قد تنهار إحدى الإمبراطوريات العالمية بصورة مفاجئة وسريعة، وبشكل لا يتصوره أحد من المؤرخين. وبالنسبة للولايات المتحدة هناك مجموعة من المشكلات التي تواجه الرئيس الحالي باراك أوباما التي تشمل العجز المالي، والتمدد العسكري المبالغ فيه، التي تفترض بأنها ستكون الإمبراطورية التالية التي ستترنح على شفير الهاوية، قبل أن تسقط.
وخير مثال على دورة حياة القوى العظمى سلسلة من خمس لوحات تحمل عنوان «مسار إمبراطورية»، رسمها الفنان الأميركي توماس كول، الذي يعتبر أحد رواد لوحات المناظر الطبيعية الأميركية في القرن التاسع عشر. وفي هذه اللوحات يصور كول بصورة رائعة نظرية صعود وأفول الإمبراطوريات.
وفي عصرنا الحديث، غالباً ما يتم إبراز التحدي الاقتصادي الذي يواجه الولايات المتحدة، في الوقت الحالي، على شكل تهديدات على المدى الطويل. فالذي يدفع لإغراق العمليات المالية الخاصة بالتمويل العام هناك، بصورة أعمق، هو الزحف السكاني البطيء، الذي تزيد نسبة المتقاعدين فيه على نسبة العاملين.
وليس السبب السياسة الحالية المتبعة هناك. ويتوقع السيناريو المالي البديل الذي قدمه مكتب الميزانيات التابع للكونغرس، والذي يأخذ في الحسبان التغيرات المحتملة في السياسة الحكومية، ارتفاع الديون الأميركية العامة من نسبة 44% قبيل الأزمة المالية، إلى نسبة مذهلة تبلغ 716% بحلول العام 2080.
وفي السيناريو الأساسي الموسع الذي قدمه مكتب الميزانيات، الذي يفترض استمرار السياسات المالية الحالية، فإن النسبة ستقارب 280%. ويصعب تحديد النسبة الصحيحة منهما. والسؤال المطروح هو: هل يوجد أي عضو في الكونغرس يرغب في خفض المستحقات المالية، أو زيادة الضرائب، لتجنب أزمة لن تبلغ ذروتها إلا بعد فترة طويلة، أي عندما يبلغ أطفال اليوم سن التقاعد؟
وبالمثل، عندما يتعلق الأمر بالاقتصاد العالمي، يبدو أن عجلة التاريخ تتحرك ببطء، تماماً كطاحونة المياه في أوج الصيف. وتفترض بعض التقديرات أن الناتج المحلي الإجمالي للصين سيتجاوز نظيره الأميركي بحلول عام 2027.
وتشير تقديرات أخرى إلى أن ذلك لن يحدث قبل عام 2040. وبحلول عام 2050، يفترض أن يلحق اقتصاد الهند بالاقتصاد الأميركي، أيضا. ولكن بالنسبة لكثير من المحللين فإن هذه التغيرات الكبرى في توازن القوى الاقتصادية تبدو بعيدة المنال كثيرا، بالمقارنة مع الإطار الزمني القصير لنشر القوات الأميركية في أفغانستان، ومن ثم سحبها منها، حيث تعد الوحدات الحسابية بالأشهر، وليس بالسنوات، ناهيك عن العقود.
ومع ذلك، قد يخطئ هذا الإطار التصوري الكامل، في الواقع. فالتمثيل الفني للرسام كول، الذي يبرز ميلاد إمبراطورية، ثم نموها وازدهارها، وأفولها في نهاية المطاف، يعتبر تمثيلا خاطئا للعملية التاريخية. ما الذي يحدث لو لم يسير التاريخ بصورة دائرية، بل تعاقبت أحداثه بوتيرة سريعة وغير منتظمة؟
وتكون أحداثه ثابتة في بعض الأحيان، لكنها قادرة على التسارع بصورة مفاجئة، تماماً كسيارة السباق؟ وما الذي يحدث لو لم يقع الانهيار عبر عدد من القرون، وإنما أتى فجأة، وبدون مقدمات، كاللص الذي يظهر في الليل؟
أود الافتراض أن القوى والإمبراطوريات العظمى هي عبارة عن أنظمة معقدة، مؤلفة من عدد كبير من المكونات المنتظمة بصورة متماثلة. وهذا يعني أن بنيتها أشبه بتل النمل الأبيض وليس بالهرم المصري. وهي تعمل بصورة تقع بين العمل المنظم وغير المنظم، أي عند حافة الفوضى، بحسب تعبير عالم الكمبيوتر الأميركي كريستوفر لانغتون. ويمكن لمثل هذه الأنظمة أن تعمل بصورة ثابتة تماماً في بعض الأوقات.
وتبدو في حالة توازن، وتتكيف مع الواقع باستمرار. غير أنه قد تأتي لحظة يصبح فيها وضع هذه الأنظمة حرجا. فأي حافز بسيط قد يحول الوضع الانتقالي لنقطة التوازن الهادئة إلى نقطة التأزم، فحفنة من الرمال قد تسبب انهيار كومة كاملة منه، أو قد ترفرف فراشة بجناحيها في غابات الأمازون، وتسبب هبوب إعصار في جنوب شرق إنجلترا!
بعد حدوث الأزمة المالية العالمية بوقت قصير، وصل المؤرخون إلى مسرح الأحداث. وهم عبارة عن مفكرين اختصاصيين بدراسة الأحداث غير المتوقعة، كنشوب الحروب، والثورات، وحدوث الأزمات المالية، وانهيار الإمبراطوريات. غير أن المؤرخين غالباً ما يسيئون فهم التعقيد خلال محاولتهم تفسير الأحداث. ويتم تدريبهم على تفسير الكوارث بأسباب على المدى الطويل، غالباً ما يعود تاريخها إلى عقود سابقة.
وأكثر ما يهمنا في هذا الشأن أنه في تلك الأنظمة المعقدة، فإن أقل صدمة قد تسبب إخلالا غير متكافئ، ربما يكون فادحا. وكما يشير الخبراء، فإنه بحلول العام 2007، نما الاقتصاد العالمي بدرجة كبيرة، وأصبح شبيها بشبكة كهربائية مفرطة المثالية. وأدى العجز في الرهونات العقارية الثانوية إلى تدافع مالي صغير نسبياً في الولايات المتحدة، أفقد الاقتصاد العالمي بأكمله اتزانه المالي. وهذا التطور هدد لوهلة قصيرة بحدوث انهيار كامل في التجارة العالمية.
لكن إلقاء اللوم في ذلك على السياسة غير المنظمة في عهد الرئيس الأميركي جورج بوش مجاف للحقيقية، فهناك آثار وتبعات تعود لعقود سابقة مهدت لذلك. وبغض النظر عما إذا كانت الإمبراطورية دكتاتورية، أو ديمقراطية، فإن أي كيان، أو وحدة سياسية، يكون عبارة عن نظام معقد.
فمعظم الإمبراطوريات أو الدول العظمى لديها سلطة مركزية مؤلفة من إمبراطور نقلت إليه السلطة بالوراثة، أو رئيس منتخب. ولكن، عمليا، فإن سلطة أي حاكم عبارة عن مهمة، أو دور يتألف من سلسلة من العلاقات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي يترأسها. وبالمثل فإن الإمبراطوريات تظهر العديد من السمات والخصائص المميزة لأنظمة معقدة ومكيفة أخرى، من ضمنها الميل للانتقال من حالة الاستقرار إلى حالة عدم التوازن بصورة مفاجئة.
ولكن نادراً ما تميز هذه الحقيقة في الواقع، بسبب الإدمان الجماعي على النظريات التي ترتكز في تفسير التاريخ على مفهوم الدورة، أي تعاقب الأحداث بصورة دائرية.
وبالطبع فإن أحدث مثال مألوف على الانهيار المفاجئ للإمبراطوريات والدول العظمى هو انهيار الاتحاد السوفييتي. فمن خلال مزية الإدراك الذي يأتي بعد فوات الأوان، تتبع المؤرخون كل أنواع التفسخ ضمن النظام السوفييتي، الذي يعود لعهد الرئيس السوفييتي الأسبق ليونيد بريجنيف، وما تلاه.
وربما كانت أسعار النفط المرتفعة في سبعينات القرن الماضي، كما جادل العالم السياسي ستيفن كوتن، هي فقط المسؤولة عن ذلك. لكن الأمر لم يظهر كذلك في ذلك الوقت.
ففي مارس 1985، عندما أصبح ميخائيل غورباتشوف الأمين العام للحزب الشيوعي السوفييتي، قدرت وكالة المخابرات المركزية الأميركية الاقتصاد السوفييتي بأنه يضاهي تقريباً 60% من الاقتصاد الأميركي، ولم يكن أحد يعرف أن هذه التقديرات كانت خاطئة. غير أن الترسانة النووية السوفييتية كانت أضخم في الواقع من المخزون النووي الأميركي، في ذلك الوقت. وكان العالم الثالث، بدءاً من فيتنام، وانتهاء بنيكاراغوا، منحازاً للاتحاد السوفييتي، في معظم القضايا التي حدثت في غضون عقدين من الزمن.
ومع ذلك، وفي أقل من خمس سنوات من استلام غورباتشوف للسلطة، تداعت الجمهوريات السوفييتية في وسط وشرق أوروبا، تلاها انهيار الاتحاد السوفييتي نفسه في عام 1991. وإذا تصادف سقوط إمبراطورية من فوق منحدر صخري، بدلاً من أن تهوي تدريجيا، فلا بد أن تكون الإمبراطورية التي أسسها لينين حتما.
وليس من قبيل الصدفة أن ينسحب الاتحاد السوفييتي من أفغانستان في سنة العجائب 1989. فالذي حدث قبل عقدين من الزمن يعتبر تذكاراً بأن الإمبراطوريات لا تظهر، في الواقع، وتصل إلى الذروة، ثم تضمحل، وتسقط، بحسب بعض دورات الحياة المتكررة والمتوقعة.
فالمؤرخون هم الذين يصورون بأثر رجعي عملية تفكك الإمبراطوريات بصورة بطيئة، ولأسباب متعددة، بدلا من أن تسلك الإمبراطوريات سلوكاً شبيها بسلوك الأنظمة التكيفية المعقدة. وتعمل هذه بصورة متوازنة ظاهرياً لوقت غير معلوم، ثم تنهار بصورة فجائية تماما.
ولا يكون الانتقال من مرحلة الدخول إلى الفناء ثم التحلل، منتظما، بل فجائيا. وأكثر الأمثلة توضيحاً للطريقة التي تنهار فيها الأنظمة المعقدة التركيب، هو الملصق الإعلاني القديم، ففي أحد الأوقات يكون رائجا، ومنتشراً بصورة واسعة في حجرات القطار، وفجأة تجد أنه ما من أحد يبالي به، ويندثر دون أن يترك أثراً يعلق في الذاكرة.
أفضل الحكومات تحمل بذور فنائها
لقرون عدة، ظل المؤرخون والمنظرون السياسيون وعلماء الإنسانيات والجمهور العام، يميلون للتفكير بالإمبراطوريات بمصطلحات دورية وتدريجية. وقد أشار الفيلسوف السياسي البريطاني هنري جون في كتابه «أفضل الحكومات تأسيساً»، الذي نشره عام 1738، إلى أن تلك الحكومات تحمل معها بذور فنائها. فعلى الرغم من أنها تنمو وتتحسن مع الأيام، لكنها سرعان ما تميل للتفكك بصورة واضحة. فكل ساعة تعيشها تنقص من عمرها ساعة أخرى.
ويعتبر كتاب «نهوض وسقوط القوى العظمى»، للمؤلف بول كنيدي، مثالا آخر على التاريخ الدائري، أي الذي يتحدث عن أحداث تقع بصورة دائرية على مر التاريخ، على الرغم من مبالغته في إيراد الجداول الإحصائية، التي تبدو للوهلة الأولى على نقيض بعض النظريات الكبرى.
وفي نموذج كنيدي تنهض القوى العظمى وتسقط بحسب معدلات نمو قواعدها الصناعية، وتكلفة التزاماتها الإمبراطورية بالمقارنة مع ناتجها المحلي الإجمالي. وكما تشير سلسلة «مسار إمبراطورية» للفنان الأميركي توماس كول، فإن التوسع الإمبريالي يحمل بذور فنائه المستقبلي.
ويشير كتاب كنيدي إلى أنه في حال توسع أي دولة استراتيجيا بصورة زائدة عن الحد، فإنها تواجه خطر النفقات الكبرى لذلك التوسع الخارجي قد تفوق كثيرا فوائده المحتملة.
ويشير كنيدي إلى أن ظاهرة التوسع الإمبريالي هذه شائعة لدى القوى العظمى كافة. وفي عام 1987 عندما نشر كتاب كنيدي، شعرت الولايات المتحدة بالقلق من تعرضها أيضاً لهذه الآفة. وليس بالضرورة أن تبطل هذه الفرضية لمجرد أن الاتحاد السوفييتي سقط أولاً.
عناصر موضوعية وراء نجاح المجتمعات وفشلها
في عصرنا الحديث، ألهب عالم الإنسانيات جيرد دايموند، الخيال بنظريته الكبرى عن صعود وسقوط الإمبراطوريات والدول العظمى. ويعتبر كتابه، الذي نشره عام 2005 تحت عنوان «الانهيار: كيف تختار المجتمعات أن تنجح وان تفشل»، تاريخاً دورياً لما يسمى ب «عصر الخضر».
ويسرد فيه روايات عن المجتمعات السابقة، بدءاً من جزيرة ايستر في القرن السابع عشر، وانتهاء بالصين في القرن الحادي والعشرين. ويتحدث عن المجتمعات فيها وكيف خاطرت، أو تخاطر الآن، بتدمير نفسها من خلال إساءة استعمال بيئاتها الطبيعية. ويقتبس دايموند عبارة المستكشف الأميركي وعالم الآثار جون لويد ستيفن، الذي اكتشف الانقراض المخيف لمدن المايا في المكسيك.
حيث يقول: «كانت تقبع هنا بقايا شعب مثقف، ولامع، ومألوف، يمر بكل المراحل التي تسببت بصعود وأفول الشعوب، ووصل إلى عصره الذهبي، قبل أن يهلك».
ويشير دايموند إلى أن شعب المايا سقط في المصيدة الكلاسيكية، حيث زاد عدد أفراده بصورة تزيد على نظامه الزراعي الهش وغير الفعال، بحيث لم يستطع إعالتهم. فمزيد من الناس يعني مزيد من فلاحة الأرض وإجهادها، وهذا يعني إزالة الغابات، وجرف التربة، والجفاف.
ويحذر دايموند بأن العالم قد يسير على نهج المايا. ولا شك أن هذه رسالة مهمة. ولكن من خلال استعراض نظرية التاريخ الدوري، فإن الهلاك يعيد إنتاج الخلل في المفاهيم.
وارتكب دايموند خطأ التركيز على بعض المؤرخين، فسواء انتحرت المجتمعات حضاريا، أو ثقافياً، أو اقتصادياً، أو بيئياً، فإن سقوطها يمتد على فترات طويلة.
وكما يشير المؤلف، فإن القادة السياسيين في أي مجتمع تقريبا، سواء أكان بدائياً، أو معقداً، لديهم حوافز قليلة لمعالجة المشكلات، التي من غير المرجح أن تظهر قبل مئة عام أو أكثر من ذلك.
بقلم ـ نيال فيرجيسون - ترجمة ـ عمر حرز الله
