في الرابع من فبراير الماضي نظرت محكمة الحجّار بولاية عنابة الواقعة أقصى شمال شرق الجزائر في قضية مقتل طالبة في ظروف غامضة داخل مختبر بكلية البيولوجيا في جامعة المدينة. وقد وجدت نجاة لصقع (24 سنة) المنحدرة من مدينة سطيف القريبة في بهو المخبر ملقاة على الأرض غارقة في حمام من «حمض الأسيد» القاتل.
المأساة وقعت في مايو من السنة الماضية والتحقيق لا يزال جاريا بحثا عن ملابسات الحادث وكشف الفاعل. تلك لم تكن جريمة القتل الأولى داخل الحرم الجامعي في الجزائر، ولا يوجد أي مؤشر على أنها الأخيرة.
فهي خامس حالة خلال العامين الأخيرين. فقبلها بنحو شهر أقدم طالب بمعهد الترجمة بجامعة سطيف على توجيه طعنات قاتلة داخل قاعة المحاضرات، لزميل له من ولاية البرج لمجرد أنه سخر منه حين أخطأ في التعبير باللغة الفرنسية. وفي أكتوبر 2008 قتل طالب من جامعة مستغانم أستاذه بعدما علم أنه منحه نقطة تسببت في رسوبه بالسنة الثانية جامعي.
طعن بالخبز
وقال شهود إن الطالب دخل مكتب الأستاذ محمد بن شهيدة الذي يشغل أيضا منصب رئيس دائرة الإعلام الآلي في الجامعة وطلب منه تعديل النقطة بما يمكنه من النجاح والانتقال إلى السنة الثالثة، ولما رفض الأستاذ كون إجابة الطالب على الأسئلة لا تستحق أكثر مما نال، استل خنجرا من جيبه وطعنه عشرين مرة في مختلف مناطق الجسم فقتل على الفور فيما اقتيد الطالب إلى الحبس الاحتياطي مباشرة وصدر في حقه حكم بالسجن المؤبد.
وفي ذات العام حدثت جريمتا قتل أخريين بحق طالبة في جامعة باب الزوار للعلوم والتكنولوجيا وأستاذ يشغل أيضا منصب مدير دراسات بجامعة الجلفة دفعه طلاب غاضبون فسقط سقطة مميتة.
نسخة من عنف المجتمع
خمس حالات قتل في ظرف عامين داخل الجامعات الجزائرية دفعت الأساتذة والمنظمات الطلابية والإدارة إلى دق ناقوس الخطر والمطالبة بدراسة الموقف ووضع الترتيبات اللازمة لوقف النزيف. وحتمت على البرلمان تخصيص جلسة لمناقشة العنف القاتل وأسبابه وما يمكن أن يكون طريقا للعلاج، وعبر النواب عن خشيتهم أن تتعايش الجامعة مع الظاهرة وأن يصبح القتل أمرا عاديا مثله مثل التحرش الجنسي والعنف الجسدي واللفظي وغيرها من السلبيات التي اعترف الكل أنها تمكنت من الجامعة وأخضعتها بلا رادع.
لم يخف وزير التعليم العالي والبحث العلمي رشيد حراوبية تعقد الوضع وصعوبة علاجه. وأعلن عقب مقتل الأستاذ محمد بن شهيدة عن انطلاق مخطط وقائي متعدد الأوجه لوقف مسلسل المآسي. لكن استمرار عوامل الفلتان، وارتباك السلطات أمام تكرار الأحداث حجب التفاؤل وأبقى على التوتر. وحاولنا فهم ما يحدث فسألنا نجود ناصر الأخصائية في علم النفس فأكدت بأن ظاهرة القتل في الجامعة انعكاس للوضع القائم في المجتمع وهي لم تأت من العدم ولا يمكن ـ بالتالي ـ معالجتها بمعزل عما يحدث في محيطها.
وقالت إن العنف المسلح في البلاد لما يقارب عشرين عاما ترك أثره في جميع الأوساط. والطالب الذي يقتل اليوم زميله أو أستاذه لسبب بسيط نشأ في ظل هذا العنف والدماء والمآسي الكبرى التي مرت بها البلاد ولا تزال آثارها بادية.
وقالت «لو حدثت الطالب قبل ارتكابه الجريمة عن القتل لكان موقفه مخالفا لما فعله لكن في لحظة رد الفعل عن أمر أغضبه ارتكب الحماقة لأن رد الفعل هذا حاضر في المجتمع ويلجأ له عند الحاجة للرد بقوة».
وأضافت بأن حالات القتل سجلت حتى في المدارس الإعدادية والثانوية في السنوات الأخيرة. وهي تصرفات تعطي الانطباع بأن جيلا تربى وسط ممارسات عنيفة وحكايات يومية عن العنف ووسائل إعلام مليئة بالعنف يحمل الاستعداد لممارسة ما يعيشه في أي لحظة بمجرد توفر الدافع.
العنف متجذر
لكن محمد رباح وهو إعلامي وفدائي قديم أبان قضية الاستقلال يرى أن الجزائريين عاشوا العنف منذ أجيال ولم تتوفر لهم الفرصة للخروج من الدوامة. وحتى الجامعة عاشت القتل والتعذيب أثناء ثورة التحرير بين 1954 و1962.
وقال إن قوات المظليين في الجيش الفرنسي التي كانت مكلفة بقمع الثورة في العاصمة نكّلت بعدد كبير من الجامعيين ومنهم من توفي تحت التعذيب كما حدث لأستاذ الرياضيات في كلية العلوم الدقيقة موريس أودان ذي الأصول الفرنسية الذي تعاطف مع قضية كفاح الجزائريين من أجل الاستقلال.
وكان البوليس الفرنسي يقوم بعمليات داخل الحرم الجامعي بتطبيق قانون الطوارئ. وأكد الدكتور عبد الحق برارحي وزير التعليم العالي الأسبق (1979 ـ 1988) أن الظاهرة التي نعيشها اليوم بدأت باحتقان سياسي نتيجة الصراعات في المجتمع وفي أعلى هرم السلطة، فقد كانت الجامعة على الدوام «يسارية» كما كانت جامعات العالم، وفي بداية الثمانينات عملت أطراف في السلطة على قلب الوضع فوفروا الأجواء والمساعدة لمجموعات من التيار الإسلامي تشكلت بطريقة حربية فأحدثت ارهابا داخل الجامعة.
ومارست ضغوطا على الطلاب وكانت تقتحم غرفهم ليلا وجلدت الكثيرين من المنتمين لليسار ومن البربر أيضا بدعم من أجهزة الأمن، في محاولة لتغيير وجه الجامعة، لكن هذا التيار كبر وطغى وانقلب حتى على جهاز الحكم الذي دعمه وساعده على البروز.
وذكّر عبد الكريم مهني رئيس اللجنة الوطنية للطلبة وقتها بأن الإسلاميين قتلوا الطالب كمال أمزال بسيف في الحي الجامعي بابن عكنون لمجرد أنه كان يعلق إعلانا لمنظمته تدعو الطلاب للاحتفال بذكرى 19 مايو التي ترك فيها الطلاب مقاعد الجامعة عام 1956 والتحقوا بصفوف الثورة. كمال قتل والمجرمون أفلتوا من العقاب لأن النظام كان يتعاطى ايجابيا مع الإسلاميين والمتشددين لحاجته إلى خدماتهم.
العنف اللفظي والتحرش الجنسي
ولئن كانت حالات القتل المتكررة ولأتفه الأسباب شدت الانتباه لخطورتها ولكونها تمثل قمة التصعيد، فثمة أنواع أخرى من العنف متفشية وآخذة في الانتشار بالجامعات الجزائرية. فقد أكدت دراسة العام 2008 أن 40 بالمائة من الطلاب والطالبات في الجامعات الجزائرية تعرضوا لشكل من أشكال العنف اللفظي والجسدي والتحرش الجنسي مرة واحدة على الأقل خلال تواجدهم بالجامعة.
وبحسب الدراسة فإن الأساتذة يتسببون في 38 بالمائة من حالات التعدي والتعنيف ويتسبب الطلاب في 62 بالمائة إما ضد أساتذتهم أو ضد زملائهم. وتأتي أغلب الممارسات العنيفة من منتسبين لمنظمات طلابية متناحرة بحكم اختلاف ولاءاتها السياسية. ويتعرض الطلاب الذين يمتنعون عن الاستجابة لنداء الإضراب مثلا إلى اعتداء ممن يقودون حملة الإضراب وهذه الظاهرة تتكرر مرات عديدة كل موسم دراسي.
ومع أن وزارة التعليم العالي والبحث العلمي هددت في أكثر من مناسبة بمعاقبة المتسببين في الاضطرابات لأغراض سياسية لكن تهديداتها ظلت مجرد مشاريع، لأن عالم الجامعة في الجزائر واسع ومتشعب وحساس في الوقت نفسه.
وربط عبد المالك رحماني الأمين العام لمجلس أساتذة التعليم العالي التغير في الجامعة بحصول تطور ايجابي في المجتمع ونظام الحكم وقال «إن انفتاحا سياسيا أكبر وحريات أوسع داخل المجتمع من شأنه أن يساعد على إعادة السلم للحرم الجامعي».
الجزائر ـ مراد الطرابلسي
