لا تبدو الساحة الحزبية الإسرائيلية على ما يرام، لاسيما بما يخص الأحزاب الأربعة الكبيرة (كاديما وليكود وإسرائيل بيتنا والعمل)، التي تبدو خاضعة لنوع من الفك والتركيب، في المرحلة المقبلة.
فهذا حزب كاديما مثلا يشهد نوعا من الصراع على القيادة بين زعيمته تسيبي ليفني وشاؤول موفاز (الرجل الثاني في الحزب)، لاسيما بسب إحسباس موفاز بأحقيته برئاسة الحزب من ليفني، وأخذه عليها عزوفها عن المشاركة في حكومة نتنياهو، وتمسكها بالمعارضة من خارج الائتلاف الحكومي. ومعلوم أن ثمة أعضاء كنيست من هذا الحزب يميلون للخروج منه والانضمام للحكومة، بتشجيع من رئيسها بنيامين نتانياهو، الذي يطمح لتحطيم كاديما، وتعزيز حزبه ليكود. ومن وجهة نظر عوزي برعام (وزير وقيادي سابق عن حزب العمل) فإن «لفني»، كرئيسة حزب، حاولت أن تعرض اختلافا سياسيا واضحا بينها وبين الحكومة، ولكنها فشلت في قدرتها على إيجاد التماسك داخل كتلة منفصلة ذات دوافع شخصية، تفتقر إلى التكامل والماضي السياسي..احتمال الانشقاق في كاديما قائم. فعلى مقاعده يجلس ركاب «ممن يطلبون أن تقلهم السيارة بالمجان» من اليمين القديم ومن اليسار القديم، ومن شأنهم أن يغادروا كاديما أيضا بسبب إغراءات نتنياهو». («إسرائيل اليوم»، 217)
وبالنسبة لحزب «إسرائيل بيتنا»، لليهود الروس من القادمين الجدد، بزعامة افيغدور ليبرمان (وزير الخارجية)، والذي شكل مفاجأة الانتخابات للكنيست الثامنة عشرة (قبل عام)، فهو لا يبدو حزبا، بمعنى الكلمة، حيث يفتقد لهوية أيدلوجية وللرؤية السياسية، وهو يتخذ مواقف يمينية متطرفة في السياسة الخارجية. وهذا الحزب هو أقرب إلى تجمع مصلحي لمجموعات من القادمين الجدد من يهود الاتحاد السوفييتي السابق، ويديره ليبرمان بطريقة فردية، ومزاجية.
أما حزب العمل، والذي تراجع كثيرا من المكان الأول أو الثاني إلى المكان الرابع في عدد مقاعد الكنيست، فيبدو أكثر قابلية للتفكك والتراجع. وسبب ذلك أن هذا الحزب أضاع هويته وملامحه، كحزب يساري ـ اجتماعي، وكحزب مؤيد للتسوية، وبسبب عنجهية زعيمه الحالي أيهود باراك، وميله للتحالف مع ليكود. وبنتيجة كل ذلك فقد تراجعت مكانة الحزب في المجتمع، وغادره عديد من قيادييه. ويشرح غابي فيمن وضع حزب العمل بالتالي: «هذه السفينة الغارقة يغادرها القادة والملاحون، وآخرهم كان عضوا الكنيست أوفير بينس ويولي تامير.
فقد بلغ اليأس منهما مبلغا بحيث أنهما لن يكلفا نفسيهما عناء تشكيل حزب جديد أو التمرد على زعيمهم إيهود باراك. فقبطان السفينة باراك، الذي تتطلع عيناه إلى آفاق شخصية، ينظر إلى سفينته الغارقة وإلى طاقمها اليائس، ولا يفعل شيئا لإنقاذها. »(«هآرتس» 23/2) أخيرا يبقى في الخريطة حزب الليكود، أي حزب السلطة، وهو الحزب الذي يتزعمه نتنياهو رئيس الحكومة. وعلى رغم أن هذا الحزب يبدو مستقرا، وفي مكانة قوية، إلا أنه يواجه صعوبات في الحفاظ على الائتلاف الحكومي من جهة، وتلبية الضغوطات الدولية، من جهة أخرى، لاسيما بشأن تسيير عملية التسوية، ووقف الاستيطان، وتحسين صورة إسرائيل الخارجية، وتعزيز علاقاتها مع الولايات المتحدة والدول الأوروبية.
هكذا، ثمة واقع يتمثل بانحسار تيار اليسار والوسط في المجتمع الإسرائيلي، لصالح اليمين (القومي والديني)، أي لصالح أحزاب ليكود وإسرائيل بيتنا وشاس والبيت اليهودي.
إضاءة
عن تغير الخريطة الحزبية يقول غابي فيمن«انقضت سنة واحدة منذ انتخابات الكنيست، وبدأت الأحزاب التي شاركت فيها بالتفكك. قريبا سنجد أن الأحزاب التي عرفناها لم تعد موجودة.. موت الأحزاب الحالية لن يترك فراغا..ثمة عدد من السيناريوهات ترتسم..السيناريو الأول.. هو الارتباط بين نتنياهو وباراك. نتنياهو مع رصيد النجاح الاقتصادي، وباراك يتمتع بالزخم الأمني، يمكنهما معا أن يقودا الوضع وأن يتخلصا من المتمردين في كلا الحزبين. وبصورة مماثلة، يمكن توقع تكتل بقايا حزب العمل مع حركة ميرتس لتشكيل كيان سياسي يحاول الحفاظ على.. الإرث الاشتراكي.» («هآرتس»، 223)
وبحسب استطلاع للرأي أجرته «هآرتس» من خلال معهد «ديالوغ»، بإشراف البروفيسور كميل فوكس (من جامعة تل أبيب)، تبيّن «التعزز الكبير لكتلة اليمين وانكماش أليم لكتلة الوسط واليسار. وإذا كانت في الكنيست الحالية علاقات القوى هي 65 مقعدا لليمين، 55 لأحزاب الوسط واليسار، ففي هذا الاستطلاع ميزان القوى هو 72 ؟ 48. في الأشهر التسعة انتقلت سبع مقاعد من الوسط - اليسار إلى اليمين. كديما لم يتعزز وهو يحافظ على قوته ولكن العمل يتحطم مع ستة مقاعد فقط بدلا من 13 الحالية وهو في طريقه إلى الاختفاء عن الخريطة السياسية. («هآرتس»، 1113)



