نظرية التوارث في حالة الديون العامة أو الديون القومية ظلت نظرية غير مستقرة في التجارب التاريخية. فمن تلك التجارب، مثلاً، رفض تكساس عند انفصالها عن المكسيك في عام 1840م الالتزام بديون الأخيرة بما في ذلك ما أنفقته تلك الدولة على تكساس. بدلاً عن ذلك اكتفت تكساس بمنح المكسيك تعويضاً على سبيل الهبة (ex gratia).

وفي حالة انفصال دولة أيرلندا الحرة (Irish Free State) عن المملكة المتحدة في عام 1921 اتفق الطرفان على أن يتم اقتسام الديون على أساس منصف وعادل (Fair and equitable). أما تجربة اقتسام الديون بين الهند وباكستان عقب انسلاخ باكستان عن الهند، فقد كانت فريدة: اتفق الطرفان على أن تستمر الهند في تحمل كل الديون الخارجية على أن تصبح الديون المثبت إنفاقها في الباكستان ديناً للهند على باكستان.

من جهة أخرى، ارتضت حكومة ألمانيا الاتحادية في اتفاقية توحيد الألمانيتين (المادة 23) أن تتولى جميع ديون ألمانيا الديمقراطية، ولربما كان ذلك هو الثمن الذي دفعه المستشار الألماني هيلموت كول الاتحاد السوفيتي لييسر ضم الألمانيتين، خاصة وأغلب ديون ألمانيا الديمقراطية تعود إلى الاتحاد السوفيتي.

عدم الاستقرار

عدم استقرار القانون في هذا المجال دفع الأمم المتحدة للاهتمام بقضية التوارث بين الدول منذ عام 1961 عندما طلبت الجمعية العامة من لجنة القانون الدولي (International Law Commisson) إعداد دراسات حول الموضوع.

وعلى مدى سنوات أعدت اللجنة تقارير ثلاثة أشرف عليها ثلاثة من مقرري اللجنة: السير همفري والدوك والسير فرانسيس فالات البريطانيان، ومحمد بيجاوي الجزائري. هذه التقارير أصبحت أساسا لمقررات مؤتمر فيينا حول التوارث (1978) والذي دخل في حيز التنفيذ في نوفمبر 1996.

وبما أن تلك الاتفاقية لم تستوفِ في البحث قضية الديون دعت الجمعية العامة إلى عقد مؤتمر آخر في فيينا أفضى إلى اتفاقية فيينا حول توارث الدول للديون والأصول والأرشيف (1983). ورغم أن تلك الاتفاقية لم تدخل بعد إلى حيز التنفيذ لعدم اكتمال التوقيعات المطلوبة لسريانها إلا أنها أرست قاعدتين مهمتين.

الأولى هي قاعدة اقتسام الدين العام إذ نصت على ما يلي: «عندما ينفصل جزء من دولة لتكوين دولة أخرى، فإن الديون الرسمية لتلك الدولة تؤول للدولة التي خلفتها بنسبة عادلة تأخذ في الاعتبار، على وجه الخصوص، الأصول الموروثة والحقوق والفوائد التي اكتسبتها تلك الدولة من الدولة السالفة» (المادة 40) كما نصت على أن يتم ذلك الاقتسام عبر اتفاقية بين الدولتين.

القاعدة الثانية تتعلق بفض النزاع بين الأطراف في حالات الاختلاف. في ذلك تقول الاتفاقية (المادة 41): «في حالة أي خلاف حول تفسير أو تطبيق هذه الاتفاقية بين طرفين أو أكثر يمكن، بطلب من أي منهم، اللجوء إلى التشاور والمفاوضات».

كما تقول المادة (43): «إذا لم تتمكن الأطراف من حل النزاع خلال ستة أشهر من تقديم الطلب للتفاوض حسب ما نصت عليه الاتفاقية، فيمكن لأي طرف منهم اللجوء إلى إجراءات التوفيق المنصوص عليها في ملحق الاتفاقية بتقديم طلب للأمين العام للأمم المتحدة وإخطار الطرف الآخر بذلك».

وتلزم الاتفاقية الأمين العام باختيار قائمة من القانونيين ذوي الكفاءة ليكِّونوا فريقاً من المحكمين يتم الاختيار من بينهم من يرتضيه الطرفان لفض النزاع.

ثلاثة مبادئ

المسألة إذن، تحكمها مبادئ ثلاثة: فيم أنفقت الديون؟ وما الذي غنمه كل طرف من استخدامها؟ ثم القسمة العادلة المنصفة للديون التي حققت نفعاً مشتركاً. وإذا نظرنا إلى ديون السودان التي تراكمت حتى بلغت ما يربو على الواحد والثلاثين ملياراً من الدولارات نجد أن حجماً كبيراً منها قد ذهب إما للبنى التحتية في شمال السودان، أو الإنفاق الحربي.

ولا شك في أن ثمة ديوناً تعود إلى مشروعات لم تكتمل، أو بالأحرى لم تقم أبداً في الجنوب، مثل الديون على مشروعي منقلا وملوط للسكر، وديون أخرى تتعلق بالسكك الحديدية (بابنوسة، أويل، واو) أو بمنشآت إنتاج البترول.

أما الديون العسكرية فهي الأكثر إحراجاً للحكومة، إذ لا يتوقع من الجنوب تحمل التكلفة المالية للحرب التي ظلت تدور رحاها على أرضه، كما أن إثارة الأمر قد يقود إلى حديث حول اقتسام الأصول العسكرية: الصناعات الحربية.

تلك هي المشاكل التي سيكون فيها نظر والتي يجب أن يتفرغ لها فريق من الباحثين الخبراء يستهدون بالحقائق على الأرض، على أن يتم ذلك العمل بشفافية كاملة.

تراني لم اذكر شيئاً عن الأرشيف القومي الذي أوردته اتفاقية فينا إلى جانب الديون، لأن طرفي الاتفاقية لم يضمناه صراحة في المجالات السبعة التي اختارا للحوار بينهما حول قضايا ما بعد تقرير المصير، إلا إن حُسب ذلك ضمنا بين تقدير الأصول.

الاحتياطي النقدي

تقوم الدول، عبر مصرفها المركزي، ببناء احتياطي نقدي يمثل نسبة مئوية معينة من الأموال المودعة لديه. الهدف من ذلك الاحتياطي هو التأمين ضد المخاطر المالية المرتقبة وحماية المصدرين من تدهور العملات. ويستمد البنك المركزي قوته من احتكاره لإصدار العملة في البلد المعين، وهيمنته على وضع وتطبيق السياسة النقدية.

هذا الدور يمارسه بنك السودان اليوم في الشمال والجنوب بحسبانه المسؤول عبر القطر عن تطبيق السياسة النقدية التي تشمل تأمين استقرار الأسعار، المحافظة على استقرار سعر الصرف، كفاءة النظام المصرفي، إصدار العملة (الفقرات 14-3 إلى 14-5 من بروتوكول اقتسام السلطة).

ولا شك في أن وضع ذلك الاحتياطي سيتأثر تأثراً بالغاً بما سيتم الاتفاق عليه بين الطرفين حول اقتسام عوائد النفط، إذ يعود 95% من ذلك الاحتياطي للنفط. وفي حالة تقلصه سيؤدي هذا لا محالة إلى تدهور في قيمة العملة المحلية.

ما الذي سيحدث في السودان إن قرر الجنوب إصدار عملته الخاصة كما فعلت إريتريا بإصدار العملة الاريترية (النقفة) كبديل للعملة الإثيوبية (البِر) والتي كان هو أيضا العملة المتداولة في إريتريا قبل استقلالها؟ التجربة الإثيوبية الاريترية تُفيد أن المشكلة الكبرى التي أدت للخلاف بين البلدين قبل انفجار موضوع الحدود، كانت هي اقتسام احتياطي العملة الصعبة.

يُجدي، إذن، النظر إلى تجارب الدول في التعاون النقدي، إما في حالات انفصال دولة عن دولة، أو رغبة دولتين أو أكثر في توحيد عملاتها. نموذج كويبك، رغم أنه نموذج نظري، حرية بالاعتبار. فعند مناداتها بالانفصال عن كندا أبدت كويبك الرغبة في الاستمرار في التعامل بالدولار الكندي. ورغم أن الانفصال بين كويبك وكندا لم يتحقق، أو بالأحرى سقط كخيار عند الاستفتاء، يظل إبداء كويبك الرغبة في الإبقاء على الدولار الكندي بعد الانفصال تجربة حرية بالاعتبار.

ويبقى السؤال: هل سيوفر الإبقاء على الجنيه السوداني كعملة متداولة في الشمال والجنوب ما كان أهل كويبك يتوقعونه من الدولار الكندي؟.

أما تجربة الاتحادات النقدية (Monetary unions) والتي تعتبر النموذج الأمثل لها التجربة الأوروبية فهو نظام معقد يتطلب تخلي الدولة ذات السيادة عن عملتها، وتبني عملة جديدة تتفق عليها الأطراف.

كما حدث في حالة الاتحاد النقدي الأوروبي (European Monetary Union)، أو ما يسعى اتحاد دول الخليج لتحقيقه بتعثر شديد بسبب غيرة الدول ذات الاقتصادات الأكبر على عملاتها. نجاح التجربة الأوروبية يعود إلى عوامل مهمة على رأسها أن الاتحاد النقدي تم بين دول ذات سيادة لها هياكلها المصرفية المستقرة، وأسواقها المالية الواسعة.

ونظمها السياسية الثابتة، ثم أنها، رغم حروبها العديدة، تبنت جميعاً نظاماً سياسياً واحداً (الديمقراطية الليبرالية)، ونظاماً اقتصاديا مشتركاً (السوق الحر). هذه هي الاعتبارات التي مكنت دول الاتحاد الأوروبي من تبني نظام يقوم على إلغاء العملات الوطنية (باستثناء بريطانيا)، ويرتضي مركزية السلطة النقدية وجماعية القرار فيها.

تداعيات الانفصال

بلغ الدين الخارجي للسودان في عام 2006م سبعة وعشرين (27) ملياراً من الدولارات، ثم ارتفع إلى واحد وثلاثين ملياراً وتسعمائة مليون (9, 31) دولار في هذا العام. ونعني بالدين الخارجي الدين العام والخاص على السودان الذي يخص الأشخاص غير المقيمين، ويتم سداده بالعملة الصعبة أو السلع أو الخدمات.

يشمل ديون الدائنين متعددي الأطراف مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، أو دائني نادي باريس، أو ديون البنوك التجارية الأجنبية، إلى جانب ديون الموردين الأجانب.

وحسب آخر تقرير مشترك أصدره صندوق النقد الدولي والبنك الدولي لا يتعدى أصل الدين الأربعة عشر (14) مليار دولار، في حين يتعلق باقي المبلغ، أي سبعة عشر ملياراً وتسعمائة مليون (9,17) دولاراً بفوائد الديون والجزاءات على التأخير في، أو عدم، الالتزام بالسداد.

أشار التقرير أيضاً إلى أن مديونية السودان الخارجية التي ازدادت بصورة ملحوظة في السنوات الأخيرة تنقسم إلى: (32) % لدول نادي باريس، (37) % للدول غير الأعضاء في نادي باريس، (16) % للمؤسسات المالية الدولية، 12 % للبنوك التجارية العالمية و3 % للموردين الأجانب. من جانب آخر، أبان التقرير أن هذه الديون الخارجية تمثل 284 % من الصادرات مقارنة ب150 كمؤشر عالمي مما يؤكد صعوبة الاستدانة لتزايد نسبة الفوائد والجزاءات لعدم السداد.

ما هو الموقف بالنسبة لهذه الديون؟ بصورة عامة، يُلزم القانون الدولي، بحسب قانون التوارث بين الدول (law of state succession) الدولة الجديدة بوراثة الالتزامات الخارجية القانونية للدولة القديمة مثل الاتفاقيات الدولية، والاتفاقيات الإقليمية، وتلك مع دول الجوار مثل اتفاقيات الحدود.

هذا الالتزام العام لا يسري تلقائياً على الديون. فنظرية التوارث في القانون الدولي لا ينطبق عليها ما ينطبق على نظرية الوراثة في القانون الخاص التي تقضي أن يحل الوارث تلقائياً محل الموروث في الحقوق والالتزامات. الحقوق والالتزامات مثل الديون القومية تخضع للتقويم حتى يكون الغُرم بقدر الغَنم، كما تقول الشريعة.

لذلك، من الضروري تصنيف الديون بحيث يمكن تحديد الكيفية التي تم بها الحصول على الدين، وأهم من ذلك فيمَ وكيف أنفق الدين.