في نقده لهذا الكتاب يوضح الكاتب الأميركي «جوناثان تبرمان» أن المؤلف يرى في أيام جورج بوش بلورة دقيقة لكل ما لحق بالنظام الأميركي من أخطاء وسلبيات. من ناحيته يرى أندرو باسيفتش مؤلف كتابنا أن في مقدمة هذه الأخطاء والسلبيات ما يطلق عليه المؤلف العبارة الموجزة التالية: الأزمة السياسية
هذا هو أيضا عنوان الفصل الثاني من فصول الكتاب.. والحق ؟ كما يوضح استهلال هذا الفصل أن التحولات التي أصابت النظام الأميركي لم تبدأ مع حقبة جورج بوش عند مستهل القرن الحادي والعشرين.. لكن جذورها ربما تعود إلى المراحل التي رافقت منتصف القرن العشرين. في هذا السياق يوضح المؤلف كيف حافظ الرؤساء الأوائل للولايات المتحدة على المبدأ الجوهري في إدارة المنظومة الديمقراطية الأميركية.. ويعرف هذا المبدأ بالاسم التالي: الضوابط والتوازنات. هذا المبدأ نابع من حقيقة الفصل بين السلطات الأساسية الثلاث التي تدير شؤون الدولة الحديثة.. وهي: السلطة التنفيذية (الحكومة) ، السلطة التشريعية (البرلمان) ، السلطة القضائية (حماية وتفسير الدستور وتقوم على أمره تحديدا في أميركا المحكمة العليا).
يشير المؤلف إلى انه في هذا الإطار تستلزم الممارسة الديمقراطية أن تراقب كل سلطة الأخرى.. بمعنى أن يتم تبادل الضوابط فيما بين السلطات الأساسية الثلاث.. وفي هذا يتحقق مبدأ التوازن فيما بينها.. وهو المبدأ الذي يكفل دستوريا عدم تركيز السلطة في يد واحد بعينه من هذه الفروع الثلاثة التي تتشكل منها الدولة، وبحيث لا تجور إحداها على الأخرى. بيد أن المشكلة، كما يوضح مؤلف الكتاب هي ما حدث من تركيز السلطة والنفوذ والتأثير في يد الفرع التنفيذي وهو الحكومة أو الإدارة التي يقوم على أمرها البيت الأبيض بمعنى رئيس الدولة ومعاونوه من وزراء ومستشارين ومساعدين.
وهنا يقول لنا المؤلف بعد هذا التركيز (المسيء للديمقراطية) يصبح من الخطأ (إلى حد الغش والتدليس) أن نصف هذا الوضع بأنه «جمهورية».. وإلا كنا نكتفي بوصف السفّاح هتلر بأنه.. مجرد حاكم مستبد.. أو كمن يطلق على التفجير الذري المدمر في هيروشيما وصف قنبلة.. مجرد قنبلة ليس إلا.. * ما هو السبب إذن في ذلك التجميع لمقاليد القوة السياسية في يد السلطة التنفيذية وحدها؟ ـ السبب يعزوه المؤلف إلى سلسلة متوالية من حالات الطوارئ التي عاشتها الأمة الأميركية منذ نشوب الحرب العالمية الثانية الأمر الذي ظل يقتضي سلسلة من تدخلات الفرع الإداري التنفيذي من الحكومة.. وطبعا على حساب الفرعين الآخرين.. الكونجرس والمحكمة العليا، بل زاد هذا التركيز ليتجمّع عند المستوى المركزي في واشنطن.. وليتم بداهة على حساب حكومات الولايات والمستويات المحلية.. وتم أيضا لحساب التضخيم من سلطات رئيس الدولة في البيت الأبيض..
يقول مؤلف الكتاب (ص68): ابتداء من انتخاب جون كينيدي في عام 1960 تحوّل ساكن البيت (الرئاسي) الأبيض الى حيث أصبح مزيجا من نصف اله ووالد الشعب وبابا الكنيسة ونجما شعبيا محبوبا وكبش محرقة ينسبون إليه ما يرتكبه الآخرون من أخطاء ومسئول التعامل مع المشاكل برتبة مدير أزمات و قائدا أعلى للقوات المسلحة وواضع أجندات التنفيذ و فيلسوفا مفكرا ومفسر كاريزما الأمة بأسرها وموئل الإجلال والتوقير وأخيرا هدف النكات الساخرة التي يتبادلها الناس في كل لحظة وفي كل مكان.
الإمبريالي رقم واحد
باختصار يصف المؤلف كل هذه التركيبة من الخصائل والسمات قائلا: بصرف النظر عن خصائص رئيس الدولة الأميركية والمؤهلات التي يتمتع بها، يظل من المتعين على هذا الرئيس أن يضطلع بهذه الأدوار جميعا وبغير استثناء.
أما نقّاد السياسة الذين لا يعجبهم شيء فهم يكتفون بإطلاق وصف يروق لهم باستمرار على هذا الرئيس الأميركي الذي يجمع بين صفات النجم الساطع والرمز والمعبود والقائد الأعلى ومدير الإدارة.. فما بالك بأنه أيضا كبش الفداء وهدف النكات الساخرة.. والوصف هو: مسؤول الرئاسة الإمبريالية، بمعنى الحاكم المطلق.. ملك أو إمبراطور أميركا.
ثم يبادر المؤلف من باب الاحتراس موضحا أن الأمر ما كان لينطوي على هذه الرئاسة الإمبراطورية إلا بعد أن ارتضى الكونجرس وهو رمز السلطة التشريعية والحارس عليها بأن يتنازل عن معظم سلطاته لصالح الرئاسة التنفيذية في البيت الأبيض والفرع التنفيذي في منظومة الحكم، ولاسيما في المسائل التي تمس الأمن القومي سواء من قريب أو بعيد.
والحاصل أن هذا التنازل المطرد من جانب الكونجرس ولصالح الرئاسة وهذا الفرع التنفيذي.. جاء علامة على استضعاف السلطة التشريعية لحساب السلطة التنفيذية.. وفي هذا يحيل مؤلف كتابنا إلى ديفيد ارلنغتون، وكان رئيسا لديوان نائب الرئيس السابق ؟ ديك تشيني، حين قال: سنظل نضغط ونضغط ثم نضغط إلى أن تأتي قوة أكبر منا كي تقول لنا.. ستوب!
ويواصل المؤلف اتباع نفس المنطق من نقد استضعاف أو تخاذل أعضاء مجلسي الكونجرس، من نواب وشيوخ، يستوي في ذلك أعضاء الحزبين.. الديمقراطي والجمهوري، بعد أن كادت أهدافهما تقتصر على إعادة انتخاب هؤلاء الأعضاء في دوائرهم المحلية بالولايات والمقاطعات.. بكل ما يحفل به ذلك من صفقات سياسية، وتنازلات معنوية وتلقٍ لتبرعات من هذه الجهات أو تلك، مع رد الجميل للمتبرعين والمؤيدين والمصفّقين والمشجعين ؟ الهتيّفة كما يقول التعبير الشائع ؟ حيث يأتي هذا الرد للجميل على شكل خدمات سياسية وتسهيلات قانونية لصالح الجهات المتبرعة والمتنفذه وبصورة أقرب إلى رشاوى متبادلة بين الجانبين.
حدث عام 2006
وفي كل حال يشير المؤلف إلى ما شهده عام 2006 من إعادة انتخاب نسبة كبيرة بل ومريبة أيضا من أعضاء الكونجرس وصلت إلى 93 في المائة، وبمعنى أن الأمر لم يشهد تجديدا بقدر ما شهد ركودا سياسيا جاء أقرب إلى الالتفاف على الممارسة الديمقراطية.. ومن ثم يمكن القول ؟ كما يؤكد المؤلف أيضا (ص69) - بأن الولايات المتحدة أصبحت بحكم الأمر الواقع دولة حزب واحد لأن الفرع التشريعي أصبح واقعا باستمرار تحت سيطرة الحزب القابض على زمام السلطة في البيت الأبيض.
صحيح أنك تسمع انتقادات متبادلة بين أعضاء الحزبين في اجتماعات الكونجرس، لكن الأصح ـ كما يؤكد لنا المؤلف أيضا ـ أن الحزبين باتا يعملان بصورة واقعية أو مستترة على إبقاء الأوضاع على ما هي عليه دون تغييرات جذرية تُذكر أو تتم أساسا لصالح عامة الناخبين، ولدرجة يمكن معها القول بأن أعضاء الكونجرس من الحزبين يتعاونون بصورة أو بأخرى على تكريس «الستاتيوكو» بمعنى الإبقاء على الأوضاع الراهنة التي تحقق مصالح الطرفين..
وهنا يبادر مؤلف كتابنا فيسوق لقارئيه مثلا دالا وبليغا من سلوك الحزب الديمقراطي المعارض، أو المفروض أنه في المعارضة من قرار الرئيس (الجمهوري) بوش بغزو العراق: إن كثيرا من أعضاء الحزب المعارض أيدوا غزو العراق..
ومن ثم ساعدوا على تنفيذ هذا القرار الخطير الذي ألحق أبلغ الأضرار بشعب عربي وكيان فاعل في منطقة الشرق الأوسط، بقدر ما ألحق دمارا لا ينكر بسمعة أميركا ذاتها ومكانتها سواء في المحيط العربي أو في العالم بشكل عام.
والمشكلة كما يراها المؤلف تمثلت في ذلك التكرار الدؤوب ؟ عبر الإدارات الأميركية المختلفة ؟ في طرح قضية الأمن القومي مبرراً للتدخلات العسكرية ؟ الانفرادية في معظمها ؟ على نحو ما شهده العالم من تدخل إدارة بوش المنقضية في كل من أفغانستان والعراق.
والمشكلة أيضا هي الطرح الإعلامي والسياسي أيضا لما أصبح يعرف في المصطلح السياسي الأميركي الراهن بكلمة وحيدة جعلوها تستدعي دلالات سلبية بغير حدود وهي: الإرهاب
والمشكلة كذلك هو ذلك الاقتران المتعمد (هل نقول المغرض) بين الإرهاب والإسلام. بغير تمييز أو بحث أو تمحيص. عند هذا المنعطف من طروحات الكتاب: تصادفنا مفاجأة يسوقها مؤلفنا حين يوضح لنا.. بوصفه أستاذا وباحثا في علم التاريخ بأن التخويف بشعار الإسلام.. أو محاولة الربط بين الإسلام وبين تيارات سياسية سلبية أو مرفوضة لم يكن بالأمر المستجد في عصرنا الراهن.. ولا حتى في عصر سبق ؟ التسعينات أو حتى الثمانينيات من القرن العشرين.
بل يوضح المؤلف (ص76 وما بعدها) كيف أن آلة السياسة والإعلام في أميركا سبقت بوقت طويل إلى ذلك الاقتران بين النظم الشيوعية أو النظم الديكتاتورية (الشمولية كما كانوا يسمونها) وبين الإسلام (الراديكالي كما كانوا يسمونه أيضا).
يقول مؤلفنا البروفيسور باسيفتش: يجدر بنا أن نتذكر ما سبق إليه مسئولون أميركيون من المقارنة بين النزعات الشمولية (الديكتاتورية) وبين الإسلام التاريخي.. وقد كتب دين أتشيسون وزير خارجية الرئيس الأسبق ترومان يقول: يبدو لي أن الخطر الذي يتهدد غرب أوروبا (من نزعات ديكتاتورية) أقرب شبها إلى الخطر الذي ظل الإسلام يجسده قبل عدة قرون انقضت بكل ما كان يضمه الإسلام الذي كان يجمع بين الاندفاع العقائدي والقوة القتالية.
مفاجآت وزير خارجية قديم
ولقد نضيف القول من جانبنا أن السياسي الأميركي المخضرم انشيسون (1893- 1971) سجل هذه الآراء المسيئة للإسلام في مذكراته المنشورة منذ عام 1969، وأنه اعتمد هذه الآراء بداهة، وبلورها وتصرف على أساسها على مدار الفترة التي امتدت منذ انتهاء الحرب العالمية في منتصف الأربعينات..
وحينها تتجلى أمامنا صورة هذا الخلط المضطرب بين الإسلام كعقيدة وبين الديكتاتورية كأسلوب للحكم ولعل هذا هو ما مهّد للخلط الأكثر اضطرابا والأشد خطورة بين الإسلام وبين الإرهاب عندما سيطر المحافظون الجدد طيلة السنوات الثماني العجاف من حكم جورج دبليو بوش.
هنا أيضا يعلق مؤلف كتابنا ليقول: إن معاملة النازية والشيوعية والإسلام على أنها مترادفات.. مع تجاهل الفروق الأساسية التي تميز بين مذاهب سياسية بشرية وعقيدة سماوية سمحاء تقف شاهدا على ما تم من استخدام (أو اصطناع) فكرة «الآخر» مع إضفاء صفات شيطانية على هذا «الآخر» من أجل بيع توجهات سياسية بعينها..
ثم يواصل المؤلف تحليله في نفس السياق قائلا: في أيام ترومان (من نحو 60 سنة) كانت مقارنة الشيوعيين بالمسلمين المتعصبين لا تترك أي شك بشأن خطورة التهديد الأحمر الذي يمثله الشيوعيون.. واليوم تأتي مقارنة المتطرفين المسلمين بالشيوعيين المتعصبين، أو بمن هو أسوأ وهم أتباع النازية..
تأتي المقارنة هنا وهناك لتحقق هدفا واحدا حيث المقصود هو التبسيط والتوضيح وإزالة أي لبس أو غموض (بشأن تبشيع الآخر) وحيث الأثر المطلوب يتمثل بالذات في حشد وتعبئة نفوس وصفوف المؤيدين مع العمل في الوقت ذاته على إسكات أو إخماد صوت المنتقدين أو المعارضين.
لقد كتب المؤلف هذه العبارات فيما كانت إدارة بوش تعيش أيامها الأخيرة في الولايات المتحدة.. وفيما يتطلع العالم بشيء من أمل أو بصيص من هذا الأمل إلى إدارة جديدة في البيت الأبيض.. لا نملك من جانبنا سوى أن نوافق المؤلف على مدة الخطر الذي تسبب تطبيق تلك النزعة الإمبراطورية المهيمنة التي صاغوها منذ سنوات باسم «مبدأ بوش»..
وفي ظل هذا «المبدأ» ينقل المؤلف عن واحد من أقرب معاوني بوش عبارة بالغة الخطورة قال فيها: نحن الآن إمبراطورية بكل معنى الكلمة.. وعندما ننصرف فنحن نخلق بذلك الحقيقة التي تناسبنا.
أندرو باسيفتش.. يعمل أستاذا لعلم التاريخ وللعلاقات الدولية في جامعة بوسطون بالولايات المتحدة.. وهو أيضا ضابط سابق تقاعد من سلك الخدمة العسكرية في القوات المسلحة الأميركية برتبة كولونيل..
والى جانب اهتماماته كباحث أكاديمي في التاريخ، فقد كان طبيعيا أن تمتد اهتماماته العلمية لتشمل القضايا العسكرية حيث أصدر دراسته الشهيرة بعنوان «النزعة العسكرية الأميركية الجديدة» فضلا عن اهتماماته بقضايا السياسة الدولية من خلال عضويته في مجلس العلاقات الخارجية، ومن ثم كتابه الصادر بعنوان «الإمبراطورية الأميركية: حقائق ونتائج دبلوماسية الولايات المتحدة».
ولعل هذه الاهتمامات، التي تتجاوز موقعه الأكاديمي، هي التي تدفعه إلى الكتابة باستمرار في الدوريات اليومية والشهرية حيث تظهر مقالاته في مجلتي «فورين أفيرز» و«ذي نيشن» وفي صحيفتي «نيويورك تايمز» و«الواشنطون بوست».
الناشر: مترو بوليتان بوليسي، نيويورك، 2009
عدد الصفحات: 210 صفحة
عرض ومناقشة: محمد الخولي



