امتاز العراق ومنذ سالف العهود، بتعدد أطيافه القومية والدينية والمذهبية والعرقية، وضمن اعتبارات تاريخية وجغرافية عرف بها العراق القديم والحديث. فقد عاشت في العراق أقليات مختلفة جنباً إلى جنب عبر عصور طويلة، وهي تنعم بالأمن والطمأنينة والوئام والتفاهم، وعلى قدر كبير من تبادل الاحترام والتعاون والمحبة والمصاهرة.

ولم تعرف في يوم من الأيام صراعات اجتماعية أو حروباً طائفية أو مذهبية، كما أنها تزخر بإنجازاتها الحضارية ومهاراتها الخلاقة، وإبداعاتها لكل ما يساير ركب الحضارة الإنسانية، وصبه في بوتقة الوطن الأم (العراق)، وهي بعناصرها المتمازجة والمتنوعة، عنصر قوة وإثراء للمجتمع العراقي. الأصول ورغم أن العراق بلد ذو أغلبية مسلمة (97%)، إلا أنه يضم العديد من الأقليات ومنذ آلاف السنين، من أبرزها الأكراد والتركمان والآشوريون والمسيحيون والصابئة المندائيون واليزيديون والشبك والكلدان، وغيرهم. ولهذه الأقليات أصول تاريخية لا بد من التعرف إليها، حتى نستشرف مستقبلها السياسي والاجتماعي والديمغرافي في العراق.

وأولى تلك الأقليات هي الأقلية الكردية، فهي تعد جزءاً مكملًا من الأمة الكردية، التي تمتد من أرض كردستان في لورستان إيران جنوباً إلى أورمية شرقاً، ومن سيواس غرباً داخل الحدود الرسمية لتركيا الحالية مروراً بشمال العراق، وشمال سوريا. فالأمة الكردية مقسمة بين أربع دول هي:

كردستان تركيا وقد سميت «كردستان الشمالية»، وكردستان العراقية وسميت «كردستان الجنوبية»، وكردستان الإيرانية وسميت «كردستان الشرقية»، و«كردستان الغربية» التابعة لسوريا.

وكلمة «كردستان» هي الاسم الأحب إلى قلوب الكرد، حيث يحرك آمالهم وطموحاتهم القومية بوطن قومي خاص بهم، ذي معالم جغرافية وإقليمية متميزة وله حدود معلومة.

جذور تاريخية

وقد اختلف المؤرخون والفلاسفة حول أصلهم ومنشئهم وتاريخهم، فتعددت الآراء والنظريات، ولا يوجد لحد الآن رأي ثابت حولهم.

ويرى معظم علماء الأجناس أن الأكراد ينتمون إلى المجموعة الآرية، كما يرى الانثروبولوجي «كون» أن الموجة الآرية الأولى حملت الكرد إلى مواطنهم الحالية، آتية بهم من أواسط آسيا نحو 200 ق.م.

أما المؤرخ مينورسكي فيرى أن الكرد ينحدرون من اصل آري، إلا انهم امتزجوا بعناصر أخرى، وأنهم من الإيرانيين الذين يسكنون بلاد فارس والقوقاز وتركيا والعراق، ويذكر أنه «من المحتمل ان يكون الشعب الكردي قد هاجر في الأصل من شرقي ايران إلى مواطنهم الحالية، واستوطنوها منذ فجر التاريخ.

وهذا لا يمنع انه قبل قدوم هذا الشعب المهاجر، كان هناك في كوردستان قوم أو أقوام مختلفة تحت اسم مشابه، فاختلط الشعب الوافد بالأقوام المحلية واندمج فيها اندماجاً كلياً، وهكذا اصبحوا أمة واحدة».

ويعتقد البروفسور «هاوت» ان الكرد يمثلون طلائع «النورديين»، وهم قوم رعاة في الأصل استطاعوا أن يحافظوا على اصلهم ولغتهم لأكثر من 3000 عام.

أما المؤرخون العرب، وبعد الفتح الإسلامي، فقد عدّوا الكرد من أصل عربي، وأيدوا كل عوامل المجاورة والاختلاط، وحاولوا أن يرجعوا الكرد كغيرهم إلى قبائل، على ان بعضهم رأى ان اللغة الكردية اقرب إلى الفارسية فاعتبروهم ايرانيين، ورأى آخرون أنهم من أهل البداوة منهم. وهذا كله لم يمنع أن يحتفظوا بقوميتهم وأنهم «كرد»، لا «فرس» ولا «عرب».

فقد ذكر المؤرخ المسعودي الكرد في كتابه «مروج الذهب ومعادن الجوهر» وعدهم من العرب، فقال: «إنه من الناس من رأى أنهم من مضر بن نزار، من ولد كرد بن مرد بن صعصعة بن هوازن، وأنهم انفردوا في قديم الزمان بوقائع ودماء بينهم وبين غسان.

ومنهم من رأى أنهم من ربيعة ومضر، وقد اعتصموا في الجبال طلباً للحياة والمراعي، فخالوا عن اللغة العربية (بمعنى انصرفوا عنها) لما جاورهم من الأمم من الأعاجم والفرس، فصارت لغتهم أعجمية، ولكل نوع من الكرد لغة خاصة به من اللغات الكردية».

كما أكد المقريزي أن «بعض القبائل الكردية نفسها تزعم أنها من أسر عربية، مثل المروانية التي تزعم أنها من بني مروان بن الحكم بن العاص، ومثل بعض الهكارية الذين يزعمون أنهم من ولد عتبة بن أبي سفيان بن صخر بن حرب».

أما بالنسبة للعلماء والمؤرخين في العصر الحديث، فيذكر الدكتور جاسم محمد الخلف أن «الكرد يرجعون إلى جنس البحر المتوسط، ومن مميزاتهم البارزة ضخامة الجسم والوجه العريض والرؤوس الضخمة، وينتمون إلى شعوب زاغروس المستوطنة في المنطقة الواقعة جنوب بحيرة وان».

وذكر عباس العزاوي أن هناك عدة آراء حول الكرد، منها؛ أنهم من ولد كرد بن اسفند ياذ بن منو شهر (منو جهر)، من ولد ايرج بن فريدون المعروف.

وهو أول الطبقة الثانية من ملوك الفرس، ويفسر هذا القول بوجود التشابه في اللغة الكردية والفارسية، ويعد هذا الامر غير قطعي، فبعض لغات الكرد بعيدة كل البعد عن اللغة الفارسية.

اما المؤرخ الكردي الدكتور عمر ميران، فيشكك ايضاً في أصل بني جلدته من الكرد، ويؤكد أن الحقيقة التاريخية تفرض عليه الحياد، وذكر الحقيقة كما هي، فيذكر أن العشائر الكردية اصلها عربي بحت، مثل العشائر البرزنجية والطالبانية.

وأن الكرد ليس لهم تأثير حضاري أو تاريخي في الاقوام والشعوب المجاورة والأمم الاخرى في العالم، ويعد هذه الصفة الأساسية من صفات شعبه الكردي، لكونه شعباً بسيطاً ومنعزلًا، وليس له تأثير في محيطه الخارجي المجاور.

الكرد بعد الإسلام

وذكر المؤرخ الكردي ميران أن الأكراد قدموا إلى المنطقة الشمالية لأغراض مختلفة، منها التوعية والإرشاد الديني، وأصبحوا بمرور الزمن عشائر كردية، بمعنى انها استكردت.

وان الكرد لم تكن لهم هيمنة سياسية في أي زمن، وأن الدولة الأيوبية في فترة ما بعد الإسلام لم تكن دولة كردية وإنما اسلامية، ولكن قادتها ومؤسيسها من الأكراد، الذين عملوا كمسلمين وليس باسم قوميتهم الكردية، خاصة أن الإسلام لا يفرق بين العرب وباقي القوميات الأخرى التي انضوت تحت رايته.

أما اللغة الكردية فهي لغة تنتمي إلى عالم اللغات الهندو ـ أوروبية، ومن أسرة الهند ـ آرية (الايرانية) وتمتد جذورها التاريخية إلى اللغة «الافستائية»، وهي اللغة التي دونت بها «الافستا» كتاب زرادشت المقدس.

واللغة الكردية لغة تركيبية جامدة، بمعنى أنها غير اشتقاقية كاللغة العربية، وكان الكرد يستعملون الابجدية الخاصة بلغتهم قبل الاسلام، ولكن بعد فتح المسلمين لبلاد ما بين النهرين وانتشار الاسلام، استعمل الأكراد الابجدية العربية في كتابة لغتهم، وحتى اليوم في كردستان العراق.

وتدين الاغلبية العظمى من أكراد العراق بالديانة الاسلامية، واغلبهم على المذهب السني الشافعي، وهم من أكثر المسلمين تمسكاً بالدين الاسلامي وتفهماً له وتفقهاً فيه، وقد ظهر بينهم كثير من الطرق الصوفية، مثل النقشبندية والقادرية، كما أسهم الكرد مساهمة فعالة في نشر تعاليم الدين الاسلامي، وشهد لهم في القتال من أجل إعلاء كلمة الله في ساحات القتال، وقد برز منهم القائد الإسلامي الشهير صلاح الدين الأيوبي.

وهناك طائفة من الكرد تعتنق «الكاكائية»، وهي كلمة كردية معناها «الأخوية» مأخوذة من كلمة «كاكا» وتعني الأخ، وهي كلمة يخاطب بها الأكراد بعضهم بعضاً، كما يعتنق بعض الكرد مذاهب دينية أخرى مثل الصارلية وغيرها. ويوجد كرد مسيحيون، وهناك أقلية يهودية كردية في العراق، هاجر الكثير منها إلى فلسطين المحتلة بعد العام 1948، وتشكل الآن جالية كردية هناك تعدادها نحو 100 ألف.

وتسمى العشائر الكردية «المجتمع الصغير»، وهي متكونة من جملة من الأسر المتماثلة ينتسب بعضها إلى أصل واحد أو من اسرة واحدة، وعلى كل عشيرة رئيس يسمى «الاغا»، يتم انتخابه في أول الامر، ثم يصبح فيما بعد وراثياً، إذ تنتقل الرئاسة من بعده إلى أبنائه إن دام حكمه لها، ويبقى أمره نافذاً عليهم.

أما أهم العشائر الكردية العراقية، فهي عشائر «الجاف» وتقطن في محافظة السليمانية، و«بلباس» وهي من العشائر الكبيرة وتقطن في اربيل والسليمانية، وزاخو في محافظة دهوك، والزيبار وتسكن بين عقرة والزاب الكبير، وهي عشائر كبيرة أهمها زيباري وبروان وبروار، وعشائر بارزان.

وهي من أشهر العشائر في كوردستان العراق، وتقع شمال نهر الزاب الكبير وجنوب جبل شرين، وعشائر الطالباني ويستقرون بين كركوك وخانقين، وعشائر زنكنة وسموا بهذا الاسم للدلالة على الغنى، وتقطن في محافظة كركوك.. وغيرها من العشائر الكردية.

في العهد الحديث

ظل العراق تحت السيطرة العثمانية زهاء اربعة قرون، وكانت الحركات العشائرية من اهم المشاكل التي واجهت الحكام العثمانيين الذين حاولوا بشتى الطرق والوسائل السيطرة عليها، وجمع الأموال عن طريق فرض الضرائب، لذلك اعتمدت الدولة العثمانية في تعاملها مع العشائر العراقية، سياسة من شأنها تفكيك النظام العشائري للحد من نفوذ شيوخها.

وقد بسط العثمانيون نفوذهم على المناطق الكردية في العراق، وعوملت عشائرها بنفس الأساليب التي اتبعها العثمانيون مع العشائر العربية، فقد اتبعوا سياسية «فرق تسد» لضرب العشائر بعضها ببعض، ما جعل العشائر الكردية في حالة تمرد دائم ضد السلطة العثمانية، كما ظلت ممتنعة عن دفع الضرائب وإعطاء المجندين.

وعلى الرغم من محاولات الدولة العثمانية فرض سيطرتها على الكرد، إلا انها لم تتمكن من ذلك، مما دفعها إلى اتباع سياسة تهجير القبائل الكردية.

وقد اختيرت ليبيا لتنفيذ هذه السياسة، حيث نفي العديد من الزعماء الكرد من قبيلة نهماوند إليها، وذلك بسبب الثورات المتوالية التي تقوم بها تلك القبيلة ضد العثمانيين، إلا أن مشروع توطين الكرد في ليبيا فشل، بسبب عدم قدرة زعماء النهماوند على الاندماج في المجتمع الجديد، وتعلق الكرد الشديد بوطنهم.

وفي الحرب العالمية الاولى عام 1914 انضم الكرد إلى تركيا، ما أدى إلى حدوث خسائر فادحة في صفوف الأكراد، شأنهم شأن بقية الشعوب الاخرى التي اشتركت في الحرب وتورطت فيها، ولكنهم بقوا مفيدين للأتراك في أداء المهمات التي كلفوا بها.

وبعد هزيمة العثمانيين وسقوط الامبراطورية العثمانية، أصبح العراق تحت الاحتلال البريطاني، وهنا حاولت تركيا استمالة محمود الحفيد (1881_1956) الذي كانت له مكانة دينية مرموقة بين صفوف الأكراد، إلى جانبها رغبة منها في إلحاق ولاية الموصل بالجمهورية التركية الحديثة، إلا أن الحفيد كانت له تطلعات قومية أخرى، فاتصل بالانجليز ووعدهم بالسيطرة على الحامية التركية التي كانت باقية في السليمانية، لقاء منحه امتيازات في إدارة شؤون المدينة، وتشكيل حكومة كردية برئاسته على ان تكون تحت ظل الانتداب البريطاني.

ونتيجة لهذا التعهد دخلت القوات البريطانية السليمانية، وتم تعيين محمود الحفيد حاكماً عليها، مع تعيين ضابط بريطاني كمستشار له.

وبدأ العمل في تشكيل الحكومة الكردية التي وعد الانجليز الحفيد بها، طبقاً لمعاهدة سيفر لعام 1919، حيث جاء في المادة 64 «إذا حدث خلال سنة من تصديق الاتفاقية ان تقدم الكرد القاطنون في المنطقة التي حددتها المادة 62 إلى عصبة الامم قائلين ان غالبية سكان هذه المنطقة ينشدون الاستقلال عن تركيا.

وفي حالة اعتراف عصبة الامم بأن هؤلاء اكفاء للعيش في حياة مستقلة، وتوصيتها بمنح هذا الاستقلال، فإن تركيا تتعهد بقبول هذه التوصية وتتخلى عن كل حق لها في هذه المنطقة».

البريطانيون يتنكرون لتعهداتهم

تنكر البريطانيون بنود معاهدة سيفر1919، ما حدا بالحفيد لإعلان الثورة على الحكم البريطاني، وقام بالسيطرة على مدينة السليمانية في 21 مايو 1919 وطرد القوات البريطانية في المدينة، وأسر عدداً من الضباط البريطانيين، وأعلن تشكيل الدولة الكردية وجعل نفسه ملكاً عليها، واتخذ لنفسه علماً خاصاً بدولته.

غير أن ذلك لم يدم طويلاً، حيث حشد البريطانيون قوة عسكرية كبيرة، تمكنت من إلحاق الهزيمة بقوات محمود الحفيد مع صهره ونفيهما إلى الهند وفي العام 1922 تمت إعادته من منفاه إلى السليمانية، بسبب الاضطرابات السياسية التي اعقبت نفيه.

تزامنت حركة محمود الحفيد في السليمانية مع حركة كردية أخرى في منطقة بارزان بقيادة أحمد برزاني (1892_1969)، الأخ الاكبر لمصطفى بارزاني، استناداً إلى المؤرخ العراقي عبد الرزاق الحسني، الذي يذكر أن هناك تقارير عن اتصالات بين احمد برزاني والفرنسيين، من اجل الحصول على الدعم ونيل الاستقلال، لكن فرنسا فضلت إثارة عدم الاستقرار في العراق، لكي تضمن استمرار وضع سوريا تحت انتدابها.

وفي ابريل 1931 رفع احمد برزاني طلباً إلى عصبة الامم حول منح الأكراد الحكم الذاتي، وفي العام 1932 شن الجيش العراقي مدعوماً بسلاح الجو البريطاني، هجوماً واسعاً على منطقة بارزان، واعتقل أحمد برزاني ونفي إلى السليمانية ثم إلى جنوب العراق. لكن الحركة استمرت بقيادة مصطفى برزاني الذي استطاع ان يفلت من منفاه في السليمانية، ليعود إلى منطقة بارزان عبر الاراضي الايرانية في 28 يوليو 1943.

وانضم اليه عدد من رجال القرى، لتندلع الشرارة الاولى لحركة مصطفى البرزاني في 2 اكتوبر 1943، واستولى على 17 مخفراً للشرطة. وكانت مطالب البرزاني تشكيل ولاية كردية تضم: كركوك، اربيل، السليمانية، زاخو، دهوك، العمادية، سنجار، خانقين، مندلي، واعتبار اللغة الكردية لغة رسمية في تلك الولاية.

واستمرت التمردات الكردية على الحكومات العراقية المتعاقبة وهي تطالب بالحكم الذاتي، إلى أن تمكنت من الحصول عليه عام 1973، حيث منح الأكراد في ثلاث محافظات شمالية عراقية (اربيل، دهوك، السليمانية) نظام الحكم اللامركزي، والاعتراف باللغة الكردية لغة رسمية في البلاد إلى جانب اللغة العربية.