نحن نعيش الآن في عالم تتسابق فيه الدول بجدية وبسرعة في الشمال أو الجنوب وفي الشرق أوفي الغرب على اختلاف ثقافاتها ولغاتها إلى تكوين المجموعات الاقتصادية والسياسية القارية والإقليمية سعياً إلى تحقيق التكامل فيما بينها لتحقيق التنمية، حيث لم يعد.
بمقدور دولة واحدة، كبرت أو صغرت، بإمكانياتها المنفردة أن تحقق تنميتها الشاملة في جميع المجالات بما يمكنها من امتلاك قوتها المادية والمعنوية لحماية استقلالها وامتلاك إرادتها الحرة المستقلة لتحديد خياراتها السياسية والاقتصادية بما يتوافق مع مبادئ ومصالح شعبها.. فقد أصبح العالم جله تقريبا عبارة عن عدة فضاءات سياسية وتجمعات اقتصادية كبري.
أبرز هذه التجمعات في الشمال «الاتحاد الأوروبي» وهو التجمع القاري الذي يضم 27 دولة أوروبية، وتجمع «النافتا» الذي كان يضم حتى أواخر شهر فبراير الماضي ثلاث دول أميركية شمالية كبري هي الولايات المتحدة، وكندا والمكسيك، وكان هذا التجمع يهدف إلى منافسة التجمعات الدولية الأخرى كالتجمع الأوروبي والتجمع الآسيوي غير أن دول أميركا الجنوبية إضافة إلى المكسيك في أميركا الشمالية كونوا قبل أيام فقط تجمع جديد للأميركتين يضم 32 دولة من دول تجمع «ميركوسور» الأميركي الجنوبي ودولة المكسيك فقط من أميركا الشمالية، مستبعدين من تجمع الأميركتين الجديد الولايات المتحدة وكندا، وذلك بديلا عن «منظمة الدول الأميركية» التي كانت تحت الهيمنة الأميركية.
وفي الجنوب أيضا تأسست «منظمة شنغهاي» بمبادرة صينية وضمت إلى جانب الصين وروسيا أربع جمهوريات «سوفييتية» سابقة من آسيا الوسطى وهي كازاخستان وقرغيزستان وطاجيكستان وأوزبكستان وتوسعت المشاركة فيها لمراقبين من دول آسيوية كبرى مثل الهند وباكستان وإيران. وشكلت المنظمة ذاك الإطار الجغرافي لدول آسيوية نامية تحتاج إلى قوة الصين الاقتصادية ومظلة روسيا الأمنية لحماية إنتاج النفط وخطوط الإمداد والأنابيب.
كما تكونت «مجموعة» الآسيان «التي تضم 10 دول كانت سابقا أعضاء في حلف جنوب شرقي آسيا الأنجلو فرنسي، وبعد الاستقلال خرجوا من هذا الحلف الاستعماري وتجمعت هذه الدول في رابطة الآسيان لمواجهة تحديات التنمية فيما بعد الاستقلال وحققت قفزات عالية وأصبحت تعرف بالنمور الآسيوية.
كما يجري على قدم وساق استكمال بناء «الاتحاد الإفريقي» كتجمع قاري يضم 57 دولة إفريقية في قارة غنية بالموارد المائية والزراعية والحيوانية والمعدنية بينما غالبية شعوبها لا تزال فقيرة بسبب النهب الاستعماري لثرواتها ووطأة الديون وغياب التنمية المتكاملة لاستثمار مواردها بما يجعلها خزان الغذاء للعالم كله. والنتيجة.. أن عالم اليوم لم يعد فيه مكان للكيانات والاقتصاديات الصغرى في ظل الفضاءات الكبرى.
