«الحرب هي أعظم مُراجع للحسابات».. مقولة أطلقها يوماً المؤرخ الأميركي كوريللي بارنيت في كتاب قديم له بعنوان «حاملو السيوف».
يحرص مؤلف كتابنا على أن يستهل بهذه العبارة سطور الفصل الثالث من الكتاب ويحمل الفصل العنوان التالي: الأزمة العسكرية. وبديهي أن هذا الجانب العسكري من أزمات أميركا كما يراه المؤلف يأتي مرتبطاً بما عرض له كتابنا في فصله السابق بعنوان «الأزمة السياسية».
في هذا السياق يسجل المؤلف المعني أو الدرس المستفاد التالي: إن القوة العسكرية، أو هي الحرب بشكل عام، ليست سوى وسيلة لتحقيق هدف.. وإلا كان القتل والدمار غايات يقصدها البشر لحد ذاتها، أو لإشباع غريزة التدمير وسفك الدماء لدى صنف أقرب إلى الوحوش من بني البشر.. (تأمل مثلاً من منظورنا العربي وقائع السلوك الحربي الصهيوني في أحداث غزة الجريحة ? ديسمبر ? يناير 2009).
يقول مؤلف الكتاب (ص124): لا تقاس الجيوش بالشجاعة.. ولا بقوة الشكيمة ولا بالمثابرة ولا حتى باستخدام أحدث تكنولوجيات القتال.. إنما تقاس عظمة الجيوش بالقدرة على تحقيق المهام المنشودة..
ومن هنا تقاس الأزمة العسكرية في أميركا.. منذ أن افتتح الرئيس السابق بوش حربه على الإرهاب حيث مُنيت قواته المسلحة بالفشل في تحقيق المهمة المكلفة بها.. بمعنى عدم تحقيق الهدف المطلوب.
ثم يواصل المؤلف تحليله على النسق التالي: في أعقاب أحداث سبتمبر 2001 عمد الرئيس بوش (ومعاونوه) إلى وضع استراتيجية هجومية جسورة تعهد فيها «بأن ينقل المعركة إلى أرض العدو ويحطم مخططاته ويواجه أفدح ما يضمره العدو من تهديدات».
ثم تصوّر بوش أن القوة العسكرية وحدها هي القادرة على توجيه هذه الضربات الهجومية. وبعدها سرعان ما وجدت القوات المسلحة الأميركية نفسها وقد اشتبكت في معارك على جبهات شتى.. تصدّرتها جبهتا أفغانستان والعراق.
قال ريتشارد بيرل
هنا يحيل المؤلف إلى ما كتبه محللون سياسيون كبار (منهم مثلاً ديفيد فروم وريتشارد بيرل) في باب الإشادة بعملية (غزو العراق) حيث أعلنَا أنها أظهرت مدى ما تتمتع به الإمكانات الأميركية من قدرة صاعقة وفائقة على تحقيق نصر خاطف وكامل..
يحيل كاتبنا أيضاً إلى ما أعلنه القائد العسكري الأميركي الجنرال تومي فرانكس من أن العسكرية الأميركية كانت نموذجاً لا يبارى من حيث الامتياز والتفوق في تاريخ الحوليات الحربية.
التصريحات المضحكة
ثم يعلق كاتبنا نفسه على مثل هذه التصريحات الصادرة عن قادة سياسيين وعسكريين كبار فيقول بالحرف (ص125): عندما نتأمل ما حدث، لا يمكن وصف مثل هذه التصريحات.. وغيرها كثير.. سوى بأنها تبعث على.. الضحك(!)
كانوا يتصورون أن مثل هذه الحرب (بانتصاراتها الباهرة.. الصاعقة.. الخاطفة) كفيلة أن تنتهي يوم 9 ابريل عام 2003 (وهو يوم تحطيم تمثال صدام حسين بميدان الفردوس في قلب بغداد). لكن تطورات الأحداث ما لبثت أن كشفت، ومن ثم أكدت أن تلك لم تكن سوى البداية.
يواصل المؤلف تحليله في هذه النقطة ليقول: لقد تواصلت أعمال القتال سنوات عديدة بعد ذلك وتكلفت مغارم فادحة من خسائر الأرواح، حيث كاد العراق يشكل صورة متجددة من حرب فيتنام.. ولكن على نطاق أصغر حجماً.. وكان هذا من لطف المقادير.
قبل هذه الفترة بسنوات قليلة توالت شهادات الإشادة بما بلغته القوة العسكرية للولايات المتحدة من منعة بل وجبروت.
من جانبنا.. نحسب أن كان ذلك أمراً طبيعياً ومرتقباً، إذ كانت واشنطن تنتشي عبر سنوات التسعينات - بسكرة النصر فوزاً على الغريم السوفييتي الذي اندحر إلى حد الزوال من على خارطة الكرة الأرضية. وفي غمرة تلك الأجواء من النشوة السياسية..
والعسكرية أيضاً كتب المحلل العسكري البارز «ماكس بوت» مشيداً بما بلغته القوة العسكرية الأميركية من مستوى فائق وغير مسبوق فقال: لقد فاقت قدرات أميركا في هذا المضمار كل ما سبق (في تاريخ العالم) من قوى الهيمنة عبر التاريخ.. يستوي في ذلك روما قيصر، وبريطانيا العظمى..
وفرنسا بونابرت.. ولقد بلغنا (الأميركان) مرتبة عالية من القدرة في كل جوانب القتال العسكري لدرجة لم نعد فيها بحاجة إلى أي مساعدة يُعتّد بها من جانب صديق أو حليف.
والحاصل أن «ماكس بوت»، بكل شهرته ومكانته في مجال علم التحليل العسكري، أمعن في كيل الأماديح لصالح العسكرية الأميركية.. وربما أسعده..
هل نقول أذهله، نجاح قوات واشنطن في سرعة الإطاحة بنظام صدام حسين في بغداد واحتلالها عاصمة العراق، فكان أن وصف الجيش الأميركي بأنه أعظم من جيش هتلر (فهرماخت) وأن نجاح جنرالات بوش في هزيمة صدام تضاءلت إلى جانبه عبقرية جنرالات الحرب العالمية من أمثال روميل أو غودريان.
مرة أخرى يعلق مؤلف كتابنا (ص126) فيقول: كل ذلك ما لبث أن أصبح لغواً من أقوال تذروها الرياح.. فلقد أثبتت التطورات محدودية القدرات العسكرية الأميركية رغم كل ما أتيح لها في عصر يشهد أنواع الأسلحة الشبح والأسلحة فائقة الدقة وشبكات الاتصال اللحظي وما في حكمها من نواتج أحدث ما توصلت إليه دنيا العلم والتكنولوجيا.
الأوهام الثلاثة
لماذا؟: هكذا نطرح السؤال على مؤلف الكتاب الذي يبادر أيضاً إلى القول: إجابة هذا السؤال تكمن في 3 عوامل بل هي 3 أوهام متقاطعة ومتشابكة. ثم يعمد الكتاب (ص127) وما بعدها إلى تفصيل هذه الجوانب الثلاثة على النحو التالي:
- أولاً كان هناك الوهم الذي عبّروا عنه في أهمية ودقة التمييز بين ضرب نظام حاكم وبين إصابة الأمة التي يحكمها.. بمعنى التفرقة بين عدو يحكم ديكتاتوراً كان أو طاغية سواء في البوسنة أو العراق وبين البشر الخاضعين لحكمه.. والمشكلة أن هذا التمييز لم يصمد ويستمر في ظل ما طرأ على عملية العراق من مستجدات وتعقيدات.
- ثانياً كان هناك الوهم في تطبيق مبدأ كان معروفاً باسم مبدأ «واينبرغر باول» وكان منسوباً، كما يبدو من عنوانه، إلى وزير دفاع الرئيس ريجان ومعه الجنرال باول رئيس الأركان ثم وزير خارجية الولاية الأولى للرئيس بوش.. وبغير تفاصيل كان هذا المبدأ يحذر باستمرار من تكرار كارثة فيتنام، مؤكداً في الوقت نفسه على ألا تخوض واشنطن غمار الحرب، أي حرب إلا إذا وجدت مصالحها القومية العليا معرضة للتهديد..
وبديهي أن الأمر لم يكن كذلك بالنسبة للحالة العراقية.. ومن ثم ظل الدفاع عن مصالح أميركا العليا من خلال غزو بغداد.. أمراً يدخل في عداد الأوهام.
- ثالثاً أخيراً كان هناك الوهم السائد بأن المجتمع المدني الأميركي قد عاود عقد الصلح وحالة الوئام مع قواته المسلحة.. وقد ابرموا هذا الصلح وربما الإعجاب والغرام المتبادل بين الأميركي «العادَيَ والأميركي» المسلَح تحت لافتة مكتوب عليها.. «نحن نساند قواتنا» لكن الواقع ما لبث أن ابتعد بالأمور عن هذا الوهم..
فلم يكن أحد يرتضي التطوع في صفوف.. «قواتنا».. اللهم إلا لتحقيق مآرب ذاتية أو مصالح شخصية شديدة الإلحاح.
يقول المؤلف في هذا الصدد بالذات: بدلاً من أن يتولّد عن أحداث سبتمبر 2001 قوة دفع عاتية نحو التطوع والتجنيد لارتداء زي الجيش الأميركي، فقد جاءت تلك الأحداث لتؤكد من جديد ميلاً واسع النطاق يفضّل الأميركيون بمقتضاه استئجار أفراد آخرين ليقاتلوا من أجل مطاردة الإرهابيين، ونشر الديمقراطية وضمان الحصول على ما تحتاجه أميركا من إمدادات الطاقة العالمية (ص131).
3 دروس مستفادة
وأياً كان نصيب هذا التحليل من الصواب، فالمؤلف يمضي في نفس السياق ليوضح لقارئيه حجم الدروس الخطأ المستخلصة في هذا المضمار.. ويأتي في مقدمة هذه الدروس 3 نتائج أو ثلاث عِبَر استخلصها نقاد إدارة بوش على اختلاف انتماءاتهم سواء إلى فصائل اليمين أو إلى صفوف اليسار.
- العبرة الأولى: ضرورة الجمع بين الجانب العسكري والجوانب السياسية والثقافية. إن ما يسمى بأنه الحرب على الإرهاب.. ناهيك عن شن هذه الحرب على أراض أجنبية.. لا يمكن كسبها بمعنى التغلب على الإرهابيين أو المتطرفين بالاحتكام إلى السلاح..مهما كان هذا السلاح متقدماً أو مدججاً بأحدث ما توصلت إليه التكنولوجيا العسكرية: إنها حرب ذات جوانب ثقافية ومعرفية لابد وأن تراعي العقائد والثقافات التي تعيشها شعوب لها تاريخها وأعرافها وعوائدها وعقائدها..
أو كما يعبر مؤلف الكتاب ص (135): لابد من المزج بين القوى الصلبة والقوى الناعمة.. أي المزج بين السلاح والاقتصاد والتنمية وبين هذا كله وبين التفاعل الاجتماعي وتبادل الاحترام الثقافي ومعرفة اللغات - عند الشعوب الهدف ودأب الإخلاص في احترام «الآخر».
- العبرة الثانية يحيل فيها المؤلف إلى جنرال أميركي اسمه «جون باتست».. هذا القائد العسكري قدم استقالته في خريف عام 2006 احتجاجاً على إدارة عملية العراق على يد وزير الدفاع الأميركي رامسفيلد ونائبه فولفوتز ووكيله دوغلاس فايث..
ويبدو أن الاستقالة حررت الجنرال باتست لكي يعلن على رؤوس الأشهاد كيف «تجاهل» رامسفيلد مشورة القيادات المحترفة في الميدان، وكيف تجاهل أهمية العمل من أجل السلام في العراق بعد سقوط صدام حسين، وكيف سمح للممارسات الفظيعة في سجن أبوغريب وغير ذلك من «المذابح» (نص كلمات الجنرال الأميركي) (ص136) مما أدى إلى تأجيج نيران التمرد المعارض للأميركيين.
- الدرس.. العبرة الثالثة: وتتمثل كما يوضح الكتاب في ذلك التحول الذي طرأ على قوام وتوجهات الجيش الأميركي.. من مرحلة التجنيد الإجباري خدمة العَلَم كما يسميها عرب المشرق..
وهي خدمة وطنية بالدرجة الأولى يؤديها الشباب في سلك قواتهم المسلحة.. إلى حيث أصبح قوام الجيش الأميركي يتألف من جموع المتطوعين، الأمر الذي تسبب في تغييرات استجدّت على سلك الخدمة الوطنية المسلحة من حيث المفهوم والسلوك والغايات المستهدفة.
ولم تكن تغييرات تكنولوجية (بمعنى مادية) بقدر ما كانت تغييرات ثقافية واجتماعية وسياسية على نحو ما يصفها المؤرخ العسكري «أدريان لويس» (ص137). ثم يلخصها في عبارة ذات دلالة لا تخفى هي: إزاحة الشعب الأميركي بعيداً عن مسير الحرب وإدارتها.
وهنا يعلّق مؤلف الكتاب قائلاً: إن الاعتماد على جنود محترفين (بمعنى مرتزقة) يشوه مفهوم الواجب الوطني، ويعفي عامة المواطنين (الأميركيين) من أي التزام يتحملونه في سبيل الدفاع عن أمتهم.
وبعد.. فإن هذا الاستعراض التحليلي الذي يورده مؤلف كتابنا كان من شأنه أن يفضي به عبر الصفحات الاثنتي عشرة الأخيرة من الكتاب إلى خاتمة تحمل العنوان الجوهري الذي اتخذه محوراً لهذه الدراسة التي قدمها للقارئ من موقعه كأستاذ باحث سواء في علم التاريخ أو في علم العلاقات الدولية «حدود القوة».
هذا هو المحور، أو فلنقل الهاجس الذي ظل مخيماً بل مهيمناً على مجمل سطور وطروحات هذا الكتاب. بنفس رصانة الأكاديمي يعرض المؤلف إلى وقفة «المرشح الرئاسي» أوباما معلناً ذات شتاء ثلجي في ولاية أيوا: لقد حان الوقت أمامنا من أجل التغيير في نفس السياق..
وبنفس الرصانة الأكاديمية.. يحذر المؤلف من تصور أن وضع فرد مهما كان قدره ومواهبه في مكتب الرئاسة البيضاوي بالبيت الأبيض سوف يحقق الهدف المنشود في ذلك التغيير المرتجى.
والمعنى أن الأمر بحاجة إلى سياسات بل هي استراتيجيات أوسع نطاقاً من طموحات وقدرات أي فرد (حتى لو كان شخصية تجمع بين المواهب والطموحات من طراز باراك أوباما).
إن المؤلف يدعو أساساً إلى أن يغيّر الشعب الأميركي من أسلوب حياته بعيداً عن الانكباب المفرطّ على الاستهلاك بغير حدود.. يستوي في ذلك سلع الحياة اليومية وكمالياتها أو في تداول أموال القروض وبطاقات الائتمان أو في كميات النفط.
وعلى الحكومة الأميركية أي حكومة أن تدرك أن واجبها هو ترشيد هذا النهم الاستهلاكي وليس الانصياع لرغبة إشباعه تملقاً لجموع الناخبين.. على أن يتم ذلك من منطلق مبدأ أساسي في تعريف قوة أي أمة.. وهو تعريف يعلو أولاً على مجرد الاستهلاك الترفي أو المادي ويؤكد ثانياً وفي كل لحظة الفكرة التي تقول: حذار.. للقوة حدود.
