السؤال هنا هو.. أين العالم العربي مما يجري من حوله في العالم وفي هذا العصر الذي لم يعد فيه مكان للكيانات الصغرى أو للاقتصاديات غير الكبرى القادرة على المبادلة والمنافسة مع غيرها من التجمعات الإقليمية والقارية الكبرى، وأيضا على الصمود بل وعلى تجاوز العواصف والأعاصير المالية والاقتصادية التي تعصف بالاقتصاديات الكبرى في العالم الآن.. فما بالكم بمخاطر الاقتصاديات الصغرى؟ وهل سيتمكن العالم العربي من استعادة إرادته السياسية وإدارته الاقتصادية للنجاة بنفسه أم يغرقه الطوفان العالمي القادم؟!
يؤكد التقرير الاقتصادي الذي يستعرض سنويا أهم التطورات الاقتصادية في الدول العربية، مقارنة بالتطورات ذاتها على المستوى العالمي، أن التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي تواجه الدول العربية في مجملها لا تزال كبيرة بالرغم من أن عام 2006 شهد أداء جيدا للاقتصاد العالمي والعربي، إن الاقتصاد العالمي واصل أداءه الجيد خلال عام 2006. حيث بلغ معدل النمو الحقيقي للناتج المحلي العالمي 4 .5% مقارنة بنحو 9 .4% في عام 2005، وهو الأعلى خلال الأعوام الخمسة الماضية.، كذلك استمرت الدول النامية في تحقيق معدلات نمو عالية، وبوجه خاص كل من الصين والهند بمعدلات نمو بلغت 7 .10% و2 .9% على التوالي.
خسائر الأزمة... لنقرأ ملف التكامل العربي المطلوب لمواجهة هذه العواصف والأعاصير المالية والاقتصادية العالمية من آخر صفحة..من القمة الاقتصادية العربية التي عقدت مطلع العام الماضي عام 2009 بالكويت والتي كانت مواجهة تداعيات الأزمة المالية العالمية وتسريع خطوات التكامل الاقتصادي العربي وفق خارطة طريق بجداول زمنية هو عنوانها الرئيسي. وبالرغم من أن هذه القمة قررتها قمة الرياض العربية 2007،أي قبل انعقادها بعامين مع بداية إرهاصات الأزمة العالمية وقبل تحول الأزمة إلى إعصار مالي وقبل تحول الإعصار المالي إلى ما يشبه التسونامي الاقتصادي العالمي وهذا فعل سياسي عربي إيجابي، إلا أن موعد انعقادها جاء في وقت بالغ الصعوبة وجدت الدول العربية نفسها في قلب الإعصار الاقتصادي والسياسي معاً.
ففي حين سبق افتتاح القمة الاقتصادية والاجتماعية والتنموية العربية بقليل إعلان مرعب من وزير الخارجية الكويتي، محمد الصباح بأن الأزمة الاقتصادية العالمية كلفت الدول العربية من الخسائر مبالغ باهظة بلغت2 .5 تريليونات دولار خلال الشهور الأربعة فقط السابقة على القمة.
كما أعلن أن الدول الخليجية الغنية بالنفط قد أجلت أو ألغت 60% من المشاريع التنموية المقررة، وأدى انخفاض قيمة الاستثمارات العربية في الخارج بقيمة 40 في المئة إلى تعزيز قيمة الخسائر المالية الكبرى، مستهدفا من هذا الإعلان الصادم تأكيد ضرورة هذه القمة وضرورة التكامل الاقتصادي العربي، كما سبق القمة بأسابيع العدوان الإسرائيلي الإجرامي على الشعب الفلسطيني في غزة المحاصرة، بما أحدثه هذا العدوان الصهيوني من انقسام سياسي تجلى في قمة الدوحة.. بما شكل عنوانا عربيا واضحا يؤكد غياب التضامن السياسي العربي بما أثر ومازال يؤثر حتى الآن على غياب التكامل الاقتصادي العربي.
ملف التكامل
وحين نقرأ هذا الملف من أول صفحة وبالتحديد فيما بعد الحرب العالمية الثانية وبالتحديد منذ العام 1945 ومع استقلال بعض الدول العربية وتأسيس الجامعة العربية بدءًا من اتفاقية الدفاع المشترك والتعاون الاقتصادي عام 1950، ومرورا باتفاقيات تفرعت عنها لتسهيل التبادل التجاري عام 53، ونهاية اتفاقية الوحدة الاقتصادية العربية عام 1957 كأبرز وأسبق محاولات التكامل الاقتصادي العربي، وصولا إلى تحرير كامل لتجارة المنتجات الزراعية بحلول عام 1969 والمنتجات الصناعية بحلول عام 1974 عن طريق إقامة منطقة تجارة عربية حرة، وهي التي أقيمت بالفعل عام 2005.
وحينما نقيم مدي سرعة الانجاز العربي مقارنا بالانجاز الأوروبي، نكتشف أن غياب التكامل السياسي هو الذي أخر تنفيذ الاتفاقيات العربية لتحقيق التكامل الاقتصادي، وأن تأخير تحقيق التكامل الاقتصادي هو الذي أخر تحقيق الوحدة الاقتصادية العربية، وأن تأخير تحقيق الوحدة الاقتصادية العربية، هو الذي أخر تحقيق هدف الوحدة السياسية العربية..
السياسة أم الاقتصاد؟
توحيد الاقتصاديات هو الذي أدى إلى توحيد السياسات في تجربة الأوروبيين رغم ما كان بينهم من فواصل لاختلاف اللغات والانتماءات العرقية والثقافية ومن حروب مذهبية دينية وحدودية وسياسية دامت لمئة عام، بينما كانت اختلاف السياسات في تجربة العرب هو الذي عرقل توحيد الاقتصاديات رغم ما بينهم من روابط تتمثل في الوحدة التاريخية والجغرافية والقومية وفي وحدة اللغة والثقافة والدين، ولم تقم بينهم مثل تلك الحروب التي وقعت في أوروبا سواء في الحرب العالمية الأولى أو الثانية، ورغم حاجتهم الضرورية، بل والمصيرية إلى الوحدة الاقتصادية والسياسية معاً.. أيهما يلزم أن تقود الأخرى؟.. لا يهم، فالأهم أن يلحقوا بعصرهم ويستجيبوا لنداء شعوبهم قبل إن يغرقهم الطوفان.
لقد أدرجت قمة الكويت الاقتصادية في جدول أعمالها 10 بنود كانت الأزمة المالية العالمية وتداعياتها على العالم والمنطقة العربية في مقدمتها، إلى جانب المشاريع التكاملية بين الدول العربية في مجال الربط الكهربائي والمائي والأمن الغذائي، وتطوير البيئة التشريعية بين الدول العربية لتسهيل انتقال البضائع والسلع، وإيجاد مشاريع للبنية التحتية بمشاركة القطاع الخاص الذي ينبغي أن يكون له دور أكبر في مشاريع التنمية.
ووعدت القمة الاقتصادية بلسان ناطقها الرسمي أن يشعر المواطن العربي بنتائجها عندما تبدأ بتنفيذ المشروعات المشتركة في مجالات المياه والكهرباء والطرق التي تم وضع جداول تنفيذية محددة لها.
حيث سيلمس المواطن العربي تحسنا في تلك الخدمات بشكل مباشر تختلف عن القمة الاقتصادية السابقة في الأردن في الثمانينات، حيث إن القمة الحالية تبحث مشاريع مشتركة مفصلة تم إعداد دراسات معمقة لها وليس مجرد حديث عن الشأن الاقتصادي العربي العام، موضحا أن القمة لن تناقش قضايا عامة مثل السوق المشتركة، ومنطقة التجارة الحرة العربية بشكل تقليدي..
وبعد عام من انطلاق هذه المشاريع المدروسة وهذه الوعود الواعدة من قمة الكويت لعلنا نتساءل، ترى ما الذي تحقق قبل عام من القمة الاقتصادية العربية المقبلة التي ستعقد في مصر بعد عام من الآن؟.. وهل ستجري متابعة تنفيذ ما اتفق العرب عليه بقمة الكويت الاقتصادية في قمة العرب السياسية الشهر المقبل في ليبيا؟
ما تم من إنجازات
لقد أكد أمين عام جامعة الدول العربية عمرو موسى أنه يجري حالياً بحث تحديد الإطار الزمني لإقامة السوق العربية المشتركة، وذلك بعد تنفيذ الاتحاد الجمركي ومنطقة التجارة العربية الحرة وقال في كلمته أمام ملتقى القاهرة الرابع للاستثمار: لن تكون هناك قمة اقتصادية عربية مقبلة ما لم تنفذ التوصيات التي أقرتها القمة الاقتصادية التي عقدت في الكويت يناير الماضي..
مشيراً إلى أن هناك بعض التحركات البسيطة في هذا الاتجاه، حيث بدأ تفعيل الصندوق العربي الخاص بمساعدة المشروعات الصغيرة والمتوسطة الذي يقدر رأس ماله بنحو ملياري دولار تعهدت حتى الآن كل من الكويت والسعودية بتقديم 500 مليون دولار لكل منهما، كما تعهدت مصر بتقديم 20 مليون دولار أخرى وذلك نظراً لأهمية هذا الصندوق في توفير فرص عمل للشباب العربي.
مشددا على أهمية الدور الذي تقوم به الصناديق العربية في مجال تطوير وتنمية البنية الأساسية في الدول العربية.
حيث تقوم تلك الصناديق بتمويل مشروعات الربط الكهربائي والطرق السريعة الحرة ومشروعات الغاز والسكك الحديدية.. لافتاً إلى أن هناك خطوات عملية كبرى تتم في هذا الإطار، حيث أوشك الطريق الذي يربط بين مصر والسودان على الانتهاء ولم يتبقَّ منه سوى 28 كيلومتراً فقط، وطريق موريتانيا وغرب وشرق الجزائر، والطريق البري الذي يربط بين مصر وليبيا، بالإضافة إلى الطرق التي تربط بين الدول الخليجية.
وقال موسى: إن تلك المشروعات تساعد على تطوير التعاون الاقتصادي بين الدول العربية، حيث إنه من الصعب أن ننطلق عالمياً دون أن تكون هناك شبكة ربط قوية بين الدول العربية.
ولأن الدول العربية على أبواب أزمات حقيقية قابلة للتفاقم أكثر وأكثر إن لم تسارع إلى التعامل مع الأزمة العالمية ومع أزماتها السياسية البينية ومع الاتفاقيات التكاملية الاقتصادية والاجتماعية والتنموية بجدية والتزام، فقد تصل إلى بلوغ العجز الغذائي العربي الكامل مع استحالة بلوغ أشكال الاكتفاء الذاتي مع تراجع في قيم مدخراتها واضطرارها إلى استهلاك احتياطياتها المالية دون القدرة على تعويضها.
لهذا اتجهت دوائر القرار الاقتصادي في وضع خططها، إلى إعداد برنامج زراعي إنتاجي استراتيجي للأمن الغذائي العربي، وقدمت قمة الكويت مشروع عمل يجعل من الجزائر والسودان سلة للغذاء العربي نظرا لما تمتلكانه من مساحات إنتاجية شاسعة، يمكن استغلالها من خلال إحياء المشاريع الاستثمارية التي تفرضها تحديات المرحلة الراهنة.
وقد عاد الأمين العام للجامعة قبل أيام من زيارته للسودان وافتتاح بعض المشاريع التعميرية والإنمائية في دارفور، ومؤتمر الاستثمار العربي في جنوب السودان، لما في ذلك من نفع اقتصادي وسياسي لجعل وحدة السودان قائمة ولربط جنوبه بشماله.. مضيفاً أن جنوب السودان من الناحية الاقتصادية يعد أرضاً خصبة للاستثمار وتتوفر فيه كافة العناصر الأساسية من نفط ومعادن ومياه.
الأمن القومي
وفي السياق ذاته أكد الدكتور أحمد جويلى الأمين العام لمجلس الوحدة الاقتصادية العربية إن الأمن الغذائي والأمن المائي العربي، هما جزء هام من الأمن القومي العربي، ودعا إلى ضرورة توفير الغذاء لكل مواطن عربي حيث إن العالم العربي يستورد كل أنواع الغذاء من الخارج وإن هناك فجوة كبيرة بين الاحتياجات والإنتاج، حيث يتم استيراد نحو 72 مليون طن من الغذاء سنويا.
و قال إن السوق العربية المشتركة ليست شعارا بل ضرورة حتمية للأمن القومي العربي، مطالبا بأهمية دعم التجارة البينية العربية.. ودعا في محاضرة بكلية الدفاع الوطني بأكاديمية ناصر العسكرية - الدول العربية إلى العمل على إنجاح مشروع الاتحاد الاقتصادي العربي.
قائلاً إن اتفاقية منطقة التجارة الحرة التي أقرتها القمة الاقتصادية العربية بالكويت في يناير 2009 تعتبر الخطوة الأولى من الاتحاد الاقتصادي العربي حيث تقرر الانتهاء من مراحل السوق المشتركة بحلول عام 2015 وإقامة الاتحاد الاقتصادي العربي الكامل مابين عام 2015 إلى عام 2020 وأنه سيترتب على ذلك سياسة مالية واحدة وبنك مركزي واحد وعملة موحدة.
وحول المقارنة بين الاتحاد الأوروبي والدول العربية، قال جويلى إنه لا وجه للمقارنة بين الجانبين حيث إن الدول العربية حصلت على استقلالها في وقت متأخر وهى دول نامية، وفي المقابل فإن الدول الأوروبية كان لديها قاعدة اقتصادية وأصبح من اليسير عليها إقامة اتحاد أوروبي. وعن مشكلة البطالة بالعالم العربي، أكد الدكتور جويلي أنها تمثل تحديا كبيرا أمام صانع القرار العربي في ضوء أن 20% من القوى العاملة البالغة 130 مليون شخص يعانون من البطالة.
وشدد على أهمية تنوع الصادرات العربية إلى العالم الخارجي حيث إن البترول يمثل 75% من الصادرات العربية، وفى ظل الأزمة الاقتصادية العالمية الحالية وصل سعر برميل البترول قبل الأزمة إلى 145 دولاراً ثم انخفض خلالها إلى 35 دولاراً مما يعنى خسارة 110 دولارات للبرميل الواحد وهذا يؤثر على الفوائض العربية وبالتالي على الأمن القومي العربي، مشدداً على أهمية تفعيل الاتفاقيات العربية، قائلاً إن مجلس الوحدة الاقتصادية العربية قام بمجهود كبير من أجل تفعيل التعاون العربي، حيث أقام 45 اتحاداً نوعياً متخصصاً.. لم يبق إذاً سوى تفعيل الإرادة السياسية العربية.
أرقام عربية
جاء في التقرير الاقتصادي العربي لعام 2006 أرقام مهمة من بينها، أن المساحة الكلية للوطن العربي تبلغ 2 .14 مليون كيلومتر مربع، بما نسبته 2 .10% من المساحة الكلية للعالم، وأن عدد السكان العرب في 2006، بلغ 3 .318 مليون نسمة بنسبة 8 .4% من سكان العالم، وبلغ معدل البطالة 15%، وبلغت نسبة الاحتياطي النفطي المؤكد من الاحتياطي العالمي 6 .57%، وفي الغاز 5 .29%، كما بلغ إنتاج البترول العربي 23 مليون برميل يومياً، وبلغت عوائد الصادرات النفطية 1 .419 مليار دولار، في الوقت الذي بلغ فيه الدين العام الخارجي للدول العربية المقترضة 137 مليار دولار، فوائدها السنوية 7 .27 مليار دولار.
ممدوح طه


