هذا كتاب حافل بضروب الانتقادات التي يوجهها مؤلفه، وهو أستاذ جامعي في علم التاريخ وفي العلاقات الدولية، إلى سياسة وطنه عبر التاريخ القصير نسبيا للولايات المتحدة كدولة وكيان سياسي وهو تاريخ لا يتجاوز عمره الآن قرنين وثلث قرن من عمر الزمان المعاصر.

نبادر لنؤكد أننا نعرض لهذه الانتقادات السياسية بوصفها نوعا من النقد الذاتي وخاصة حين يتوقف المؤلف مليا عند هذا المنطلق الذي أصبح متواترا إلى حد التكرار في مضمار السياسة الأميركية ومؤدى هذا النقد ما يلي: إن أميركا جاءت إلى عالمها وعصرها حاملة رسالة خير إلى جموع الإنسانية.. وان هذه الرسالة تتمثل في حمل شعلة الحرية التي يجسدها في دنيا الواقع ذلك التمثال الشهير الذي يطالع الواصلين إلى ميناء نيويورك.

ولقد ظل الرئيس بوش يردد مقولته الشهيرة بأن «العناية الإلهية ما برحت تدعو أميركا أو تكلفّها بأن تضمن الانتصار النهائي لقضية الحرية وإن تلك «هي الرسالة التي أوجدت أمتنا على ظهر البسيطة».

والمشكلة فيما تمثله السطور السابقة ـ فلنقل المأساة ـ أن تلك كانت من المنطلقات التي دفعت بوش إلى اتخاذ قراره بغزو أرض العراق تحت شعار أطلقه الرئيس الأميركي وقتها ؟

ربيع عام 2003 وقال فيه دون أن يراجعه أحد: إن أميركا بغزوها للعراق ؟ إنما تؤكد من جديد على تراثها العظيم في حمل شعلة الحرية وإذكاء جذوتها(!) ولقد أوقدنا شعلة من نار في عقول البشر كي تدفئ وجدان الذين يشعرون بقوتها وتحرق الذين يقاومون رسالتها.. والمهم أن سيأتي اليوم الذي تصل فيه شعلة الحرية هذه إلى أقصى المواقع وأشدها قتامه وإظلاما في العالم.

المعتقدات الأخلاقية والمصالح المادية

هنا يلاحظ المؤلف أيضا أن الذين صاغوا مثل هذه الأقاويل والطروحات كانوا حريصين على التأكيد أن اشتعال نيران الحرية كما وصفوها يؤدي في وقت واحد إلى تحقيق المصالح القومية العليا للولايات المتحدة وإلى صون أمنها الوطني وسلامتها القومية.

ثم يعلق مؤلفنا قائلا (ص75) في هذا الخصوص: هكذا أصبحت مصالح أميركا الحيوية ومعتقداتها الجوهرية شيئا واحدا: وكان من شأن هذا المزيج بطبيعة الحال أن يفضي إلى تخويلها بالعمل بغير حدود على توسيع آفاق سلطاتها وتمكينها بغير نهاية من بسط وفرض نفوذها في أي مكان تختاره، مادامت تتصرف ـ بحكم التعريف ـ باسم الحرية ذاتها.

هل هذا الخط السياسي يعد من مخترعات جورج بوش أو فلاسفة إدارته؟

المؤلف يجيب بالنفي موضحا (ص 76 وما بعدها) أنه خط سياسي يمتد عمره عشرات العقود من السنين ومن ثم فهو مشحون بتجارب ودلالات تاريخية بعضها يرجع إلى ما قبل نشأة الولايات المتحدة نفسها.

ويمكن تقصي جذور هذا التيار السياسي إلى عام 1630 حين أهاب زعيم قديم اسمه «جون ونثروب» بالمستوطنين الأوائل بمنطقة ماساشوستس ان يشيّدوا «مدينة فوق الجبل» ـ أو إلى عام 1776 عندما أعلن المفكر السياسي «توماس بين» أنه بات بإمكان أميركا ـ في سنة إنشائها كدولة ـ أن «تعيد تأسيس العالم من جديد».

شعارات رونالد ريغان

لا يفوت المؤلف ـ ولا يفوتنا نحن أيضا ـ ملاحظة أن الرئيس الأسبق ريغان أعاد مثل هذه المقولات البليغة والمتفائلة إلى الحياة حين ظل يستعيرها ويستعيدها مرة ومرات خلال سنيّ ولايته التي امتدت إلى أواخر الثمانينات من القرن العشرين.

بيد أن المشكلة ؟ كما ينبّه مؤلف الكتاب ؟ هي أن تلك المقولات الرائعة لشعار الحرية ولرسالة أميركا الأخلاقية، هي وليس غيرها، التي جرى استغلالها مرارا وتكرارا لتشكل قوة الدفع الحافزة نحو التوسع الإقليمي..

على نحو ما حدث من رفع شعار تحرير كوبا ـ بالاستيلاء عليها في عام 1898 ـ حيث انتهت شعارات الحرية وشعلتها وجذوتها الأخلاقية إلى أن «أصبحت الولايات المتحدة إمبراطورية بحْرية امتد سلطانها ليشمل كل أرجاء نصف الكرة غربي المحيط الأطلسي».

ولقد ظلت هذه الشعارات بشأن رسالة الحرية تتردد على ألسنة رؤساء أميركا وقادتها طيلة حقبة الحرب الباردة.. بل أنها لقيت من يزودها بشحنات من المبالغات الدرامية التي أتاحتها ثورة الاتصال وتطور فنون الحشد والتلاعب الإعلامي، على نحو ما عاينه العالم مؤخرا من تأطير وتبرير وتزويق سياسات الرئيس بوش على شاشات قناة فوكس (ذات الميول الإسرائيلية) في الولايات المتحدة..

يقول المؤلف أيضا: ظلت قناة فوكس تعلن أنها تنطلق من مبدأ التغطية «النزيهة والمتوازنة» للشؤون العالمية.. بالضبط كما يمكن لمحلات الهامبورغر الشهيرة أن تعلن أن الأنشطة التجارية التي تمارسها ما هي سوى بيزنس تقديم البسمة كخدمة لصالح جمهور المستهلكين.. وتلك قناعات تنبع أساسا من هدف تحقيق المصالح الذاتية بالدرجة الأولى.

قال كلينتون وقال أوباما

في هذا السياق يورد المؤلف اقتباسين منسوبين إلى اثنين من أشهر وأبرز قيادات أميركا في الآونة الأخيرة: يصف الأول بأنه لبرالي ينتمي إلى الحزب الديمقراطي لم يكن له أي دراية بالسياسة الخارجية ولكنه استطاع تدريب نفسه من أجل الوصول إلى البيت الأبيض.. كان ذلك في عام 1991 ويومها قال حاكم أركنساس، الولاية الصغيرة شبه المجهولة.

وكان اسمه بيل كلينتون: كان علينا (بعد الحرب العالمية) أن نعيد بناء أوروبا وآسيا وأن نشجع قيام حركة عالمية نحو الاستقلال، وأن نترجم مبادئنا إلى حقائق تشمل العالم كله حيث نناضل لإقرار الديمقراطية اللبرالية بوجه التحدي الديكتاتوري.. وبفضل شجاعة وصمود وتضحيات الشعب الأميركي استطعنا أن نفوز في تلك الحرب الباردة.

هنا يورد المؤلف تعليقا انتقاديا لا يخلو من طرافة عندما يلاحظ تكرار استخدام لفظة «نحن» على لسان كلينتون قبل رئاسته وأثنائها وكأنه كان مشاركا في جهود الفوز في الحرب الباردة.. يقول البروفيسور باسيفتش: رغم أن كلينتون نفسه لم يفعل أي شيء على الإطلاق من أجل الانتصار بالحرب الباردة بل أنه بذل جهوداً حثيثة ودؤوبة كي يتجنب الخدمة العسكرية ؟

إلا أنه من خلال تكرار استخدام ضمير «نحن» استطاع أن يضع نفسه ضمن ذلك السياق التاريخي للرسالة الأميركية نحو الحرية. نفس التعبير الذي يقول بما يلي: لقد صمدنا وحاربنا في سبيل.. كذا..

وكذا. هذا التعبير عمد إلى استخدامه بعد كلينتون بنحو 16 عاما ـ سياسي أميركي آخر أصبح يعرف الآن باسم الرئيس «باراك أوباما» الذي ظل بدوره منذ أيام حملته الانتخابية (ص80) يكرر الحديث عن «نحن» وعن «كفاحنا».. وعن «القيم التي دافعنا عنها».. مرددا أسماء رؤساء سابقين ما بين لينكولن إلى كينيدي وما بين روزفلت إلى ترومان.

والمحصلة من هذا كله هو أن الشعارات الإيديولوجية ما برحت تخدم الأهداف والذرائع السياسية وخاصة حين يلجأ رجل السياسة ؟ المتطلع إلى تجميع أصوات الناخبين ؟ إلى رفع أهم وأخطر تلك الشعارات.. وهو الشعار الأثير الذي يقول: أمننا الوطني.

حكاية الصقر ولفوتز

ولقد بلغ من أمر تكريس هذه النوعية من الشعارات الحد الذي دفع مؤلفنا إلى التوقف مليا عند شخصية كانت مؤثرة إلى حد لا ينكر من حيث الأهمية والفعالية في رسم السياسة العسكرية والخارجية لإدارة بوش.

تحدث مؤلف الكتاب عن بول ولفوتز: كان من صقور الإدارة المذكورة حين التحق بصفوفها نائبا لوزير دفاع لم يقل عنه شراسة واندفاعا اسمه دونالد رامسفيلد.

وكان ولفوتز من قيادات الفصيل الذي ملأ أميركا والعالم خلال 8 سنوات خلت.. تعصبا وترويعا تحت شعارات ما أشد غرابتها.. ما بين فرض الديمقراطية إلى «الفوضى المنظمة» إلى إعادة ترتيب العالم.. إلى آخر تلك المقولات التي جاءت بها أفواج ذلك الفصيل الذي مازال يعرف باسم «المحافظين الجدد».

في كلمة واحدة يوضح المؤلف أن أيديولوجية الأمن القومي تحولت في ذهن لفوتز لتصبح بديلا عن الديانة التي يعتنقها، وبمعنى أن الرجل كان يعتقد بعمق وبحق (إلى حد التعصب) بدور أميركا الذي ألمحنا مع مؤلفنا إلى مضمونه وأبعاده، وهو دور حامل مشغل الحرية.. ينشر نيرانها في كل مكان.. ثم يواصل المؤلف الحديث ليقول أيضا: ظل ولفوتز (وأمثاله) يتصورون أن أميركا تتمتع بقوة وهيلمان واسع النطاق ولا تحده حدود.. ولم يتورع الرجل عن وضع هذه القوة ؟ الجبروت موضع التنفيذ..

وربما زاد من هذه النزعة ما تصوره من أن فوز أميركا في مضمار الحرب الباردة أصبح يؤهلها لكي تحتل أعلى موقع من حيث السيطرة والهيمنة على مقاليد العالم الذي تعيش فيه.. وكان يقول أن تلك القدرات العظمى التي تتمتع بها الولايات المتحدة.. «تتيح لها ولنا العمل على تشكيل المستقبل».

والمشكلة ـ كما يحلل المؤلف ـ أن هذه العملية من تشكيل المستقبل ـ كان محورها عند هذا الفصيل من أركان إدارة بوش هو استخدام القوة العسكرية.. وكان الهدف الذي توخاه نائب وزير الدفاع ولفوتز من حرب العراق هو «إرساء معايير جديدة تنظم استخدام القوة».

هنا أيضا يضيف المؤلف قائلا (ص117): كان هدف عملية العراق المعلن هو إزالة أسلحة الدمار الشامل، والإطاحة بحاكم ديكتاتور وبدء تجفيف منابع «مستنقع الإرهاب» لكن الهدف الحقيقي كان يتمثل بالأساس في إزالة أي قيد وكل قيد يحول دون استخدام القوة المسلحة من جانب الولايات المتحدة.

عصبة الحكماء في واشنطون

مثل هذه الأهداف، دفعت ولفوتز وأنداده في دوائر السياسة والعسكرية في واشنطون إلى الدعوة إلى ما وصفوه بأنه «الدفاع الإستباقي عن النفس».. وكان ذلك نوعا من الاستعارة أو الكناية عن الحرب الوقائية واستباحة الضربة الأولى.

وفي كل حال ـ يؤكد المؤلف ـ فقد دخل القوم في معمعة حرب بغير نهاية (ص119). وقد خاضوها انطلاقا من مبدأ ـ أو مذهب ـ بوش الذي يمثل أخطر مبادرة في مجال الأمن القومي الأميركي منذ افتتاح «مشروع مانهاتن» الشهير الذي أسفر عن صنع أول قنبلة ذرية (في التاريخ).

ويضيف المؤلف قائلا: ولا حاجة للتأكيد بأن إدارة بوش لم تلتمس موافقة في هذا الخصوص من جانب الكونجرس، ولا حاولت السير ضمن الآليات المتعارف عليها من مشاورة قطاعات الشعب الأميركي..

وقصارى الأمر أن التأم عقد مجموعة من الرجال «العقلاء» * أو هم عصبة من الحكماء ؟ يقودهم نائب وزير الحرب ولفوتز هم الذين رأوا أن ثمة فرصة تتيح تثوير سياسة الأمن القومي لواشنطون.. ساعتها لم يضيعوا وقتا لانتهاز تلك الفرصة فكان أن باعوا للرئيس (بوش) مزايا أفكارهم وبعدها انطلقوا إلى تنفيذها بالأمر المباشر كما يقولون:

كانوا يتصورون ـ في رأي المؤلف ـ أن العراق لقمة سائغة.. هو كعكة لذيذة الطعم تدعو إلى الالتهام بمعنى الانتصار الحاسم السريع.. ولقاء ثمن حسبوه بسيطا أو زهيدا خاصة بعد سنوات ضعف النظام في بغداد جراء العقوبات المفروضة دوليا في أعقاب حرب الكويت.

لكن أسفرت تطورات الأحداث عن الأزمة المستفحلة التي واجهتها أميركا في العراق.. ودفع الشعب الأميركي الثمن.. وكان لابد أن يدفع كما يتصور مؤلف الكتاب.. لماذا؟ لأنه سمح بتكريس قدر هائل من السلطة في أيدي رئيس الجمهورية.. وسمح لممثليه ونوابه في مجلسي الكونجرس أن يعيشوا حالة من استضعاف السلطة التشريعية أمام السلطة التنفيذية، وسمح لمجموعة متنفذة في داخل بيروقراطية الحكم بأن تتخذ قرارات سوبر ؟ خطيرة تحت شعار الأمن القومي.

أخيرا يقول مؤلف الكتاب: لقد سمحوا باختطاف ديمقراطيتهم. والمشكلة أن المختطفين لا يعيدون ما اختطفوه طواعية أو عن طيب خاطر.

تأليف: أندرو باسيفتش

الناشر: مترو بوليتان بوليسي، نيويورك، 2009

عرض ومناقشة: محمد الخولي

عدد الصفحات: 210 صفحة