يشعر بعض أصدقائنا الأميركيين بالقلق حيال ما يزعمه البعض من أن حضارتنا المسيحية في أوروبا توشك أن تهيمن عليها جحافل الإسلام، التي أطبقت على أسوار فيينا وأوشكت على اجتياحها على يد العثمانيين في الزمن الماضي. ويشعر آخرون بالقلق ربما لأننا نسينا كأوروبيين ما يتعين على المرء أن يفعله لكي يهتم بالعالم. إذن ما هي الوسيلة التي يتعين على الأوروبيين تبنيها للتقرب من الأميركيين في سنوات حكم الرئيس الأميركي باراك أوباما؟ وكيف نمنع أن تؤدي لامبالاة واشنطن تجاه اوروبا إلى زيادة اللامبالاة الأوروبية تجاه واشنطن؟خصوصا إذا تدنى عدد الأوروبيين، وتباطأ معدل النمو لديهم، وظهرت في منطقة اليورو تصدعات بسبب العجز المالي في اليونان، وربما في البرتغال واسبانيا أيضا. واقترح في هذا الصدد خمسة إرشادات يتعين على السياسة الأوروبية تطبيقها، مع تجاوز آمالي لكل التوقعات:

الطاقة النووية... 1ـ يجب أن نؤمن بأن أكثر شيء يلائم المصالح الأوروبية ربما يكون هو الأفضل ملاءمة لعلاقتنا مع واشنطن. ويتعين علينا، على سبيل المثال، أن نقرر منع استخدام الطاقة النووية في الأغراض العسكرية في إيران تحديدا، وذلك بسبب قلقنا كأوروبيين من أن تصل الصواريخ الإيرانية التي تحمل رؤوسا نووية إلى أوروبا بسبب كوننا حلفاء لأميركا. ويجب علينا العمل على تعزيز الديمقراطية في باكستان ومنع سقوط هذه الدولة في يد طالبان وبعض حلفائها المتشددين، وذلك بسبب مصالحنا الأوروبية القائمة على كبح الأعمال الإرهابية، التي يتم تنسيقها في معسكرات التدريب الموجودة في الأراضي الباكستانية. كما يجب منع حدوث مواجهة نووية في جنوب آسيا. ولهذا السبب نحن محقون في أن نقاتل إلى جانب الولايات المتحدة في أفغانستان، حيث سيقرر مدى التزاماتنا العسكرية والمالية حجم المساعدة التي نستطيع من خلالها تحديد الاستراتيجية والتكتيكات المتبعة في أفغانستان.

شركاء دوليون... 2 ـ يجب ألا تبعدنا بلاغتنا الخطابية، كوننا شركاء دوليين لواشنطن، كثيرا عن الواقع الملموس. صحيح اننا نميل في هذه الأيام للتحيز مع الزهرة أكثر من المريخ، وهو أمر يجب أن يمتن له بقية العالم كثيرا، بالنظر إلى التطورات التاريخية التي حدثت في القرن العشرين. يبدو أننا تجاوزنا الحد قليلا في هذه المسألة. فالأمر لا يتعلق بعدم إنفاقنا مبالغ كبيرة لممارسة الضغوط القوية، إذ يتم إنفاق المبالغ المخصصة لذلك، والبالغة نحو 200 بليون يورو سنويا، بصورة سيئة. والمشكلة أن 70% من أفراد قواتنا العسكرية، من الرجال والنساء، لا يستطيعون تأدية واجبهم والقتال خارج حدودهم الإقليمية. ونحن نفتقر بشدة لدفاع أوروبي مشترك، ونحتاجه كثيرا، كما نحتاج لتنسيق معاييرنا الأوروبية، لكي نستطيع الحصول على الطائرات المروحية، وطائرات الشحن، وأجهزة الاتصال العسكرية، وطائرات الاستطلاع التي توجه عن بعد، وكل هذه الأشياء لا غنى عنها في العمليات العسكرية التي تجري في القرن الحادي والعشرين. ولأسباب تاريخية وأخلاقية وأمنية، يجب اعتبار إفريقيا مسؤولية أوروبية خاصة. يجب أن نمدها بالمساعدات، وندعمها دبلوماسيا، وأن نرسل قوات سلام كافية لدعم وتعزيز النمو فيها، وأن ندعم إيجاد أنظمة حكم جيدة فيها، ونقوم بتنسيق التعاون الدولي على مستوى القارة السوداء.

3ـ حيثما توجد سياسة أوروبية داخلية جادة من السهل ترسيخ سياسة أوروبية خارجية جادة بقدر أكبر. وخير مثال على ذلك سياسة الطاقة وعلاقتها بروسيا. فنحن نعتمد بدرجة متزايدة على الغاز الطبيعي الروسي، حيث تبلغ نسبة استيراد الإتحاد الأوروبي منه 40% من الغاز الطبيعي الذي نستورده من مختلف أنحاء العالم. وقد أتحنا لروسيا إحداث انقسام في موقف الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي بشأن سياسة الطاقة. فعلى سبيل المثال، أقامت ألمانيا تحالفا وثيقا مع شركة «غازبروم» الروسية لبناء خط أنابيب جديد تحت بحر البلطيق، بحيث يتجاوز دول الترانزيت التقليدية، مثل أوكرانيا وبولندا. وقد أصبح المستشار الألماني السابق غيرهارد شرودر رئيسا للجنة المساهمين في الشركة، مقابل مبلغ مالي ضخم، وذلك عقب تركه السلطة مباشرة.

وفي الوقت نفسه، هناك مشروع منافس للإتحاد الأوروبي يدعى «نباكو»، ويهدف للحصول على الغاز من بحر قزوين، لكن شركة غازبروم حاولت السيطرة على واردات الغاز في جنوب شرق أوروبا، علاوة على بنائها خط أنابيب آخر منافس للخط الأول.

وتهدف روسيا دون مواربة لزيادة التبعية الأوروبية لإمداداتها من الغاز. وفي غياب وجود وسيلة مشتركة بشأن الطاقة، نواجه خطر استخدام روسيا الطاقة كسلاح مؤثر كما حدث في ثمانينات القرن الماضي. غير أن الشركات الكبرى في بعض الدول الأوروبية، كفرنسا، النمسا، وايطاليا، علاوة على ألمانيا، تواصل قطع الطريق على إبرام صفقات ثنائية مع روسيا، وهناك معارضة في ايجاد سياسة طاقة أوروبية موحدة تتيح لبروكسل، مثلا، التحدث بصوت قوي لدى تعاملها مع موسكو.

عملية فاشلة

وربما يكون التعامل مع روسيا من أكثر العمليات الفاشلة في محاولة إقامة سياسة خارجية أوروبية مشتركة. ويتطلب بناء هذه السياسة منا، كما أشرت سابقا، ايجاد سياسة طاقة موحدة، في سوق أوروبي عام، واستخدام قوانين المنافسة الأوروبية لكسر احتكار شركات الطاقة المحلية، كتلك الموجودة في ايطاليا وألمانيا، التي تعد في طليعة الشركات التي تطالب بإبداء حذر أكبر في التحرك في ذلك الاتجاه بشأن الطاقة. وبعضها الآخر، كما في بريطانيا، تقاوم بصورة تقليدية إيجاد منافسة أوروبية أكبر، وهذه تدافع بقوة عن تبني سياسة أقوى بكثير في مجال الطاقة.

4ـ تصبح السياسة الأوروبية الخارجية أكثر فعالية، بصورة راسخة، كلما كانت أهدافها أقرب إلى أوروبا، فنحن نكون في أفضل حال في داخل أحيائنا، وفي أسوأ حال في الخارج، كما حدث في تعاملنا مع روسيا. وأكبر نجاح للسياسة الخارجية الأوروبية تمثل في توسيع الإتحاد الأوروبي. وهذه الخطوة عززت تغيير أنظمة الحكم غير الديمقراطية دون الحاجة لاستخدام السلاح، وقد ساهم ذلك في استقرار قارتنا الأوروبية. وحدث في البداية حينما تخلصت اسبانيا والبرتغال واليونان من أنظمة الحكم الاستبدادية، كما حدث مجدداً عقب انهيار الامبراطورية السوفييتية.

ولم تستكمل المهمة، فإتاحة المجال أمام دول غرب البلقان للحصول على عضوية الإتحاد الأوروبي هو في صميم سياستنا الخارجية، فنحن ملتزمون بأن توجه أوروبا دعوة لأوكرانيا للانضمام للاتحاد، لكننا غير ملتزمين بعضويتها فيه. لاحظوا الفرق !

وبدلا من الخداع والمراوغة في هذه المسألة، يتعين علينا إعطاء كييف جدولا زمنيا لإجراء الإصلاحات التي تحتاج للقيام بها لكي تكتسب وضعية مفاوض مرشح للانضمام إلى الإتحاد الأوروبي، وبدون ذلك ستواصل القوى السياسية فيها، الأكثر ديمقراطية وميلا للغرب، خسارة أرضيتها لصالح القوى الأخرى المتحالفة بصورة وثيقة مع المصالح السياسية والصناعية الروسية.

وفيما يتعلق بتركيا، فقد تعهدنا قبل سنوات بأننا سنتفاوض معها بشأن عضويتها في الإتحاد الأوروبي عندما تصبح ديمقراطية بالكامل، ولها اقتصاد منفتح، وتكن احتراما كاملا لحقوق الإنسان، وحكم القانون. وكلما زادت الإصلاحات التركية، زاد إظهار عداء الزعماء الأوروبيين للفكرة ككل. ويخشى من أن هذه المسألة ستكون مصيرية بالنسبة للإتحاد الأوروبي.

تركيا وأوروبا

وسترفض أوروبا في اللحظة المناسبة انضمام تركيا للإتحاد الأوروبي، وهذا لن يساهم في إحداث أي تأثير أوروبي في الشؤون العالمية. فنحن سنرفض عضوية دولة لها دور مهم كقوة إقليمية، وعضوية مهمة في حلف «ناتو»، وهي تعتبر محورا مهما للطاقة، وسنتهم بإحراق جسور التواصل مع العالم الإسلامي، بدلا من بنائها.

5ـ دليلي الأخير في السياسة يتعلق بأوروبا، ويؤكد الخبراء أنها لم ولن تصبح قوة عظمى أو نجما متألقا (سوبرستار). فعلى النقيض من الولايات المتحدة ليس لنا أي دور مؤثر في أي مكان من العالم، ونحن لا نطالب باتباع سياسة محددة لحل أية مشكلة في أي مكان. ونحن معنيون بالمكان الذي تؤثر فيه المشكلات، ومدى اقترابه من قارتنا الأوروبية. ويتعين أن تكون لنا سياسة تجاه أية مشكلة تشمل أكثر من مجرد انتظار ما تقرره السياسة الأميركية.

فرصة نادرة

كما هي الحال في مختلف أرجاء العالم، ليس لنا في الشرق الأوسط، على سبيل المثال، سياسة محددة على الإطلاق أكثر من إعطاء إسرائيل تفويضا مطلقا، كما كان حالنا إبان سنوات حكم الرئيس الأميركي السابق جورج بوش في البيت الأبيض. فحالة اللاسلم واللاحرب الراهنة لا يمكن أن تدوم، ولا حل الدولة الواحدة في إسرائيل وفلسطين، فهذا الحل غير ممكن، ولا هو مرغوب من كلا الطرفين. لذلك ماذا يتعين علينا أن نفعل لدفع الأمور إلى الأمام، في منطقة منشغلة فيها أميركا، لكنها لا تحظى باحترام فيها.

وحيث أوروبا لا تتمتع بأي من هذه الأمور؟ نستطيع على الأقل تحديد سياستنا هناك بجرأة كبيرة، بدءا من بذل الجهود لإنهاء الشقاق الفلسطيني- الفلسطيني في غزة والضفة الغربية والقدس الشرقية. كما يمكننا أيضا بذل نشاط أكبر لإنشاء حكومة وحدة وطنية جديدة في فلسطين يمكننا التعامل معها، بشرط أن تكون ملتزمة بوقف إطلاق النار مع إسرائيل، وإيجاد تسوية سلمية يتم التفاوض عليها. هل يهم كثيرا أن تكون السياسة الأوروبية غير متطابقة مع السياسة الأميركية في هذا المجال؟

بصراحة لا يهم، فأميركا أزاحت أزمة الشرق الأوسط من سلم أولوياتها، وهي تركز الآن على الحرب في أفغانستان، مما يوفر فرصة سانحة لأوروبا لتقوم بدور مهم في المنطقة كوسيط نزيه، وتقترح تسوية مقنعة لحل الصراع بين الفلسطينيين والإسرائيليين تقوم على مبدأ الدولتين وإيقاف الاستيطان، أو تجميده خلال فترة التفاوض على الأقل.

سياسي محترف

ولد كريستوفر باتن في عام 1944، وتلقى تعليمه العالي في جامعة أوكسفورد، قبل أن يصبح مديرا لإدارة البحوث فحزب المحافظين (1974-1979). وشغل منصب السكرتير السياسي للورد وايتلو، واللورد كارينغتون، وكبير موظفي مكتب رئيس الوزراء. عين عضوا في البرلمان البريطاني من عام 1979 حتى عام 1992، ثم عين في منصب السكرتير البرلماني بمكتب ايرلندا الشمالية.

وتقلد كذلك حقائب وزارية عدة منها وزير دولة في وزارة التربية والتعليم، وفي وزارة التنمية الخارجية، وفي شؤون البيئة، واصبح مستشارا في دوقية لانكستر، ورئيسا لحزب المحافظين. وعين اللورد باتن بين عامي 1992-1997 في منصب آخر حاكم بريطاني لهونغ كونغ، كما عين بين عامي 1998 و 1999 في منصب رئيس اللجنة المستقلة لعمل الشرطة في ايرلندا الشمالية. وعمل مفوضا للعلاقات الخارجية في الاتحاد الأوروبي بين عامي 1999و 2004.

وقد ألف بعض الكتب المهمة ومنها كتاب «قضية حزب المحافظين»، الذي حقق أفضل المبيعات، وكتاب «الشرق والغرب» وكتاب « الدبلوماسي الناجح» الذي نشر في أميركا الشمالية بعنوان «أبناء العم والغرباء».

ولورد باتن هو الرئيس المشارك لمجموعة الأزمات الدولية، وهي المنظمة المسؤولة عن منع نشوب الصراعات في مختلف أرجاء العالم، كما يعمل رئيسا للجنة أمناء بعض الجمعيات الخيرية البريطانية.

بقلم: كريس باتن

ترجمة: عمر حرزالله