الملفات المعروضة أمام الأمن الفلسطيني ثقيلة. وثقلها يتناسب والمكانة السياسية لقضية لاتزال تصوغ الأجندة الدولية في المنطقة باقتدار. التحديات تبدأ من إسرائيل ولا تنتهي معها. فهي تمتد لتشمل قوى إقليمية محيطة تبحث عن موطئ قدم في هذه الساحة بالغة الحساسية.

وتشمل أيضاً الملفات الداخلية، مثل حركة «حماس» التي سيطرت على قطاع غزة بالقوة وسلخته عن السلطة. وتشمل كذلك المجموعات السلفية التي بدأت تظهر في الأراضي الفلسطينية. وتتضمن فوق ذلك ملفات أخرى داخل المؤسسة الفلسطينية نفسها، مثل تدخل الأمن في الأمور السياسية وفي الحياة الشخصية للسياسيين وحقوق الإنسان وخلافه. حملنا كل الأسئلة المثارة حول هذه الملفات إلى وزير الداخلية الدكتور سعيد أبوعلي، صاحب الشخصية الهادئة، والثقافة الرفيعة «يحمل شهادتي دكتوراة في العلوم السياسية والقانون الدولي من فرنسا وتونس». يقول الدكتور أبوعلي عن مصادر التهديد الأمني في الأراضي الفلسطينية بأنها «متعددة، وتختلف درجاتها». لكنه يؤكد «أن مصدر التهديد الدائم هو استمرار الاحتلال الإسرائيلي».

الجماعات الجهادية

وعن اعتقال مجموعات تنتمي إلى السلفية الجهادية في الضفة الغربية مؤخراً. يقول إن الأمر لم يصل إلى مستوى وجود ظاهرة اسمها الجماعات الجهادية، إنما حالات. ويصف المعتقلين بأنهم «أفراد يحاكون الشعار والموقف وبعض السلوكيات». ويؤكد: «لا نستطيع أن نجزم أنهم امتداد للقاعدة أو أن لديهم روابط عضوية مع تلك المنظمات، هنالك شبهات. لكن كلما استمرت حالة الجمود، وانعدام الأفق السياسي والمصاعب الحياتية وتراجع الأمل. كانت هنالك أرضية خصبة لانتعاش أفكار التطرف».

ويضيف: «ساحتنا الفلسطينية مفتوحة، ونحن نتعامل على هذا الأساس. هنالك محاولات واسعة لاختراقها، ونحن نفهم هذا، ونتعامل على أساسه. أما بالنسبة للمجموعة المذكورة فقد اغتالت إسرائيل أعضاءها، ورحلوا وأسرارهم معهم. لكننا لسنا في وضع هش قابل للكسر من قبل هذا التنظيم أو ذاك، هنالك محاولات كثيرة لاختراق ساحتنا لكنها متابعة جيداً».

ويؤكد أبوعلي أن إسرائيل تفرض قيوداً صارمة على تسليح السلطة الفلسطينية.

وحول ما يشاع عن قيام أجهزة الأمن الفلسطينية بالتنصّت على مكالمات المواطنين قال: «التنصت ممنوع قطعياً بموجب القانون، والأصل هو احترام حرية وخصوصية المواطن، وهنالك تعليمات من الرئيس أبومازن، وهنالك متابعة من رئيس الحكومة فياض ومن قادة أجهزة الأمن الذين يشكلون الهيئة الأمنية للتقيد بذلك. وأي تسجيل يتطلب قراراً من النيابة، وإذا ما أثبتت لجنة التحقيق صحة التسجيل الوارد في القضية الأخيرة المثارة (قضية الدكتور رفيق الحسيني)، فإن ذلك سيكون استثناء وليس قاعدة في عمل المؤسسة الأمنية.

حماس وتهديد الأمن

وحول ما إذا كانت حماس تشكل تهديداً على الأمن في الضفة كما حدث في غزة، قال: «حماس لا تشكل تهديداً بالمعنى الوجودي، فنحن واثقون من قدرة الأجهزة الأمنية، ومصادر التهديد الأخرى موجودة وقائمة، ويمكن أن تنشأ عن الجمود في عملية السلام».

وحول التنسيق الأمني مع إسرائيل يقول: «التنسيق الأمني مسقوف باحتياجات السلطة الفلسطينية. ففي حال نقل معتقلين جنائيين من محافظة إلى أخرى فإن هذا يتطلب تنسيقاً أمنياً مع الطرف المسيطر وهو إسرائيل. فنحن لسنا دولة مستقلة. الإسرائيليون يبعدون عن مدننا بضعة مئات من الأمتار فقط، ولا تستطيع قواتنا أن تتنقل أو أن تعمل خارج المدن دون تنسيق.

هناك قضايا جنائية، تحتاج إلى متابعة، وهذا لا يتم دون تنسيق لنقل أفراد الشرطة والأمن. فنحن نتحدث عن بناء أجهزة أمنية، وهذه عملية تحتاج الكثير من المتطلبات في البنية التحتية، والأراضي الفلسطينية مقسمة وفق الولاية الأمنية، فالمنطقة «أ» تخضع للولاية الأمنية الفلسطينية، أما المنطقتان «ب» و«ج» فتخضعان للولاية الأمنية الإسرائيلية.

فكيف يمكننا تحريك دورية شرطة من رام الله إلى إحدى القرى المجاورة دون مرور عبر الحواجز الإسرائيلية؟ إذاً التنسيق فقط من أجل مصالح المواطن الفلسطيني الحر الذي يتطلع إلى حرية وطنه وشعبه ويشارك في تنمية انعتاقية من الاحتلال».

المؤسسة فوق الكل

ويقول الدكتور أبوعلي إن المؤسسة الأمنية الفلسطينية تشهد تطوراً متسارعاً ضمن برنامج الحكومة الرامي لإقامة دولة فلسطينية مستقلة في غضون عامين.

ويقول: «الأمن أصبح مؤسسة لها مرجعية سياسية، وأنا أتلقى تعليمات مكتوبة من الرئيس. وأسبوعياً لدينا اجتماع، أنا ومعي قادة أجهزة الأمن مع رئيس الحكومة، نناقش فيه كل شيء، ونتخذ القرارات اللازمة. كما أن أجهزة الأمن لم تعد أجهزة وإنما جهاز متكامل الاختصاص. لقد حل التكامل محل التنافس».

وأضاف: «أنا لا أدعى أننا وصلنا إلى الوضع المثالي، لكنني مطمئن إلى مسيرة التطور في هذه المؤسسة. نحن في سياق عملية تراكم إلى الأمام».

ومضى يقول: «لدينا الآن مدونة سلوك لأفراد الأمن. هذه مسألة مهمة، كيف يشكل رجل الأمن واجهة السلطة، ونموذجاً في تعامله مع المواطن. لدينا برامج تطويرية خاصة لتطوير السلوك والثقافة السائدة في المؤسسة الأمنية. ولكي يشعر رجل الأمن بكرامته يجب أن نوفر له احتياجاته. هذه ليست عملية سهلة، خاصة إذا كنا نتحدث عن عشرات الآلاف من المنتسبين لهذه المؤسسة».

وقال أبوعلي إنه حتى لو فشلت المفاوضات فليس هناك خطر من انهيار المؤسسة الأمنية كما حدث أثناء الانتفاضة. ويضيف: «لكن هذا لا يعني أن غياب أفق سياسي لا يشكل تهديداً صعباً. على العكس. لكن مهمة المؤسسة ليس الحفاظ على أمن الإسرائيلي وإنما حماية التزامات السلطة في إطار العملية السياسية التي تقود إلى تحقيق أهدافنا.

نحن نبنى مؤسسات دولة، وهذه المؤسسات ستجعل الدولة حقيقية قائمة معترفاً بها دولياً، ويبقى أن نعمل ومعنا العالم على إزالة هذا الاحتلال. نحن لا نسمح بأي انهيار لمؤسسة نحن نبنيها كي تكون أحد أعمدة الدولة التي بات العالم كله يدرك أنها المخرج الوحيد لأزمة المنطقة».

وحول معتقلي حركة حماس يؤكد أبوعلي أن عددهم انخفص إلى نحو 250 معتقلًا وأن الانتهاكات التي سجلتها بعض مؤسسات حقوق الإنسان ليست سياسية وإنما تجاوزات فردية.

وأضاف: «لدينا لجنة رقابة دائمة من الوزارة تطوف على السجون وتلتقي المعتقلين وتسألهم عن أوضاعهم، وتقدم توصياتها لوضع أي حد لأي انتهاك لحقوق الإنسان. نحن نريد أن نبني بلداً موحداً نحافظ فيه على السلم الأهلي، وهذا لا يمكن مع انتهاك حقوق الإنسان».

حوار: محمد إبراهيم