البترول.. الفحم.. الغابة، هنالك يتوقف الكثيرون عن سيد هذه المحروقات كما قد نسميه وهو البترول.. ومن قبله ومن بعده الفحم بوصفهما من أهم أسباب هذه الانبعاثات من غازات الاحتباس الحراري.وهناك من يشير بأصابع اتهام مغايرة إلى ظاهرة أخرى تتلخص في العبارة التالي: «اجتثاث الغابات»، وهو قلع الأشجار من غابات العالم.. وخاصة في قارات آسيا (جنوب شرقها بالذات).. وأفريقيا (جنوبي الصحراء الكبرى).. وأميركا اللاتينية (الغابات المطيرة في حوض نهر الأمازون).
والحاصل أن ثمة احتكارات عالمية عاتية تقوم على أمرها شركات عبر وطنية ومؤسسات اقتصادية متعددة أو متعدية الجنسيات هي المسؤولة عن إزالة أشجار تلك الغابات التي تمثل رئة العالم في الشرق والغرب، حيث لا يهم تلك المصالح العاتية سوى جني أرباح سوبر ـ طائلة من الاتجار في أخشاب تلك الأشجار التي تستخدم بداهة في أكثر من خط تصنيعي في مختلف مناطق عالمنا يستوي في ذلك الصناعات المدنية والحربية أيضا. هذه الإزالة بالكشط للغطاء النباتي الكوكبي يؤدي بدوره إلى أن تتحول مناطق شاسعة من الخارطة العالمية إلى أحواض مستجدة لثاني أكسيد الكربون الذي تزداد انبعاثاته الضارة كلما تقلصت وانحسرت المساحات التي كانت تعطيها أشجار الغابات في زمن انقضى وفات.
من هنا ظلت دوائر شتى من العالم تحسب ألف حساب لذلك الفريق الحكومي الدولي الذي نصب آلياته وأعضاءه راصدين لتلك التغيرات السلبية التي باتت تعتري المناخ الكوكبي وحراسا أشداء على صحة هذا الكوكب ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا.
أهمية الفريق الدولي
وكان بديهيا أن تزداد أهمية هذا الفريق الحكومي الدولي بفعل عدة عوامل جوهرية نحاول عرضها فيما يلي باختصار شديد:
أولا: إنه يضم عددا من صفوة العلماء الاختصاصيين في فروع مختلفة ذات صلة بصحة كوكب الأرض.. ما بين علوم الأرصاد الجوية إلى طب المناطق المدارية الحارة إلى علوم الاقتصاد السياسي.. والإحصاء والجيولوجيا وعلوم البحار وما إلى ذلك سبيل.
ثانيا: أنه يعمل بوصفه الآلية الدينامية.. المتخصصة كي لا ننسى.. لتفعيل أهم وثيقة عالمية صادرة في هذا المضمار وهي اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية المعنية بتغير المناخ.. بما في ذلك الملاحق المرفقة بها وخاصة بروتوكول كيوتو بشأن هذه المتغيرات المناخية بكل خطورتها البالغة المتوقعة وفي مقدمتها ارتفاع حرارة الأرض بأكثر من اثنين من درجات الحرارة المئوية بكل ما ينطوي عليه هذا المتغير من ظواهر فادحة ليس أقلها مثلا ذوبان الكتل الجليدية السرمدية، سواء من منطقة القطب الشمالي أو من قارة انتاركتيكا المتجمدة الجنوبية.. وهو ما يرادف أيضا خسارة كوكب الأرض ومليارات البشر كميات هائلة الحجم من المياه العذبة التي ظلت مخزونة منذ الأزل في تلك الجبال الجليدية التي باتت معرضة لغوائل الانصهار إلى حد الزوال.
دول تختفي من الوجود
أما الخطر الثاني فهو ارتفاع منسوب سطح البحار والمحيطات المحدقة بالكرة التي نعيش على سطحها.. وهو ما يرادف بالتالي غرق المناطق الواطئة والأراضي المنخفضة في العالم وخاصة دلتا الأنهار الكبرى (في بنغلاديش ومصر ونيجيريا وغيرها).. فما بالك بخطر أن تغطي مياه المحيط ذات المنسوب المرتفع تلك الكيانات السياسية التي تعيش في إطارها شعوب وأقوام في مناطق شتى من عالمنا.. وتحمل الاسم الدولي المعروف بأنها «الدول الجزرية النامية الصغيرة» وقد باتت مهددة بالغرق والغوص تحت سطح البحر المحيط.. وبعضها ـ المالديف مثلا ـ شرع مسؤولوه في التفكير في حلول تكفل اتقاء مثل هذا المصير وفي مقدمتها التماس وطن جديد وبديل.
في كل حال تكاد جمهرة المحللين والمراقبين المعنيين بقضايا البيئة.. وهي الشأن الأيكولوجي كما يسمى في بعض الأحيان، تجمع على أن كل ما طرحناه من قضايا وما ألمحنا إليه من ظواهر لم يعد بالأمر المستجد على اهتمامات الأطراف المعنية..
استقالة مفاجئة
وإذا كنا نرى في هذا التأكيد، ولو بالتكرار، ما قد يفيد من حيث التنبيه واسترعاء النظر، أو فلنقل تجديد الاهتمام، فإن الأمر المستجد في هذا كله، ذلك الخبر الذي رددته وكالات الأنباء في أيام الأسبوع الأخير من شهر فبراير. والخبر ببساطة يتعلق باستقالة البروفيسور «ايفو دي بوير» الذي قاد الفريق الدولي المعني بتغير المناخ إذ كان هو المسؤول الأول عن أربع سنوات من المفاوضات المضنية والتي استغرقت 4 سنوات كاملة قبل انعقاد مؤتمر كوبنهاغن الأخير الذي جاءت نتائجه مخيبة للآمال.. وخاصة آمال البلدان النامية والفقيرة منها بالذات.. إزاء تنصّل الدول الصناعية المتقدمة من الاضطلاع بما يجب عليها من مسؤوليات تجاه التغيرات الخطيرة المتوقعة في المناخ العالمي..
إن قضية المناخ ومتغيراته ليست مجرد مسألة أرصاد جوية ولا هي مسألة دراسات أو معونات تعطي للبلدان النامية أو أقل البلدان نموا من منطلق البر أو الإحسان: إنها مسألة عدل وإنصاف بالدرجة الأولى..
وبصراحة أكثر.. فالمسؤول الأساسي عن تلك التغيرات الخطيرة في المناخ الكوكبي هو تلك الدول المتقدمة الكبرى.. شعوبها باتت تنعم برفاهية وارتفاع مرموق في مستوى المعيشة وفي نوعية الحياة.. رغم أنها مسؤولة بفعل الأنشطة الصناعية التي ظلت تمارسها منذ أوائل القرن التاسع عشر عن تلك النسب الخطيرة من كميات أكسيد الكربون والميثان والكبريت التي أصبحت مخزونة في أجواز الغلاف الجوي المحيط بكوكب الأرض.
كان العالم ينتظر جائزة تسفر عنها اجتماعات العاصمة الدانمركية التي انعقدت في الهزيع الأخير من العام الماضي.. وكانت الجائزة ـ كما تعبر صحيفة «النيويورك تايمز» ـ هي معاهدة دولية ملزمة قانونا بحيث تفرض على أطرافها إجراء تخفيضات إجبارية في غازات الاحتباس الحراري الناجمة عن الأنشطة الصناعية المنفّذة على صعيدها.
السؤال ما زال مطروحا
صحيح أن عددا كبيرا من الدول وعدت بإجراء هذه التخفيضات (بلغ عددها نحو 90 دولة أي بنسبة 83 في المائة من حجم عضوية منظمة الأمم المتحدة) إلا أن الوعد شئ.. والالتزام بموجب صك دولي قانوني شئ آخر تماما. ثم أن هذه الالتزامات موعود بها حتى عام ,2020. لكن يبقى السؤال الذي طرحته الصحيفة الأميركية الكبرى (عدد 22/2) هو: ثم ماذا بعد عام 2020؟
والسؤال موجه بالدرجة الأولى إلى أكبر الأطراف المسببة لانبعاثات غازات الاحتباس الحراري (انبعاثات الدفيئة كما تسمى في بعض الأحيان).. وهذه الدول والكيانات هي على وجه التحديد: أميركا.. الاتحاد الأوروبي.. الصين.. الهند والبرازيل.
من هنا تأتي استقالة السيد ايفو دي بوير، الهولندي الجنسية.. من موقعه الذي عينه فيه كوفي عنان الأمين العام السابق للمنظمة الدولية في أغسطس 2006 وكأنها إشارة إنذار إلى أن قضية مواجهة تغيرات المناخ تواجه منعطفا صعبا ولدرجة أن تستبد مشاعر الإحباط بأكبر مسؤول عالمي عنها فإذا به يقدم استقالته من منصب الأمين التنفيذي لاتفاقية تغير المناخ التي ألمحنا إليها.
صحيح أن جهود مواجهة المناخ لم تتوقف. ويشهد بذلك أن ثمة جولة جديدة مرتقبة من المحادثات المتصلة بهذه القضية.. تقرر عقدها في كانكون بالمكسيك في شهر ديسمبر من العام الحالي.. إلا أن استقالة هذا المسؤول الكبير تمثل جرس إنذار ينبّه سائر الفرقاء المعنيين بمستقبل المناخ في العالم إلى أن الأمر ما زال بحاجة إلى جهود أعمق وأبعد مدى بكل ما ينطوي عليه ذلك وخاصة بالنسبة لشعوب البلدان النامية التي تمّس حاجتها إلى أموال لدعم جهودها.. ولتعويضها عن خسائر تلحق بها إذا ما اتخذت قرارات تنفذها في مضمار تخفيف الأنشطة الصناعية أو محاولة استخدام نوعيات مازالت باهظة التكاليف من مصادر الطاقة البديلة (طاقة الشمس أو الرياح أو الخلايا الفولطا ضوئية) ومعظمها لا يزال في مراحل التجريب الأولية.. هذا فضلا عن حاجة تلك الشعوب.. ومعظمها من دول الجنوب، إلى نقل الاكتشافات التكنولوجية والمعارف التقنية بما في ذلك سبل التعلم ومناهج التدريب على استخدام تلك التكنولوجيات.
الموعد منتصف القرن
والحاصل أن هذا المجال يجمع في تصورنا بين الهدف والطموح.. أو بين العلاج والأمل، فالحادبون على صحة كوكبنا يوسّعون أفق نظرتهم إلى منتصف القرن الحالي.. حيث يستشرفون أساليب جديدة للحياة على سطح كوكب يتعافى مما أصابه من أدواء تراكمت عبر عقود طويلة منذ عصر الثورة الصناعية في الغرب.
يقول البروفيسور «مايكل كلير».. وهو في طليعة الاختصاصيين الأميركيين في قضايا الطاقة: «من الآن وحتى عام 2050، سوف يجتاز العالم مرحلة من التحول الكبير في المجالات الاجتماعية والاقتصادية والتكنولوجية على السواء.. وفي إطارها سوف تستجد على حياة الناس نوعية جديدة من مصادر الطاقة المتجددة لكي تهيمن على ساحة النشاط الصناعي في كل مكان» (مجلة كرنت هستوري المعنية بشؤون السياسة والتاريخ والاقتصاد).
من ناحيتها أيضا تعاود «نيويورك تايمز» تحليلها في هذه النقطة فتضيف قائلة:إن المنطلق الأساسي في هذا كله يتمثل في أمر واحد هو.. كوكب آمن. وأفضل ما يحقق هذا الهدف هو اعتماد استراتيجيات وطنية تهدف إلى خفض الانبعاثات الضارة شريطة أن يتم تنفيذها من القاعدة إلى القمة في كل قطر من عالمنا.
محمد الخولي

