ازداد الحديث في إسرائيل عن قيام الفلسطينيين بانتفاضة ثالثة، من نوع جديد، يختلف عن الانتفاضتين: الأولى (انتفاضة الحجارة)، والثانية (التي طغى عليها طابع المقاومة المسلحة).

ويرى بعض المحللين الإسرائيليين بأن هذه الانتفاضة السلمية، أو البيضاء، لن تكون أقل إقلاقا لإسرائيل من سابقتيها، بأبعادها وتأثيراتها، لاسيما أن إسرائيل لاتستطيع شيئا إزاء هكذا انتفاضة، وتعمل وفق معايير الشرعية الدولية وحقوق الإنسان، وباستخدام ناجع لوسائل الإعلام والاتصال الحديثة.

ومن مظاهر هذه الانتفاضة، مثلا، المظاهرات المستمرة والعنيدة لأهالي قريتي بعلين ونعلين في الضفة، ضد بناء الجدار الفاصل، والتي يشارك فيها نشطاء دوليون ويهود من اليسار الإسرائيلي. وكذا المظاهرات التي اندلعت مؤخرا في الخليل ضد قرار إسرائيل ضم الحرم الإبراهيمي وقبر راحيل إلى الأماكن التراثية الإسرائيلية. والإعلان عن مقاطعة البضائع القادمة من المستوطنات، والدعوة للمقاطعة الأكاديمية للجامعات الإسرائيلية، وشن حملة لعزل إسرائيل على الصعيد الدولي ونزع شرعيتها (مثال تقرير غولدستون، وبيان الاتحاد الأوروبي والتقرير السويدي بشأن بيع أعضاء شهداء فلسطينيين). ويأتي ضمن ذلك توجه السلطة لبناء المؤسسات والبني التحتية اللازمة للإعلان عن قيام الدولة الفلسطينية.

ويقارن شاؤول مشعل (البروفيسور في جامعة تل أبيب، ودورون متسا (الباحث في جامعة بن غوريون)، بين ما يجري اليوم في الضفة وبين «الثورات المخملية» على سلطات الاضطهاد ؟ «ثورة الورد» (جورجيا 2003) و «ثورة البرتقاليين» (أوكرانيا 2004) و «ثورة الملونين» (قرغيزستان 2005)، والتي كان هدفها الإتيان بالسلطات إلى مائدة التفاوض، وتقرر نجاحها باستعمال «سلاح» الإعلام».

وبرأيهما فإن ما يجري بمثابة «انتفاضة بيضاء» «يشتمل على بناء بنية تحتية مؤسساتية لدولة مستقبلة.» ويعتقد الباحثان، بأن إسرائيل ستكون في وضع حرج.. حيث إما «الخضوع للضغط، ما يعني مصادرة قدرتها على توجيه المسيرة السياسية؛ أو الصمود للضغط وهو ما سيعرضها لعزلة دولية تزداد.. قد تفضي هذه الخطوة إلى مصادمة عنيفة تعجل بتدخل دولي.» (هآرتس 23/2)

في السياق ذاته رأت عينات وايزمن (إعلامية وممثلة) أن إسرائيل «في ذروة انتفاضة ثالثة.. ولما كان يصعب تعريفها فإن قمعها صعب. انتفاضة تتنكر في زي المهرجان.. المظاهرات .. في كل قرية.. مثل احتفال ملون عشرات المتظاهرين اليهود الفلسطينيين والدوليين.. لا يمكن دائما التمييز بينهم.. لكن متحدثها الرئيس يهودي، فمن ينتمي لماذا وكيف نواجههم؟.» («معاريف»، 118)

ومشكلة إسرائيل مع هذه الانتفاضة، أيضا، أن السلطة الفلسطينية منخرطة فيها، وتضفي عليها بعدا سياسيا واضحا، بما يدعم موقفها بشأن إنهاء الأنشطة الاستيطانية، وحثّ قيام دولة في غضون عامين (بحسب برنامج حكومة سلام فياض). بل إن إسرائيل اسقط في يدها، إزاء القيادة الفلسطينية الحالية (أبو مازن وسلام فياض) التي تعمل وفق معايير الرباعية والشرعية الدولية، بالنسبة لإنهاء العمليات المسلحة.

وتثبيت الاستقرار، والتوجه نحو بناء مؤسسات السلطة)، ما عزز مكانتها وصدقيتها على الصعيد الدولي، في مقابل الحرج الذي باتت تستشعره إسرائيل، بسبب سياساتها الاستيطانية وحكومتها اليمينية، واتهاماتها بجرائم حرب، وغير ذلك من المشكلات السياسية والدبلوماسية، التي تتعرض لها (من مثل كيفية تعاملها مع السفير التركي ومؤخرا عملية اغتيال المبحوح في دبي).

ويصف أليكس فيشمان بسخرية وضع إسرائيل بمواجهة فياض بالتالي: «محافل الأمن تجلس في الأسابيع الأخيرة تحطم الرأس: ما العمل مع هذا الرجل، الذي يأخذ في التعزز ويحظى بالاستقلالية تتجاوز خططنا فياض، بالمشاركة مع أبو مازن نجح في تصفية «الفوضى» وأعاد إلى المواطن الفلسطيني الأمن الشخصي أوروبا والولايات المتحدة تدفع الأموال فقط بسببه.

وهو يعطيهم إحساسا بالنظافة، الشفافية والجذرية بدأ بإدخال النظام إلى المحاكم بدأ ببناء مؤسسات حكم أليس هذا ما أردناه؟ يتبين أن ليس بالضبط إنه يبدأ في إقلاقنا في إرجاء العالم ويهدد بتحقيق أهدافه رغم أنفنا.. يطالب بمزيد من المدن في الضفة.. بمضاعفة كتائب الجيش الفلسطيني.. يطالب بعملة فلسطينية..

أقام لجان وزارية للتشهير بإسرائيل في الساحة الدولية.. قدرته على إقناع العالم تصيبنا بالجنون في إسرائيل يخشون أنه سينجح بأن ينتزع من الأمم المتحدة قرارا بإقامة دولة في حدود 1967، مع عاصمة في القدس، دون مفاوضات مع إسرائيل». («يديعوت أحرونوت»، 131)

وبحسب عكيفا ألدار فإن «فياض لا يدعو إلى تفاوض سلمي، أو إلى مقاومة عنيفة للاحتلال بل ولا لعصيان مدني اشد الاحتجاجات عنفا الذي شارك فيها فياض مراسم إحراق سلع تنتج في المستوطنات. سلاحه هو المسؤولية والنجوع والشفافية والصبر.. تعلم الجيش اليهودي علاج الإرهاب، وابتدع «القبة الحديدية» ونجح المال اليهودي في تثبيط الضغط الأميركي لتجميد البناء في المستوطنات.

لكن لا تصور لكيفية مواجهة خبير اقتصاد لم يحمل مسدسا انفق أكثر من 150 مليون دولار في بناء مئات المدارس والعيادات والمكتبات والمباني الجديدة وتحسين شبكة الكهرباء والماء والصرف الصحي والشوارع دولة فياض على الطريق بيقين قال بيرس، أن فياضا هو بن غوريون الفلسطيني: فهو أيضا يبني دولة تحت احتلال أجنبي وبرغم الاحتلال الأجنبي.» («هآرتس»، 214)

عجز إسرائيل

«كانت الانتفاضة الأولى مفاجئة.. الفلسطينيون في مواجهتنا.. الدوليون راقبونا من أوروبا.. الانتفاضة الثانية.. تميزت بأعمال انتحارية وبإرهاب.. العطف الدولي الذي حظي به الفلسطينيون في الانتفاضة الأولى تصدع إزاء صور التفجيرات..

للانتفاضة الحالية وسائل أخرى: فهي تستعمل وسائل مقاومة شرعية ؟ مظاهرات غير عنيفة، وأنباء إلى وسائل الإعلام والقطيعة.. لم تعد وسائل القمع والحلول قاطعة، ويشهد بذلك نشاط الدولة الحائر في مواجهة النضال. فالمظاهرات تفرق باستعمال وسائل مختلفة عجيبة..

منذ انضم اليهود والدوليون لم يعد ممكنا استعمال النار الحية.. فهنالك الغاز المسيل للدموع، ورصاص الملح، وبخاخ الفلفل، وأعمال الدهم الليلية والاعتقال الإداري، وتحقيقات الشاباك لا مع الفلسطينيين فقط. (عينات وايزمن «معاريف»، 118)

ماجد كيالي