وجه شيخ الأزهر الدكتور محمد سيد طنطاوي في حواره الأخير قبل أن توافيه المنية أمس مع «البيان» انتقاداتٍ حادة إلى الانتهاكات الإسرائيلية بحق المسجد الأقصى المبارك.
وأعرب عن استعداده لزيارة القدس المحتلة حال توجيه دعوة رسمية له شريطة أن تكون تأشيرة دخول صادرة من السلطة الوطنية الفلسطينية وبعيداً عن كل ما هو إسرائيلي، مطالباً الرئيس الأميركي باراك أوباما بتنفيذ وعوده إلى الأمة الإسلامية التي قطعها في خطابه العام الماضي بإخماد الفتنة والصراعات في العالم العربي والعمل على إيجاد حل عادل للقضية الفلسطينية ووقف تهويد القدس، مشدداً على أن الخطاب الديني وضع على طريق التطوير من أجل التفاعل مع الآخر، ومنوهاً إلى أن حوار الأديان مستمر وقائم بين الشرق والغرب و لا يوجد ما يمنعه من الاستمرار. وكان لـ «البيان» هذا الحوار الأخير مع شيخ الأزهر محمد سيد طنطاوي قبيل وفاته:
* أعلنت إسرائيل مؤخراً عن ضم الحرم الإبراهيمي ومسجد بلال للآثار اليهودية، فضلاً عن انتهاكاتها الصارخة للمسجد الأقصى فما رأيكم في هذه الأحداث؟ ـ ما تقوم به قوات الاحتلال الإسرائيلية يدخل ضمن إجراءاتها لتهويد القدس الشريف بدليل إعلان إسرائيل ضم الحرم الإبراهيمي ومسجد بلال للآثار اليهودية، الأمر الذي يعد مصادرة لحق المسلمين في المسجد الإبراهيمي. فالاحتلال تعود على مصادرة كل ما يريد من ممتلكات ولكنه هذه المرة صادر مكان عبادة وتراثا إسلامياً وحضارة للمسلمين. ولا أستبعد استمرار العدوان الإسرائيلي على المقدسات الإسلامية واعتبر التأميم اليهودي للحرم الإبراهيمي إنذارا جديدا بإقدام إسرائيل على السيطرة على أعظم مقدسات المسلمين في القدس ومنها المسجد الأقصى.
كيف يمكن التصدي لمثل هذه التجاوزات ؟
وحدة الشعب الفلسطيني هي السبيل الأول لحماية مقدساتنا الإسلامية في فلسطين وبدونها ستتمادى إسرائيل في انتهاك كل ما هو إسلامي وعربي. إنني أطالب كل الفصائل الفلسطينية إلى توحيد صفوفها لمواجهة الغطرسة الإسرائيلية والعدوان الآثم الذي يتعرض له الشعب الفلسطيني والذي يستهدف وجوده وكيانه مع التوقف تماماً عن أي صراعات داخلية.
دعوة شفهية
في ظل الأوضاع المتأزمة والانتهاكات التي تتعرض لها المقدسات الإسلامية في القدس تردد مؤخراً أنك ستقوم بزيارة القدس، وهو ما حرصت على نفيه بشدة، فهل ما زلت على موقفك بعدم زيارة المدينة المقدسة طالما بقيت تحت السيطرة الإسرائيلية أم أن موقفك تغير؟
نفيت ما نشرته إحدى الصحف المصرية من أنني تلقيت دعوة رسمية من الرئيس الفلسطيني محمود عباس (أبو مازن) لزيارة القدس ووافقت عليها. وهو أمر عار من الصحة تماماً. وما حدث أنني تلقيت دعوة شفهية و ليست دعوة رسمية من وزير الأوقاف الفلسطيني محمود الهباش أثناء اللقاء الذي جمع بيننا في مكتبي في مشيخة الأزهر مؤخراً.
هل معنى ذلك أنك يمكن أن تقبل بزيارة القدس لو تلقيت دعوة رسمية ؟
هذا أمر سابق لأوانه. ولكن لو حدث ذلك، فسأحيل الأمر إلى السلطات المختصة مع الأخذ في الاعتبار أنني لن أقبل بزيارة مدينة القدس بتأشيرة دخول من سلطات الاحتلال الإسرائيلي فالقدس مدينة فلسطينية محتلة ولن أزورها إلا بموافقة السلطات الفلسطينية وبتأشيرة دخول منها ولا تعامل لي مع إسرائيل على الإطلاق.
فتنة وصراعات
الرئيس الأميركي باراك أوباما وجه خطابا للعالم الإسلامي وصف وقتها بالخطاب التصالحي مع المسلمين وحتى الآن لم يحدث أي تطور فما رأيك؟
أطالب أوباما بتنفيذ الوعود التي قطعها على نفسه في خطابه في جامعة القاهرة 4 يونيو الماضي بإخماد الفتنة والصراعات في العالم العربي والعمل على إيجاد حل عادل للقضية الفلسطينية ووضع حد للاعتداءات الإسرائيلية المستمرة على الشعب الفلسطيني وسعي قوات الاحتلال المستمر لتهويد القدس إضافة إلى وضع حد للتدخل العسكري المسلح في أفغانستان والعراق وباكستان. كما أطالبه بوقف التدخلات في السودان والصومال وسوريا ولبنان.
هل صحيح أن مؤتمر مجمع البحوث الإسلامية التابع للأزهر أعد خصيصاً للهجوم على إيران؟
هذا غير صحيح. ولكن نحن نهاجم كل من يتعمد أو يصر على الإساءة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم أو يتعمد كذلك الإساءة إلى أحد من أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم لأنه يكون بذلك خارجاً عن الإسلام بغض النظر عن البلاد أو الأشخاص سواء كان الذين أساؤوا للصحابة من مصر أو إيران أو الهند وذلك للدور المهم الذي قام به الصحابة في بناء الأمة الإسلامية ولعدم شرعية أي إساءة إليهم. يجب الاستفادة من علم وأخلاق وزهد وسيرة أصحاب رسول الله لتحقيق نهضة الأمة الإسلامية لاستعادة مكانتها المستحقة بين الأمم.
كانت إيران طالبت مرارا بإقامة معاهد أزهرية فيها فهل توافق على ذلك؟
أوافق ولكن بشرطين: الأول أن يتم الكف عن سب الصحابة وحظر ظهور الأنبياء والمبشرين بالجنة في الأعمال الدرامية. والثاني أن يتم تغيير اسم الشارع المسمي باسم خالد الإسلامبولي قاتل الرئيس الراحل محمد أنور السادات. أما فيما عدا ذلك فلن أسمح بإنشاء معاهد أزهرية هناك.
استقرار المنطقة
كيف تنظرون إلى البرنامج النووي الإيراني وهل صحيح يمكن اعتبار أنه يدخل ضمن برنامج نووي إسلامي؟
هذه المسالة فنية الأجدر بالإجابة عنها أهل السياسة فنحن في الأزهر نحيل كل أمر إلى المتخصصين قبل إصدار الرأي الشرعي. فإذا قالت الأجهزة الأمنية ان البرنامج النووي الإيراني يهدد أمن وسلام واستقرار المنطقة، فإن الأزهر في هذه الحالة يؤيد ويبارك أي قرار تتخذه الإدارة المصرية لنزع أسلحة الدمار الشامل من إيران.
لذا نحن نرحب بالبرنامج النووي السلمي ونرفض البرنامج الذي يستخدم للحرب حتى لا يتم تخريب الدول العربية والإسلامية، فالعلم سلاح ذو حدين إذا استعمل في الخير نفع وإذا استعمل في الشر أباد ودمر. لذا يجب على إيران الالتزام بالعهود والمواثيق الدولية فيما يخص سلاحها النووي.
خلال الفترة الماضية، قام وفد من لجنة الحريات الدينية الأميركية بزيارة مصر وتحدثوا في وسائل الإعلام المختلفة بشأن اضطهاد ديني في مصر، فما هو تقييمك لذلك وهل هناك تمييز ديني في مصر؟
أرفض بشدة أي اتهام وأي حديث عن وجود اضطهاد ديني طائفي في مصر. هناك أسس يجب أن تقوم عليها العلاقات بين بني البشر جميعاً أساسها أن الجميع إخوة ولا إكراه في العقائد ولكل عقيدته والاختلاف لا يمنع التعاون. والعقلاء دائماً ما يعملون على أن تقوم العلاقات بين الناس على الاحترام المتبادل.
والتاريخ والحضارة والدين الإسلامي تؤكد على الحرية الكاملة لأي شخص مسلماً كان أم غير مسلم بدليل أن الشرع أعطى للإنسان حق الكفر حيث قال تعالى: «فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر».
وأهل مصر وحدة متناسقة في الحقوق والواجبات عدا العقائد، فكل طائفة لها معتقداتها الخاصة لكن الإسلام أباح المصاهرة والتزاوج بين المسلم وغير المسلمة فيصبح والدها صهره وأمها في مقام والدته وإخوتها كذلك وسائر أهلها. وبالتالي لا يمكنه إيذاؤهم ويجب عليه تمني الخير لهم والرسول صلى الله عليه وسلم قال: «الآدمي بنيان الرب ملعون من هدمه» ولم يفسر كون الآدمي مسلما أم غير مسلم.
ولكن حتى على المستوى الداخلي، يتحدث بعض المسيحيين عن عدم تمتعهم بالمواطنة وبوجود تمييز؟.
ردي على هؤلاء سيكون بمجموعة أسئلة إجابتها تنفي اعتقادهم تماما ألا وهي: أليس كل من يحمل الجنسية المصرية يتساوى تماماً في الحقوق والواجبات أمام القانون المصري؟. أليست كرامة المسيحي متكافئة مع كرامة المسلم ولدمه نفس الحرمة والصون؟. ألا يدفع الاثنان الضرائب ويؤديان الخدمة العسكرية، ويواجه كل منهما جانياً أو مجنياً عليه نفس النص العقابي؟. هل هناك استثناء للمسلم إذا أخطأ أو تشديد على المسيحي إذا تجاوز بدوره؟. أعتقد أن الإجابة واضحة لكل ذي عقل وفهم.
قضايا المرأة
الاجتماع السنوي الأخير للجنة المشتركة للحوار بين الأديان في الفاتيكان واللجنة الدائمة لحوار الأديان السماوية في الأزهر أصدر توصيات بضرورة إدخال تعديلات على المناهج التعليمية الخاصة بالأديان في المدارس بهدف تصحيح المعلومات الخاطئة التي تدرس في المدارس عن كل دين منهما طبقاً لاعتقادات أهل الديانتين من دون تشويه، فهل نفهم من ذلك أن الأزهر أخيراً سيرضخ لضغوط تغيير وتعديل مناهجه؟.
لن يتم تعديل مناهج الأزهر لأنها تتلاءم مع الواقع. فالأزهر لا يسير بعيداً عن الواقع أو عن قضايا المرأة أو حقوق غير المسلمين. فهي موجودة وبكثرة في كتب الفقه والتراث الإسلامي كما أنه لا يوجد في المناهج أي شيء يدعو إلى الإساءة إلى الأديان أو إثارة النعرات الطائفية. فكما هو معروف، فإن المنهج التعليمي في الأزهر هو الوسطية والاعتدال وقام بإعداده كبار العلماء.
بابي مفتوح دائماً لأي شخص يجد ما يسيء إلى الديانات الأخرى في مناهج الأزهر ويكفي أن لدى الأزهر طلابا من 104 دول يدرسون فيه لأنه قلعة العلم وحصن التراث الإسلامي فهو قبلة العالم الإسلامي في العلم. أما فيما يتعلق بالتوصيات التي صدرت عن اللجنة المشتركة لحوار الأديان فالمستفيد الوحيد منها هم المسلمون لأنهم سيقومون بإزالة كل الإساءات الموجهة في المناهج التعليمية في الفاتيكان ضد الإسلام.
ولكن هناك مطالبات كثيرة لتطوير الخطاب الديني لعل أبرزها دعوة الرئيس حسني مبارك لذلك خلال الاحتفال بذكرى المولد النبوي خاصة بعد الأحداث الطائفية التي شهدتها مصر مؤخراً.. فما الذي يمكن للأزهر فعله في هذا الصدد؟.
الرئيس مبارك هو الداعم الأول لتطوير الخطاب الديني في مصر وهو بفضل الله يتجدد من وقت لاخر بصورة جيدة لإظهار صورة الإسلام الحقيقية لدى الجميع. ولأنني أعلم أن العلماء والأئمة والوعاظ هم الأقدر على الخوض في أعماق المجتمع، والاقتراب من الآراء الكامنة في الصدور، قمت بدعوتهم وقياداتهم إلى اجتماع موسع استمعت فيه لتقاريرهم بشأن حالة الاحتقان التي وصل إليها البعض وأسبابها.
وتم إمدادهم بخطة عمل تركز على جوانب معالجة أي احتقان ديني أو طائفي ومنع التلاعب به مع التركيز على ما ينادي به الإسلام من بر وتراحم وتعاون مع غير المسلم. ومن ناحية أخرى، طلبت من وزير الأوقاف الاهتمام بما يقوله الخطباء والدعاة في المساجد لأنهم أيضا قادرون على التأثير في عقول المصلين والمترددين على المساجد.
بالإضافة إلى ذلك، فسوف نرتب لبرنامج محاضرات وتوعية في القاهرة والمحافظات في عدد من الأماكن العامة والنوادي والمكتبات الثقافية لنشر الوعي بين أكبر عدد من شرائح المجتمع من مختلف الأعمار.
امرأة قاضية
في رده على سؤال لـ «البيان» بشأن ما تشهده القاهرة حالياً من جدل بسبب قرار المحكمة الإدارية العليا رفض تعيين المرأة قاضية بمجلس الدولة، أكد طنطاوي أن «الآراء الفقهية في هذا الصدد انحسرت في ثلاثة آراء: الأول يرى فيه الأئمة مالك والشافعي وابن حنبل أنه لا يجوز للمرأة أن تتولى وظيفة القضاء، في حين يرى الثاني ومن أنصاره ابن جرير الطبري وابن حزم أن المرأة يجوز أن تكون قاضية على الإطلاق في أي شيء».
وأضاف: «ويرى الرأي الثالث للإمام أبي حنيفة أنه يجوز للمرأة أن تتولى وظيفة القضاء في كل المسائل القضائية عدا المسائل الجنائية، ونحن في الأزهر نؤيد الرأي الثالث فالإسلام يساوي بين الرجل والمرأة في ستة أمور هي أصل الخلقة والمساواة في التكاليف الشرعية واعتناق الفضائل واجتناب الرذائل وطلب العلم والعمل الشريف وأخيراً الكرامة الإنسانية».
خلاف
لايوجد شيء اسمه «جبهة علماء الأزهر»
أكد طنطاوي لـ «البيان» أنه «لا يوجد شيء أصلاً اسمه جبهة علماء الأزهر بعد أن تم حلها قانونياً العام 1999 وتم تأكيد الحكم العام 2001 من المحكمة الإدارية العليا». وقال إن ذلك تم «بسبب تعارض اختصاصات الجبهة مع اختصاصات المجلس الأعلى للأزهر، بالإضافة إلى تجاوزاتهم المتكررة في حقي حيث سبق أن اتهموني بتهم باطلة ولا أساس لها من الصحة ولا تمت للدين بصلة».
وأردف: «لذا تم عرض الأمر على هيئة مجلس الدولة التي أصدرت حكمها بحل هذه الجبهة التي خرجت عن أهدافها التي أنشئت من أجلها ثم تم تأكيد الحكم من المحكمة الإدارية العليا».
توتر
لا صحة لمنع الطلاب الجزائريين
نفى طنطاوي ما تحدثت عنه وزارة الشؤون الدينية والأوقاف في الجزائر عن منع الأزهر للطلبة الجزائريين من الدراسة هناك. وأشار إلى أن هناك اتفاقية مبرمة بين الجزائر والأزهر لتنظيم عمل البعثات الدراسية التي تدرس في مصر. وقال: «لن نقوم بإلغائها بسبب الأحداث التي جرت بين البلدين على خلفية مباراة كرة القدم التي جرت في السودان. والأزهر من جانبه يطبق الاتفاقية بشكل دقيق خاصةً وأنها تنص على منح طلاب الجزائر درجات الإجازة العالية والماجستير والدكتوراه في التخصصات المختلفة في جامعة الأزهر.
القاهرة- حوار عماد الأزرق


