على امتداد ثلاثين عاما مضت، ألقت أفغانستان بظلال سوداء وممتدة على أحداث العالم، لكنها اتسمت أيضا ببعض اللحظات بالغة الأهمية، التي كان بإمكانها أن تجعل السلام يعم أرجاءها، وتغير تاريخ العالم.
إحدى هذه اللحظات المثيرة حدثت في فبراير عام 1989، حين كان آخر الجنود السوفييت يغادرون أفغانستان. وتوجه وزير الخارجية السوفييتي إدوارد شيفرنادزة إلى إسلام أباد، في أول زيارة لمسؤول سوفييتي كبير إلى باكستان. وكانت تلك محاولته الأخيرة لإقناع رئيسة الوزراء الباكستانية آنذاك بنازير بوتو، وكذلك قادة الجيش، والمخابرات الباكستانية، بالموافقة على إشراك الحزب الشيوعي الأفغاني في كابول والمجاهدين الأفغان بالسلطة بصورة مؤقتة.
وكان الوزير السوفييتي يأمل أن يحول ذلك دون نشوب حرب أهلية، وأن يتم التمهيد لنقل السلطة بصورة سلمية ونهائية إلى المجاهدين.
لكن السوفييت واجهوا بعدئذ حالة من الهلع. والمثير للسخرية أنهم شاركوا محللي وكالة المخابرات الأميركية في التكهن بأن الرئيس الأفغاني محمد نجيب الله لن يستمر في السلطة لأكثر من بضعة أسابيع عقب مغادرة القوات السوفييتية لبلاده.
وأخطأت المخابرات الأميركية في تحليلاتها، إذ استمر نجيب الله على رأس السلطة ثلاث سنوات أخرى، إلى أن نشبت حرب أهلية أجبرته على الالتجاء إلى مجمع الأمم المتحدة في كابول في إبريل عام 1992.
وقد رفضت المخابرات الباكستانية تقديم أي تعهد لشيفرنادزة، وكانت تريد أن يستولي قلب الدين حكمتيار، وهو أحد قادة المجاهدين الأفغان السبعة، على السلطة في كابول.
كما حثت المخابرات الأميركية نظيرتها الباكستانية أن تقف بحزم ضد السوفييت. وكانت تريد الانتقام للإذلال الأميركي في فيتنام، وتحتفل بالهزيمة الكاملة للشيوعيين في كابول مهما كان عدد الضحايا الأفغان الذين سيسقطون نتيجة لذلك. ولم تكن التسوية السياسية مدرجة ضمن خطط المخابرات الأميركية والباكستانية.
وقد دعيت لمقابلة شيفرنادزة في المساء، وأتذكر كيف كان يبدو عليه الشعور بخيبة الأمل، والغضب الشديد بسبب قصر نظر الولايات المتحدة وباكستان، ورغبتهما الواضحة في إذلال موسكو.
ولو تم قبول التسوية السوفييتية في تلك اللحظة الحاسمة، لربما كان العالم قد تجنب عقدا كاملا من الحرب الأهلية الأفغانية، ودمار كابول، وبزوغ حركة طالبان، والملاذ الآمن الذي وفرته لتنظيم القاعدة. وربما كنا تجنبنا هجمات الحادي عشر من سبتمبر ذاتها، والأحداث الكثيرة التي أعقبتها.
ومن ضمنها المحاولة الأخيرة التي قام بها طالب نيجيري لتفجير طائرة متوجهة إلى ديترويت في الولايات المتحدة، ومقتل 7 من ضباط المخابرات الأميركية في إحدى القواعد العسكرية في أفغانستان، واستمرار وقوع عدد كبير من الإصابات بين قوات حلف «ناتو»، والمدنيين الأفغان.
لحظة حاسمة
وبخطة الرئيس الأميركي باراك أوباما المثيرة للجدل، وما تتضمنه من مخاطر كبيرة، والقاضية بتعزيز القوات الأميركية في أفغانستان في البداية، ثم البدء بسحبها من هناك في غضون عام ونصف، فإن كل دولة، وكل زعيم سياسي في المنطقة، يواجه الآن لحظة حاسمة أخرى. ويتركز الرهان الآن على ما إذا كانت الولايات المتحدة وحلفاؤها راغبين في إجراء محادثات مع حركة طالبان، لأنه لا يلوح في الأفق أي نصر عسكري، ولا توجد طريقة أخرى لإنهاء حرب مستعرة منذ ثلاثين عاما.
وعندما تحين تلك اللحظة، ويجب أن تحين، هل ستكون واشنطن وحلف «ناتو» مستعدين للتحدث مع طالبان أم سيعانيان من الانقسامات الداخلية كما هو حالهما الآن؟ وهل ستكون لدى الرئيس الأفغاني حامد قرضاي المصداقية للمشاركة بتلك المحادثات وإبرام اتفاقية سلام يمكن التوصل إليها؟ وهل ستطالب باكستان أن تعود لتسلم مهام السلطة حركة طالبان التي أنشأتها بنفسها ؟ وهل يشتم المتشددون في طالبان رائحة النصر ويوافقون على التفاوض؟، ونتيجة لذلك هل طالبان مستعدة للتخلي عن تنظيم لقاعدة؟ أم سيجلس قادتها في انتظار بدء مغادرة الأميركيين لأفغانستان؟
ملاذ آمن
لقد أصبحت طالبان الآن حركة كبيرة منتشرة في كل أرجاء أفغانستان. وتوسعت خلال العام المنصرم في غرب وشمال البلاد، وهي مناطق كانت هادئة في السابق. ولدى زعامات طالبان ملاذ آمن في باكستان. وقد ازدادت الخسائر في جميع المناطق بصورة دراماتيكية.
وبحسب تقارير الأمم المتحدة شنت طالبان وغيرها من الجماعات المسلحة ما معدله 1200 هجوم شهريا في عام 2009، وهذا يزيد بنسبة 65% عن العام السابق. وخلال فترة 12 شهرا لقي 2412 مدنيا أفغانيا حتفهم بزيادة نسبتها 14% عن العام السابق.
وقتل ثلثاهم على يد طالبان، بزيادة نسبتها 40%. وعلاوة على ذلك ارتفعت الخسائر الأميركية، وخسائر حلف «ناتو» في القتال بنسبة 76%، أي من 295 جنديا في عام 2008 إلى 520 جنديا في عام 2009.
وبالإضافة إلى التحديات التي تواجهها الحكومة الأفغانية، ازدادت عبر السنوات صعوبة تجنيد البشتون في الجيش والشرطة الأفغانية في مقاطعات البشتون الجنوبية، التي تسيطر عليها طالبان بصورة كبيرة.
وبرغم ذلك ازدادت نسبة تجنيد البشتون مؤخرا بعد زيادة رواتب قوات الأمن. لكن طالبان استطاعت الآن التسلل إلى أقسام من الجيش والشرطة، وهما العنصران الرئيسيان في الخطة الأميركية القاضية ببدء تسليم السلطة إلى القوات المحلية الأفغانية بحلول يوليو 2011.
وقد توقفت برامج التطوير في أجزاء كبيرة من أفغانستان، ونقل ما يربو على نصف موظفي الأمم المتحدة المخصصين لأفغانستان، إلى مناطق أخرى في وسط آسيا وغربها لأسباب أمنية. وتشير بعض مصادر المخابرات واسعة الاطلاع في حلف «ناتو»، إلى أن طالبان أنشأت حكومات ظل في 33 مقاطعة في أفغانستان من بين 34 مقاطعة، وهي معدة لتنظيم أنشطة الحركة على مستوى المقاطعات، والتشويش على مبادرات الحكومة في مناطق نفوذها.
وتتسم الحركة بأنها قادرة على تعزيز نفسها بصورة غير محدودة. ووصفت تلك المصادر المخابرات الأميركية في أفغانستان بأنها تفتقر للمعلومات الكافية، وبأنها في غاية الغباء.
تخويف
وقد صعد قادة طالبان حملاتهم القاسية لتخويف أو قتل المدنيين الأفغان العاملين في حكومة قرضاي، وينطبق ذلك على موظفات وكالات الإغاثة، وحتى موظفي الأمم المتحدة. وفي 18 يناير الماضي شن المسلحون التابعون لها هجوما انتحاريا مزدوجا على بعد بضع ياردات فقط من القصر الرئاسي في وسط كابول.
وخاضوا قتالا لقي فيه جنديان وثلاثة مدنيين أفغان مصرعهم، وجرح أكثر من 70 غيرهم. وعبر الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون عن خشيته من تفاقم الأمور، وتدهور الوضع في مختلف مناطق أفغانستان بصورة لا رجعة فيها.
وتهدف الاستراتيجية الأميركية في الوقت الحالي لإضعاف طالبان قبل التفاوض معها، وهذا هو هدف التعزيزات الأميركية ضمن خطة أوباما الجديدة. وتأمل واشنطن أن يعود السلام إلى المناطق التي سيتم انتزاعها من طالبان، وأن يشعر السكان المدنيون بالأمن والطمأنينينة مجددا.
ويعتزم الرئيس قرضاي قيادة جهود المصالحة مع الحركة، بعد هزيمتها في ساحة القتال، وهو ما تأمل بتحقيقه القوات الأميركية، التي تقول إن هذا العمل يسهل تنفيذه بالنظر إلى التفاوت الكبير في ميزان القوى، لذلك قد توفر الأشهر المقبلة فرصة مهمة لإقناع الحركة أن هذا أفضل الأوقات للتفاوض على تسوية سلمية قبل أن تتراجع قدرات الحركة.
ويبدو أوباما مصمما، من ناحية أخرى، على ايقاع الهزيمة بالقاعدة بصورة لا لبس فيها، لكنه لا يبدو راغبا في هزيمة طالبان بالكامل بل بالتفاوض معها في مرحلة لاحقة. لكن الدوائر الأميركية تبدو منقسمة على نفسها بشأن عملية التفاوض، ولدى وزارة الخارجية ووزارة الدفاع ووكالة المخابرات الأميركية والبيت الأبيض وجهات نظر متباينة في هذا الشأن.
وهناك أيضا انقسامات بين الولايات المتحدة وحلفائها. ويشير الجنرال ستانلي ماكريستال، قائد القوات الأميركية وقوات التحالف في أفغانستان، إلى أن العديد من قادة طالبان من المستوى المتوسط ورجالهم ينتظرون استراتيجية الصلح التي سيعرضها قرضاي، قبل تغيير موقفهم، وتتيح إعادة دمج مقاتلي طالبان في المجتمع الأفغاني، تراجع العمليات المسلحة، لكن يتعين الاستمرار في مطاردة رجال القاعدة والقضاء على التنظيم في أفغانستان.
في غضون ذلك، أظهرت طالبان أول إشارة على المرونة. ففي حين حض الملا عمر رجاله على مواصلة عملياتهم القتالية في أفغانستان ضد ما وصفه بالعدو الأميركي المتعجرف، وعد بأن نظام حكم طالبان في المستقبل سوف يحقق السلام في ربوعه، ولن يتدخل في شؤون الدول المجاورة، وسيكون هناك تعاون مشترك، وتنمية اقتصادية، ومستقبل مزدهر، على أساس من الاحترام المتبادل حيال الأطراف كافة.
بقلم ـ أحمد رشيد- ترجمة ـ عمر حرز الله
