهم مثل العلامة العراقي المرحوم الدكتور عبد الجبار عبدالله، صاحب الانجازات العلمية العالمية في علم الفيزياء والأنواء الجوية، وساهم في شرح نظرية اينتشتاين النسبية.
وقد أسند إليه منصب رئيس المجمع العلمي لعلوم الأنواء الجوية في الولايات المتحدة، كما أنه كان المؤسس لجامعة بغداد ورئيسا لها في فترة ما، ومساهما في تأسيس جامعة البصرة. وكذلك الكاتب العراقي المعروف عزيز سباهي، والفنان التشكيلي يحيى الشيخ، والشاعرة لميعة عباس عمارة، والشاعر عبد الرزاق عبد الواحد وغيرهم.
وللصابئة مهنة يعشقونها وكأنها سارية في عروقهم، وهي مهنة صياغة الذهب والفضة والحلي، والنقش على الفضة بمادة المينا التي هي من إبداعاتهم، وقد توارثوها عبر العصور وبرعوا فيها، وما زالت أسواقهم ومحلاتهم في شارع النهر وخان الشابندر في بغداد، وفي جميع المحافظات العراقية. وهم الآن منتشرون بمحلاتهم في استراليا وأوروبا وأميركا وكندا، نتيجة للظروف الاستثنائية التي يعيشها العراق.
تهجير التركمان
وتمثلت الأقلية التركمانية في مجلس الحكم الانتقالي الذي شكله بول بريمر في يوليو عام 2003، بعضوية صن جول جابوك، وعد التركمان هذا التمثيل غير كافٍ بالنسبة لتعدادهم السكاني.
وهم على احتكاك مباشر مع الأكراد، وفي اصطدامات متواصلة بين التركمان والعرب من جهة والأكراد من جهة أخرى وضمن إطار الصراع الدائر حول مدينة كركوك الغنية بالنفط.
وقد سقط العديد من الضحايا من كلا الجانبين خلال الاشتباكات والاحتكاكات المتواصلة بينهما، مما أثار حفيظة الحكومة التركية والجبهة التركمانية العراقية، بسبب ما يعتبرونه ممارسات عنصرية كردية ضد التركمان الذين يعيشون في المناطق التي يدير شؤونها الأكراد، ومحاولاتهم لتغيير ديمغرافية محافظة كركوك نتيجة زيادة حجم التدفق الكردي، وهيمنة الأكراد على مجلس المحافظة.
وقد شكا ممثلو الجماعة التركمانية إلى مكتب حقوق الإنسان في 11 نوفمبر 2009، من أن الجماعات التركمانية هم ضحايا اعتقالات تعسفية كردية طالتهم بادعاء أنهم إرهابيون، وفي كثير من الحالات يعذب المعتقلون ولا يعرف مكان وجودهم.
أما باقي الأقليات الأخرى فهي أقليات صغيرة تقوم على أساس ديني وليس عرقي، وقد تمتعت بحرية العبادة وممارسة الشعائر الدينية الخاصة بها في ظل النظام السابق.
وبعد الغزو الانجلو ـ أميركي للعراق تعرضت تلك الأقليات إلى الاضطهاد والقتل والتعذيب والتشرد والهجرة، وهذا ما أشارت له منظمة هيومان رايتس للدفاع عن حقوق الإنسان عام 2009، فقد ذكرت أن أبناء الأقليات في العراق هم ضحايا الصراع الدائر بين العرب والأكراد للسيطرة على المدن الرئيسية كالموصل وكركوك، واتباع السلطات الكردية أساليب الاحتجاز والاعتقال العشوائية والترهيب، التي توجه ضد كل من يناهض خطط التوسع الكردية.
اضطهاد المسيحيين
أما الأقلية المسيحية فإن ما تعرضت له من اضطهاد قسري وخطف وقتل وتعذيب، وتدمير لكنائسها واغتيال لقساوستها، واستيلاء على ممتلكاتها، جعلها في حالة هجرة مستمرة إلى الغرب.
والكثيرون منهم باتوا لا يريدون الاستقرار في عراق يعمه العنف والقتل والإرهاب، فهرب ما يزيد على 120 ألف مسيحي من العراق، ونحو 10 آلاف منهم يودون الاستقرار في الولايات المتحدة مستندين إلى أقارب لهم هناك.
ولم يقتصر الأمر على المسيحيين، وإنما تعداهم إلى الصابئة المندائيين الذين اضطروا إلى مغادرة العراق بسبب تعرضهم لأعمال القتل والاختطاف، وهذا ما أكدته النائبة في البرلمان العراقي ميسون الدملوجي، إذ تذكر أن عدد أبناء الطائفة قد انخفض من 65 ألفا عام 2003 إلى حوالي 35 ألفا عام 2009، فضلا عن أنها التقت بعدد من أبناء الطائفة في الأردن.
وقد أكدوا لها أنهم لا يودون العودة إلى العراق ما لم يتغير وضعه السياسي، كما أنهم يعدون التعايش في ظل غياب سلطة القانون والدولة، قد أصبح مستحيلا في ظل تراجع مبدأ المواطنة الصالحة، وسيادة دولة الطوائف والعنصرية، وعدهم كفارا مارقين من بعض الجهات الدينية المتنفذة.
تفكيك متعمد
إن هذه الأقليات لم تحصل على مواقع سياسية محددة في السلطة التي جاءت بعد الاحتلال، وخاصة في مجلس الحكم والبرلمانات العراقية والوزارات الحالية، مما أثار حفيظة الأقليات لتهميشها وعدم إعطائها حقوقها السياسية.
وهذا ما دعا الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة ستيفان دي مستورا، إلى تقديم اقتراح بتخصيص ثلاثة مقاعد للمسيحيين وواحد للصابئة في بغداد، وثلاثة للمسيحيين وثلاثة أخرى لليزيديين ومقعد للشبك في محافظة نينوى، ومقعد للمسيحيين في البصرة.
وقد لاقى الاقتراح ردود فعل معارضة من قبل البرلمان العراقي، مما دعا ممثلي الأقليات الدينية والقومية في العراق إلى معالجة تمثيلهم في مجالس المحافظات وبغداد، وعدم ممارسة سياسة «التهميش».
غير أن أغلب الأقليات العراقية اليوم منقسمة على نفسها، ولا توجد لها تكتلات سياسية أو اجتماعية تؤدي إلى اتحادها، أمام التكتلات السياسية الكبيرة المهيمنة على الوضع السياسي والاجتماعي والعسكري في العراق.
لقد عمل الاحتلال الأميركي ـ البريطاني منذ البداية على يد الحاكم الأميركي بول بريمر على تفكيك وحدة الشعب وتماسكه الوطني، وذلك باعتماده على خطاب عنصري يستهدف لحمة الشعب العراقي، من خلال تأكيده على المكونات الثلاثة (شيعة، سنة، أكراد) .
وإهمال بقية المكونات الأخرى المؤلفة للنسيج الوطني العراقي، كما عمل على غرس الانقسامات المذهبية، وإثارة النعرات الطائفية المقيتة بين مكونات الشعب العراقي المختلفة، ومنها الأقليات العراقية، بعد أن كانت متلاحمة فيما بينها، ولها سجل طويل خالد في سفر حضارة وادي الرافدين.
إن الشعب العراقي كله مستهدف اليوم، فلا فرق بين هذه الطائفة أو تلك، فالكل على طاولة الاستهداف ومنه الأقليات، فالمطلوب هو إخلاء البلد من تلك الأقليات ليصفو الجو للكتل الكبيرة في البرلمان العراقي، وذلك لتغيير الوضع السياسي والاجتماعي والديمغرافي لصالح الكتل المتنفذة في السلطة العراقية.
وبناء مجتمع جديد وفق أهواء ومصالح تلك الكتل وبتأييد من قوات الاحتلال الأميركي، مما يجعل الاقليات العراقية في وضع مقلق للغاية، وخاصة مع استمرار نزيف القتل والهجرة والتشرد، فمن الذي يرجع الحق لأهله؟
إن وجود قيادة وطنية صادقة يؤمن بها الشعب العراقي، هو السبيل لإعادة الأمور إلى نصابها الحقيقي، لتشعر فئات الشعب العراقي وأطيافه كافة، أنها في مأمن من أية مخططات تستهدف وحدتها ووجودها الوطني. ولكي يتحقق ذلك لا بد من تكاتف جميع مكونات الشعب العراقي أولا، ووضع برنامج وطني شامل، يهدف إلى تغيير الوضع المأساوي للأقليات، والاعتراف بحقوقها كاملة.
حرب تفتقر إلى الشرعية القانونية
عارض الكثيرون حملة غزو العراق 2003، لكونها تخالف القوانين الدولية. وقبيل بدأ الحملة العسكرية حاولت الولايات المتحدة وبريطانيا الحصول على تشريع دولي لغزو العراق من خلال الأمم المتحدة، ولكن محاولاتهما فشلت.
وقدمت الولايات المتحدة تقريرا لمجلس الأمن واستندت فيه على معلومات قدمت من قبل وكالة المخابرات الأميركية والمخابرات البريطانية MI-5، زاعمة امتلاك العراق لأسلحة دمار شامل، رغم النفي المتكرر من الحكومة العراقية. وفي 12 يناير 2005 حلت الولايات المتحدة فرقها للتفتيش لعدم عثورها على أي اثر لأسلحة الدمار الشامل.
استنادا للدستور الأميركي، لا يمتلك الرئيس صلاحية إعلان الحرب، وإنما هو من صلاحيات الكونغرس الأميركي، إلا أنه حسب «قانون صلاحيات الحرب» الأميركي لعام 1973، يمكن لرئيس الولايات المتحدة إرسال الجيوش إلى دولة أجنبية لمدة 60 إلى 90 يوما دون الرجوع إلى الكونغرس. وفي 3 أكتوبر 2003 حصل جورج بوش الابن على موافقة الكونغرس، رغم معارضة بعض أعضائه من الحزب الديمقراطي.
أصدر مجلس الأمن القرار رقم 1441 الذي طالب بعودة لجان التفتيش عن الأسلحة إلى العراق، وفي حالة رفض العراق التعاون مع هذه اللجان فإنه سيتحمل «عواقب وخيمة»، ولكن القرار لم يذكر كلمة استعمال القوة. وكانت عبارة «العواقب الوخيمة» محاولة دبلوماسية من الولايات المتحدة لتشريع الحملة العسكرية.
وعند صدور القرار أعلنت كل من روسيا والصين وفرنسا أن القرار 1441 لا يعطي الصلاحية باستعمال القوة ضد العراق، وكان هذا الموقف هو نفس الموقف الأميركي والبريطاني في بداية الأمر، ولكن موقف الولايات المتحدة تغير بعد ذلك.
ويرى الكثير من المختصين أن الحملة العسكرية كانت مخالفة للبند الرابع من المادة الثانية من ميثاق الأمم المتحدة، والتي تنص على أنه «لا يحق لدولة عضو في الأمم المتحدة تهديد أو استعمال القوة ضد دولة ذات سيادة لأغراض غير أغراض الدفاع عن النفس».
وبعد سقوط بغداد صرح كوفي عنان الأمين العام للأمم المتحدة، حينها، بأن الغزو كان منافيا لميثاق الأمم المتحدة. وكان هذا مطابقا لرأي الأمين العام السابق للأمم المتحدة بطرس غالي استاذ القانون الدولي. وفي 28 إبريل 2005، أصدر وزير العدل البريطاني مذكرة نصت على أن أي حملة عسكرية هدفها تغيير نظام سياسي، هي عمل غير مشروع.
استهداف وتهجير
بعد تعرض العراق للغزو الأنجلو ـ أميركي، أصبحت تلك الأقليات في وضع لا تحسد عليه، باستثناء الأقلية الكردية التي ضمنت مصالحها السياسية والاقتصادية والاعتبارية شيئا فشيئا، منذ انفصالها عن حكومة بغداد المركزية عام 1991 إثر حرب الخليج الثانية.
فللأكراد تاريخهم الطويل في التمرد على الحكومات العراقية المختلفة، مستندين في ذلك إلى مبدأ حق تقرير المصير وحق الانفصال عن الدولة العراقية. أما بقية الأقليات فقد عانت كثيرا جراء استهدافها وتهجيرها وتصفيتها، لأغراض سياسية ودينية وديمغرافية.
ويشعر الأكراد اليوم بأنهم من أهم الأقليات بعد العرب، إذ يشكلون نحو نسبة 20% من عدد سكان العراق، وهي نسبة تخمينية إذ لا يوجد لحد اللحظة إحصاء سكاني دقيق يحدد أعداد الأقليات. وقد حصل الأكراد في دستور 2005 على أغلب ما طمحوا إليه، ولا سيما إقرار قانون الفيدرالية واعتبار اللغة الكردية لغة رسمية في البلاد إلى جانب اللغة العربية، وهم يطمحون لضم مدينة كركوك الغنية بالنفط إلى إقليم كردستان.
كما هيمن الأكراد بعد الاحتلال، على مناصب سيادية في الدولة العراقية، كمنصب الرئاسة، ووزارة الخارجية لكل من جلال الطالباني وهوشيار زيباري.
وللأكراد قوة عسكرية على الأرض لا يستهان بها، ولها فعلها المؤثر في مجريات الأحداث الجارية في العراق اليوم، فهذه القوة المتمثلة بميليشيات البشمركة يتجاوز عددها 50 ألف مقاتل، وتمتلك تسليحا جيدا وتدريبا محترفا وخبرة قتالية طويلة، وهي ميليشيات قائمة بحد ذاتها وليست لديها أي صلة بالجيش العراقي السابق أو الجديد.
ورغم تظاهر الأكراد بأنهم أعطوا باقي الأقليات من المسيحيين من كلدان وآشوريين وسريان فضلا عن التركمان والأرمن، حقوقهم الدستورية في برلمان كوردستان في انتخابات صيف العام 2009 بواقع خمسة مقاعد للمسيحيين، وخمسة مقاعد للتركمان، ومقعد واحد للأرمن، إلا أن هذا الشيء مازالت تعده تلك الأقليات إجحافا بحقها، ولا يتناسب مع وجودها الفعلي على الأرض.
د. سهير عواد الكبيسي
