كانت السنوات العشرون التي أعقبت الحرب العالمية الثانية والتي وضعت أوزارها عام 1945 حافلة بمرحلة الصعود الأميركي سياسيا واقتصاديا.. إلى درجة أن أطلق فيها المؤرخ الأميركي «تشارلز ماير» الوصف التالي على أميركا شخصيا: إمبراطورية الإنتاج.

خلال تلك السنوات استطاعت أميركا أن تحقق قدرا مرموقا من الاكتفاء الذاتي، وأمكن من ثم إيجاد ترجمة سياسية لهذا الإنجاز الاقتصادي، وكان أن تمثلت هذه الترجمة فيما يسميه مؤلف كتابنا بأنه حرية التصرف.في هذا السياق يعمد المؤلف إلى تذكير قارئه بعبارة وردت في الخطاب الوداعي للرئيس الأميركي رقم واحد وهو جورج واشنطن الذي أنهى فترة ولايته الرئاسية بخطاب قال فيه انه يحلم باليوم الذي يهلّ على الولايات المتحدة ليجدها وقد حازت على أسباب القوة والمنعة بما يكفي بتزويدها بإمكانية السيطرة على أمورها والتحكم في مقاليدها.

في معرض التوضيح في سياق تناوله لمسيرة القوة الأميركية والأحلام التي ارتبطت بها يفسر المؤلف عبارة جورج واشنطن السابقة بالإشارة إلى أن القوة التي كان ينشدها هي القدرة على صون الاستقلال الحقيقي بما يتيح للأميركيين أن يختاروا بين السلام والحرب حسبما تقتضيه مصالحهم القومية وبقدر ما تمليه عليهم مقتضيات العدالة والإنصاف. والمشكلة أن الأميركيين لم يستطيعوا الصمود طويلا بعد انتهاء الحرب الثانية لكي يحققوا كل ما كان يصبو إليه رئيسهم التاريخي الأول.وقبل حلول عام 1950 كانت أميركا قد بدأت في استيراد كميات من النفط الأجنبي من خارج الحدود.. بدأت بكميات ضئيلة للغاية.. وعبر السنوات ظلت هذه الكميات تزداد ـ وخلال السنوات العشرين 1950 ـ 1970 لم يكد أحد يتنبه إلى وصول هذه الكميات إلى أحجام ضخمة بشكل غير مسبوق.

***شراء الهيمنة والمكانة***ولم تكن المسألة مجرد غفلة بقدر ما ان أميركا كانت في حال من مبادلة الثروة، مقابل الهيمنة، بمعنى أن كانت واشنطن تقدم معونات سخية (بمقتضى مشروع مارشال الشهير) لإعادة بناء ما دمرته ويلات الحرب العالمية في أوروبا الغربية وفي بقاع من شرقي آسيا.. ولكن لم تكن المسألة كما ينبه الكتاب أيضا مجرد تبرعات خيرية أملتها المروءة والشهامة في غرب المحيط الأطلسي بقدر ما كانت تمليها مصلحة أميركا القومية بالدرجة الأولى وقد توخت تحقيق هدفين:

الأول: سياسي وهو الفوز في المنافسة مع الغريم الشيوعي في روسيا السوفييتية ومن ثم إعادة بناء دول أوروبية يمكن أن تصبح جزءا من «العالم الحر» بزعامة أميركا، وهو ما حدث بالفعل.

الثاني: أن تضميد جراحات الحرب، وإعادة بناء ما دمرته معناه معاودة الدول الممنوحة سابق أنشطتها، وهو ما يرادف فتح أسواق ناشطة ومتلهفة لاستهلاك المصنوعات والمنتجات الصادرة عن إمبراطورية الإنتاج التي ألمحنا إليها في الولايات المتحدة. وبصراحة أكثر.. يقول كتابنا: إن مكانة أميركا كزعيم للعالم الحرّ بعد الحرب العالمية الثانية كانت عبارة عن سلعة اشترتها الولايات المتحدة ودفعت ثمنها.

فاتورة باهظة التكاليف

مشكلتها أن جاء عقد الستينات لتصاب هذه الإمبراطورية الإنتاجية بأعراض الوهن والاعتلال.. وهكذا جاءت عشرون سنة أخرى من السبعينات إلى التسعينات لتشكل فترة عسر سلبية لحقت بالإمبراطورية ومكانتها وإنتاجيتها. يقول مؤلف الكتاب (ص29): يرجع هذا إلى عوامل قصور شتى: ما بين ميزان تجاري ظل سلبيا على طول الخط، إلى هزيمة مريرة في حرب فيتنام.. إلى الصدمات النفطية التي صادفها الاقتصاد الأميركي (ارتفاع الأسعار مثلا بعد حرب أكتوبر/ تشرين 1973) إلى تداعي بنيان التوافق الأخلاقي الذي لم يستطع أن يتحمل ظواهر مثل صعود مطرب الروك الفيس بريسلي (بكل صخبه وركاكته) إلى انتشار حبة منع الحمل التي شجعت على تفشي وتهتك العلاقات غير المشروعة بين الجنسين إلى ما أصبح يعرف باسم ثقافة البوب الشعبية ، تلك الأنماط الثقافية التي تجرأت بجسارة مدمرة على أعراف الأخلاق وتعاليم الأديان إلى حد القول بحكاية موت الإله. كل هذه السلبيات أدت إلى تحولات جذرية وخطيرة في البنية الأميركية حيث تحولت إمبراطورية الإنتاج في الخمسينات لتصبح شيئا مخالفا تماما مع التسعينات. وبكلمات المؤرخ تشارلز ماير أيضا: تحولت أميركا لتصبح «إمبراطورية الاستهلاك»

صورة العامل

ويعلق كتابنا قائلا في نفس السياق: أيام «إمبراطورية الإنتاج» كان الشعار الرمز هو صورة عامل المصنع يحمل علبة ورقية متواضعة وعتيقة تضم شطيرة وحبة فاكهة هي غداؤه الذي يواصل معه يوم العمل الشاق الطويل أين هذا من شعار «إمبراطورية الاستهلاك» وقد أصبح هو الفتاة المراهقة تحمل في حقيبتها بطاقة الائتمان باسم دادي وقد علقتها ؟ الحقيبة طبعا ؟ منسدلة بإهمال متعمد ومستفز أيضا على سروال الجينز المثقوب المهترئ.. وهي تتخذ طريقها إلى سلالم المول التجاري لإهدار أموال الأب المسكين فيما لا نفع من ورائه ولا طائل. وباختصار شديد أيضا كان العبقري أيام إمبراطورية الإنتاج اسمه هنري فورد مكتشف خط التجميع وصانع السيارات ورجل الأعمال الخيرية الشهير.. أما نظيره الرمز في زمن إمبراطورية الاستهلاك فكان اسمه ـ ولا غروـ والت ديزني.. مكتشف عرائس الوهم اللذيذ وكان فوق البيعة يعمل أيضا لصالح وكالة المخابرات المركزية الأميركية (وهو ما لم تذكره سطور هذا الكتاب) وقد يتساءل القارئ من باب شغف الاستطلاع: متى بالضبط حدث هذا التحول بين الإمبراطوريتين.. الإنتاج.. والاستهلاك؟

يجيب مؤلف الكتاب: حدث على وجه الدقة في عام 1965، عندما أمر الرئيس ليندون جونسون بإرسال قوات أميركية للقتال في فيتنام الجنوبية. هذا القرار كان ينطوي بداهة على تكاليف مالية طائلة.

بيد أن هذا القرار اقتضى من جونسون أن يستره أو يوازنه عندما أمر أيضا بتنفيذ مشروع للتأمينات الاجتماعية تحت اسم «المجتمع العظيم». وبالطبع أيضا انطوى المجتمع العظيم في الداخل على تكاليف طائلة.. وعندما أضيفت إلى تكاليف المجهود الحربي في الشرق الآسيوي البعيد.. تصاعدت الأرقام الباهظة إلى عنان السموات، مما أدى ـ كما يؤكد كتابنا ـ إلى زعزعة أركان الاقتصاد على نحو ما تجسد عمليات وميدانيا في ثلاث ظواهر مَرضية ألمت بالمنظومة الاقتصادية في الولايات المتحدة وهي: عجز الميزانية، التضخم الاقتصادي، ضعف الدولار ماذا إذن عن قضية النفط ـ هنا يوضح المؤلف ـ والعهدة عليه طبعا ؟ أن أميركا كانت تشغل قبل السبعينات المركز رقم واحد في إنتاج النفط.. ومن ثم كانت شركات النفط الأميركية هي التي تحدد السعر العالمي لهذه السلعة الاستراتيجية.. وفي عام 1972 زاد الإنتاج المحلي من النفط محلقا إلى ذروة غير مسبوقة وبعدها بدأت مسيرة انحداره إلى وهدة غير مسبوقة أيضا.. وزاد الأمر تفاقما ما حدث في عام 1971، بالتحديد حين خرج أمر تحديد أسعار النفط من يد الشركات الأميركية إلى يد لاعب كان مستجدا وقتها على المسرح العالمي تحت اسم «منظمة البلدان المصدّرة للنفط» وهي اتحاد المنتجين الذي حمل ولا يزال يحمل اسم «الأوبك».

في الوقت نفسه ظلت احتياجات أميركا النفطية في ارتفاع مطرد ومن ثم كانت زيادة اعتمادها على الواردات من خارج الحدود. هكذا تكاثفت الغيوم.. في ساحة الاقتصاد لتصل بأميركا مع نهاية السبعينات إلى حال من الأزمات المستحكمة التي كان على رئاسة جيمي كارتر أن تواجه عقابيلها..

تطورات مزعجة

يقول كتابنا في هذا الصدد (ص31): في صيف عام 1979 كان السخط الشعبي على إدارة كارتر قد بلغ مداه ولدرجة منذرة بالخطر: الاقتصاد ساءت أحواله، والتضخم بلغ 11 في المائة، والبطالة بين عمال أميركا وصلت إلى 7 في المائة، وسعر الفائدة على القروض بلغ 15 في المائة، وما برح في حال من ارتفاع.. كانت هذه المؤشرات جميعا أمرا لا يمكن قبوله بكل مقاييس مرحلة ما بعد الحرب بل كانت غير مسبوقة بحال من الأحوال.. زاد الطين بلّة ما كان قد شهده شتاء نفس العام ـ بالتحديد يناير 1979 ـ حين طرد الثوار في طهران شاه إيران مخلوعا ومنفيا خارج الحدود.. وجاء هذا الإجراء ضد واحد من أخلص حلفاء إيران.. بمثابة «صدمة نفطية» ثانية بعد صدمة الأسعار الأولى في عام ,1974. يومها أيضا ارتفعت كثيرا أسعار البنزين في الولايات المتحدة لا بسبب نقص حقيقي في الإمدادات ولكن بسبب عمليات الإقبال النهم المذعور على الشراء.

يومها قرر الرئيس كارتر أن يخاطب الأمة كان المراقبون السياسيون يعرفون أن الرجل يناضل للفوز في انتخابات التجديد.. ومن ثم فلسوف يلقي خطابا يعد فيه بالإصلاح ويطمئن خواطر الجماهير.. ولا بأس من عبارات إرضاء أو زلفى تتودد إلى جموع الناخبين..

الرئيس يغير خطابه

فوجئ هؤلاء المراقبون بأن كارتر توجّه إلى منتجع «كامب ديفيد» الرئاسي واستدعى لمقابلته ومحاورته جموعا من الأكاديميين والمفكرين والنقابيين والبرلمانيين.. وعندما عاد إلى البيت الأبيض كان خطابه الأصلي قد تغير تماما، من حيث اللهجة والشكل والمضمون! بدا الرجل وكأنه عقد العزم على عدم الاكتراث بحكاية الولاية الثانية.. وبات الأهم عنده هو كشف حساب أو قائمة جرد يصارح فيها جماهير الأميركيين بكل ما كان يخفيه بين جوانحه من أفكار وملاحظات وانتقادات.

ألقى كارتر خطابه يوم 15/7/1979 ودار الخطاب في مجمله على ما سماه الرئيس بأنه «أزمة أميركا» ومن عجب أنها لم تكن، لا أزمة نفط ولا أزمة تضخم ولا أزمة بطالة.. إنما كانت «أزمة ثقة» أصابت في الصميم قلب الأمة ووجدانها وروحها ونظرتها إلى حقيقة الحياة ومغزاها.

صراحة وسقوط

ولقد مضى كارتر في خطابه ينعي على أبناء أمته «أنهم ضلوا عن طريق الاستقامة والصلاح.. ففي أمة كانت تعتز بالتفاني والإتقان في العمل.. وبالأسرة القوية والجماعة المتقاربة المتآزرة وبالإيمان بالله.. (تحولت الأمور) إلى حيث أصبحنا نعبد الاستهلاك إلى حد السرف والإغراق ولم تعد قيمة المرء بما ينجزه ويؤديه بل بما يملكه ويقتنيه.

ربما كان كارتر بكلماته تلك يضع إصبعه على مكامن الداء.. وكان طبيعيا أن ترفض هذه التشخيص الصريح المؤلم جموع الناخبين فاختاروا منافسه ريجان.. الذي أدت سياساته إلى المزيد من الإغراق في نزعة السرف في الاستهلاك وتجاوز الموارد واتساع الشقة بين الذين يملكون والذين لا يملكون.

بين ريجان وبوش

ليس صدفة أن كان رونالد ريجان هو المثل الأعلى للرئيس جورج بوش الابن الذي غربت شمسه يوم 20 يناير 2009 بعد 8 سنوات تفاقمت فيها تلك الهوة التي يرصدها ويرفضها مؤلف كتابنا: بين إمكانات أميركا وبين استغراقها في حمأة الاستهلاك والسرف إلى حد الإهدار، فما بالك وقد أغرقت إدارة بوش نفسها وبلدها في ورطة اسمها حرب العراق، وعلى مدار ست سنوات كاملات، ولدرجة أن جاء عام 2007 كما يضيف كتابنا (ص85) ؟ ليجد واشنطن وقد فرغت جعبتها من الجنود.. ومن الأموال أيضا.

يقول المؤلف: أصبح يتعين على الأميركيين أن يدركوا أن العلاقة التبادلية بين نزعة التوسع والوفرة والحرية بحيث تعزز كل منها الأخرى ؟ لم تعد علاقة قائمة.. بل العكس هو الصحيح.

والمشكلة أن واشنطون ظلت تشيح بنظرها عن هذه الحقيقة كأنما تتصورها وقد تبخرت أدراج الرياح.. والمشكلة أيضا أن واصلت واشنطون هذا السلوك، بل وأمعنت فيه خلال حقبة بوش. ومن شأن هذا السلوك أن يزيد من خطورة الأوضاع لأنه جدير بأن يمتد إلى أكثر من جبهة ..

ولنبدأ بأولى تلك الجبهات.. وهي جبهة السياسة بطبيعة الحال.

اضاءة

خرج أمر تحديد أسعار النفط من يد الشركات الأميركية إلى يد لاعب كان مستجدا في السبعينات على المسرح العالمي تحت اسم «منظمة البلدان المصدّرة للنفط» وهي اتحاد المنتجين الذي حمل ولا يزال يحمل اسم «الأوبك».

في الوقت نفسه ظلت احتياجات أميركا النفطية في ارتفاع مطرد ومن ثم كانت زيادة اعتمادها على الواردات من خارج الحدود. هكذا تكاثفت الغيوم.. في ساحة الاقتصاد لتصل بأميركا مع نهاية السبعينات إلى حال من الأزمات المستحكمة التي كان على رئاسة جيمي كارتر أن تواجه عقابيلها.

تأليف: أندرو باسيفتش

الناشر: مترو بوليتان بوليسي، نيويورك، 2009

عرض ومناقشة: محمد الخولي

عدد الصفحات: 210 صفحة