بعد 28 سنة على حرب جزر «مالوين»، التي تسميها بريطانيا «فوكلاند»، تتجمع في الأفق نذر تجدّد النزاع الحاد بشأنها. ليس بالضرورة أن يصل إلى نشوب حرب ثانية قريبة، بين المملكة المتحدة والأرجنتين. لكن هذا الاحتمال غير مستبعد، بحكم الخلفية وما يحتضنه هذا النزاع من عوامل التفجير.
وإذا انفجر الصراع فقد يهدّد، هذه المرة وفي ظلّ الظروف والمعطيات المختلفة؛ بخلق أزمة كبيرة بأبعادها وتداعياتها. لاسيما وأن جرح الماضي القريب لم يندمل بعد؛ وأن عملية الاستفراد بالأرجنتين ليست سهلة كما كانت عليه. الأوضاع في أميركا الجنوبية والعلاقات بين بلدانها مغايرة تماماً لما كانت عليه؛ آنذاك. فضلاً عن أن وضع واشنطن اليوم، هو غير ما كان عليه أيام ريغان في بداية الثمانينيات. بالتالي الخيار العسكري اليوم ليس متاحاً لبريطانيا، بنفس القدر الذي توفر لها، في المرة السابقة. طريقه ليست سالكة تماماً.
إلا إذا كان تشبث الإمبراطورية العجوز، ببقايا ماضيها الاستعماري يحجب عنها كل هذه الاعتبارات والحسابات، التي توجب معالجة موضوع «المالوين»، من خلال البحث عن صيغة مقبولة تنهي هذا الوضع الكولونيالي البائد وتحفظ لها بعض ماء الوجه؛ في آن.
لكن ما قامت به بريطانيا وأعاد السخونة إلى هذا الملف، لا يشي بوجود نيّة من هذا النوع. فجأة ومن دون تشاور، بدأت التنقيب عن النفط؛ قبالة شواطئ الجزر. المعروف أن النزاع حول هذه الأخيرة لم يحسم بعد. حرب 1982، حسمت المواجهة العسكرية لصالحها، بعد أن تمكن أسطولها البحري من هزيمة القوات الأرجنتينية. الجزر بقيت أرضا متنازعا عليها. السيادة النهائية عليها بقيت في حالة تعليق. بريطانيا فرضت تبعيتها لها بالقوة.
لكن الأرجنتين لم تتنازل عنها؛ ولو انسحبت منها اضطراراً. بذلك بدت خطوة بريطانيا استفزازية. لاسيما وأنه سبق وتردّد أن المنطقة فيها احتياطي نفطي، ربما كان من العيار الكبير. وربما زاد من الاستفزاز، أن هناك اتفاقية بين بريطانيا والأرجنتين؛ موقعة عام 1995، تقضي «بتشجيع التنقيب عن النفط والغاز الطبيعي في منطقة جنوب غرب المحيط الأطلسي»، ومنطقة «المالوين»، جزء منها.
صياغة، تفيد بأن يحصل ذلك بالتعاون والتشاور، بين البلدين، انفراد بريطانيا بالتنقيب، ينسف هذا التفاهم. يرمي إلى التذكير بوجودها الاستعماري المتبقي. كما أشعل نار النزاع من جديد، عندما سارعت الأرجنتين إلى الاعتراض على عمليات حفر الآبار النفطية، الجارية.
وكان من الطبيعي، في ضوء الخلفية المعروفة؛ أن يحتدم الجدل. بريطانيا رفضت الموقف الأرجنتيني وزعمت أن ما تقوم به «يجري وفق القانون الدولي». ثم توسّع الدخول على خط تصاعد الخلاف. الأرجنتين استنجدت بالأمم المتحدة. دعمتها البرازيل، بمطالبة الأمين العام للمنظمة الدولية «بإعادة فتح النقاش» بشأن السيادة على الجزر.
الإدارة الأميركية، دعت الجانبين، بلسان وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون، إلى البحث عن «حل سلمي». وهذا اعتراف بوجود نزاع. عرضت الدعم المعنوي مع القيام بما يؤدي إلى «تسهيل» المفاوضات؛ لكن «من غير وساطة». التطور المهم، أن دول أميركا اللاتينية والكاريبي، أصدرت بياناً، شدّد على «دعم الأرجنتين في حقها المشروع، في النزاع على السيادة ـ على الجزر ـ مع بريطانيا».
ويأخذ هذا البيان زخمه من كونه صدر خلال اجتماع قادة هذه الدول، 32، في المكسيك وإعلانهم عن إنشاء منظمة إقليمية جديدة؛ كبديل عن منظمة الدول الأميركية التي هيمنت عليها واشنطن منذ تأسيسها. وهذه الأخيرة لم تدع لا هي ولا كندا، إلى قمة المكسيك. الرسالة واضحة: أميركا اللاتينية قررت، مع الكاريبي، الخروج من تحت عباءة واشنطن.
وثيقة هذا الجسم الإقليمي الجديد المتحرر من النفوذ الأميركي، بخصوص «مالوين»، ليست أقل من رسالة بشقين: الأول موجّه لواشنطن، يحذر من دعم بريطانيا، على غرار ما حصل في حرب 1982. والثاني، برسم بريطانيا لإشعارها بأن الأرجنتين هذه المرة لن تكون وحدها في مواجهة القوة المستعمرة للجزر، الملحقة بالتاج البريطاني منذ 1833 والبعيدة عن شواطئه أكثر من 12 ألف كلم.
مسألة «مالوين»، طالت أكثر من اللازم. الزمن الكولونيالي ولّى وانطوى. تصفيته أقرتها ورعتها الأمم المتحدة. الجزر تبعد حوالي 450 كلم فقط عن شواطئ الأرجنتين. حان وقت التدخل الدولي لردها إلى الأرض الأم. كما عادت هونغ كونغ إلى الصين. المكابرة البريطانية خارج التاريخ.
فيكتور شلهوب
