نواصل مع المؤلف في هذه الحلقة استعراضه بخصوص ما يراه من حدود على القوة الأميركية بما يتطلب ترشيد ما يصفه بالعنجهية الأميركية وفي هذا الإطار يتطرق المؤلف إلى ذكر «رينولد نيبور» الذي عاش بين عامي 1892 و,1971. مفكراً ومعلماً وكاتباً.. تحوّل بجذوره كأستاذ للعلوم الدينية إلى أن أصبح داعية لأفكار العدل الاجتماعي حيث تأثرت بأفكاره جموع غفيرة من المثقفين الأميركيين. ويتوقف عنده المؤلف مليا منذ الفصول الأولى عند هذا المفكر الكبير الذي جمع بين صفة رجل الدين المستنير وبين رجل الفكر الملتزم إزاء قضايا المجتمع وهموم الناس.

في هذا السياق يعرض مؤلفنا إلى ما كان يحذر منه المفكر «نيبور» من أن الأميركيين لم ينجحوا كما ينبغي في التعامل مع التاريخ أو بتعبير «نيبور» نفسه في «إدارة الشأن التاريخي» حيث كانوا يديرون التاريخ بمزيج من خيلاء الغرور وشعور النرجسية. وكان الحل هو الأخذ بنظرة واقعية نحو الحاضر والماضي.. شريطة أن ترتبط هذه الواقعية بشعور من التواضع بعيدا عن نرجسية الخيلاء.

وربما نشير في هذا السياق أيضاً إلى التعبير الذي طرحه السناتور ويليام فولبرايت وكان من الخبراء الثقات في العلاقات الدولية والسياسة الخارجية على مدار عقد الستينات وكان يصف سياسة واشنطون بعد الحرب العالمية الثانية بعبارة موجزة هي: عنجهية القوة في ضوء هذا كله يواصل المؤلف حديثه فيقول: إن التحلي بالنظرة الواقعية ينطوي على التزام برؤية العالم على نحو ما هو عليه بالفعل وليس على النحو الذي نود أن نراه.. ذلك لأن عدو الواقعية هو التهويل الذي يتجسد في ثقة مفرطة إلى حد الغلّو في مدى كفاءة القوة الأميركية بوصفها وسيلة لإعادة تشكيل النظام العالمي.

الأمر يحتاج إذن إلى قدر لا بأس به من تواضع النظرة أو فلنقل إلى موضوعية التعامل مع الأمور. يقول المؤلف أيضا: إن هذا التواضع يفرض بدوره التزاما من نوع مغاير وبحيث يكف الأميركيون عن النظر إلى أعرافهم وقيمهم على أنها قيم وأعراف ومعتقدات عالمية الشمول ومن ثم فكأنهم مبعوثو العناية الإلهية لإنقاذ العالم.

مشكلة زماننا ـ ينبّه الكتاب ـ هي ذلك النقص الشديد في عنصري الواقعية والتواضع، وهذا ما حذر منه المفكر «نيبور» شخصياً عندما ذكر أن خروج أميركا بفوز مشهود في الحرب العالمية الثانية جعلها «فريسة لإغراء تزكية النفس».. وقد ظل هذا الشعور يتنامى عبر السنين إلى أن وقعت أحداث سبتمبر 2001 فإذا بإدارة بوش تزجّ البلاد في حروب بغير مواعيد نهائية وبدون خطط تكفل الخروج من معمعتها.

الحرية في أميركا والعالم

لقد أعلن الرئيس جورج دبليو بوش عن خوض هذه الحروب وتنفيذ هذه التدخلات العسكرية في أكثر من بقعة من خارطة العالم.. وقال تحديدا بخطاب التنصيب في مستهل ولايته الثانية: أن بقاء الحرية فوق أرضنا يتوقف باستمرار على نجاح الحرية في الأصقاع الأخرى من العالم.

والمؤلف يفسر هذه المقولات على أنها تكليف لواشنطون كي تخوض حروبا بغير هوادة ولا نهاية على صعيد كوكب الأرض كله. والمشكلة أن هذه النزعة الحربية المتواصلة كان لابد وأن تقتص ضريبتها من رصيد أميركا ذاتها من الأعراف والقيم وفي مقدمتها قيمة الحرية داخل أراضيها.. وقد تجسدت أبعاد هذا التناقض في ذلك الافتئات ـ إلى حد التغوّل ـ الذي مارسته السلطة التنفيذية (الحكومة) على حساب الكونجرس بوصفه ممثلا للشعب، وأيضا على حساب الدستور الذي تقف السلطة القضائية (المحكمة العليا) حارسة عليه.

من هنا يدعو الكتاب إلى تأمّل أبعاد المسيرة التي ظلوا يكرسون عبرها فكرة اللجوء باستمرار إلى جبروت القوة العسكرية والاعتماد عليها بوصفها الوسيلة الأمثل، بل والأوحد، في التعامل مع قضايا العالم ومشكلاته.هنا بالذات يستدعي الكتاب ما آلت إليه أمور هذه القوة العسكرية الأميركية في ساحة العراق على وجه الخصوص.

وإذا كان الشاعر العربي يؤكد أن «من السموم الناقعات دواء» فإن مؤلف كتابنا يواصل إتباع هذا المنطق قائلا: ومن عجب أن تسفر الأمور عن العراق عن أنه مصدر لإنقاذنا (من سلبيات الموقف الراهن). ثم يواصل المؤلف ليقول: لقد أثبت العراق مدى عقم التعويل على القوة العسكرية وسيلة تستند إليها أساليبنا في الحياة بكل ما يكتنفها من شطط وإفراط.

وأحسب ـ يضيف المؤلف ـ أن جاءت ساعة الحساب.. وبدلا من الإصرار (كما كان يفعل المحافظون الجدد) على ضرورة أن يتبع العالم مسيرة الأميركان وأن يكيف نفسه مع أجندتهم، فإن هؤلاء الأميركان بحاجة إلى معاودة السيطرة على مقاليدهم بحيث يكبحون أوهامهم نحو السيطرة الإمبراطورية على مقاليد العالم الذي يعيشون فيه.. بل إن الضائقة الاقتصادية التي أصبحوا يواجهونها وما يرتبط بها من مشاكل سياسية وأزمات عسكرية إنما تستدعي منهم أن يتدارسوا من جديد معنى الحرية كمبدأ يعتنقونه..

قال الفيلسوف الفرنسي

ثم يؤكد مؤلفنا على أن الجنود لا يستطيعون تحقيق مثل هذه الأمور. وليس لنا أيضا أن نتوقع انجازها حتى على يد السياسيين: إن المسؤولية الجوهرية إنما تقع أساسا في هذا المضمار على عاتق جموع المواطنين.

يحق للقارئ: أن يتساءل عما يقصده الكاتب بشأن ما درجت عليه الحياة والأعراف الأميركية من أساليب السرف.. أو الإفراط. أو تكريس فكرة الوفرة والاندفاع المحموم نحو مراكمة الثروات.

في معرض التفسير والتفصيل يبدأ المؤلف بأن يسوق رأيا لايزال يتردد في أدبيات التاريخ السياسي للولايات المتحدة. هذا الرأي يرتبط دوما باسم الفيلسوف الفرنسي «اليكسي توكفيل» (1805- 1859).. وقيمة هذا الرأي أولا أنه جاء صريحاً وانتقادياً بقدر ما جاء نافذاً وبليغاً.. وقيمته ثانيا أنه صادر عن مراقب خارجي جاء من فرنسا واستطاع أن يطوف بأرجاء ذلك البلد الذي كان لا يزال يدرج في مهده كدولة وبالتحديد في ثلاثينات القرن التاسع عشر أي بعد اقل من نصف قرن من قيام دولة الولايات المتحدة الأميركية ذاتها.

من هنا ينعي «توكفيل» الفرنسي على المواطن الأميركي ذلك «الاندفاع المحموم» نحو المراكمة أو التكديس بمعنى الرغبة أو هو النهم إلى الاقتناء والاستزادة من كل شئ.. (والمشكلة كما يضيف المفكر الفرنسي وينقل عنه مؤلفنا الأميركي ـ ص17) هي أنه كلما زادت شراهة المواطن الأميركي نحو الاقتناء.. «تزداد في نفسه مشاعر الحرص والقلق والخوف والندم مما يسلمه إلى حال من التوتر والانشغال المذعور بشكل لا ينقطع ولا يركن إلى هدوء».

وبعيدا عن مستوى الاستهلاك وعن الثروات المالية.. العقارية أو المادية.. فقد تحولت هذه السلوكيات الراغبة في المراكمة والإفراط والاستزادة إلى سلوكيات سياسية تعتمد أسلوب المبالغة والمغالاة والتضخيم لدرجة وجدت من يروّج لها من صفوف المحافظين الجدد في حقبة بوش السابقة وتحت الشعار التالي: أميركا تتمتع بصفة الاستثناء بين الأمم.. بفضل امتلاكها تراث الحرية بامتياز.

هنا نجد مؤلفنا ـ وهو أكاديمي ضليع ـ لا يتورع عن أن يورد في هذا الخصوص تعليقا طريفا ومتهكما يقول فيه: إن القول بأن بلدنا يمتلك تراثا متفردا بوصفه أصل الحرية.. يرادف القول بأن هوليوود تمتلك تراثا بالتفوق والنبوغ الفني.. في حين أن المسألة في هوليوود ليست لا تفوقا ولا نبوغا.. بل هي تجارة سينما أي أنها «بيزنس» لا أكثر ولا أقل وهدفها (بغير مواربة أو تزويق) هو تحقيق الأرباح.

تشويه التاريخ

بنفس المقياس، وبنوع من الصراحة الأكاديمية التي يخالطها، كما نشعر كقارئين قدر من القسوة في إصدار الأحكام يواصل المؤلف تحذيره من تحويل التاريخ ـ بالأدق تشويهه ـ ليصبح مجرد حكاية نوازع أخلاقية، تقسّم البشر إلى الطيب والشرير.. إلى الخبيث والنبيل.. والمعنى أن أميركا ظلت تتوخى باستمرار تحقيق مصالحها بالدرجة الأولى في الداخل والخارج..

ولم تكن مجرد رسول مبعوث من جانب العناية الإلهية لإنقاذ البشرية.. خاضت حربها الأهلية في ستينات القرن 19 لتوحيد أراضيها.. وليس من أجل تحرير العبيد أساسا، وخاضت الحرب العالمية الثانية لقمع نزعة التوسع النازية والقضاء على العنصر الألماني المنافس بشراسة وقتها على مقاليد المعمورة.. وليس لتحرير هذا العالم: صحيح أنْ تَحرر العبيد.. وصحيح أن اندحرت جحافل النازي.. لكن هذا لا يبيح لأحد ـ كما يؤكد المؤلف (ص19) أن يشوه الماضي أو أن يحجب الدوافع الحقيقية التي انطلقت منها أميركا في سياساتها الداخلية والخارجية على السواء.

وهنا أيضا نستطيع أن نقف على نبرة مرارة لا تخفى في انتقاد مؤلفنا لسياسة الولايات المتحدة ولتلك النزعة التي جهد في رصدها وتسجيلها طيلة الفصل الأول من كتابه.. نزعة الاستزادة والإفراط والغلو والمبالغة.. ونحسب من جانبنا أن الدكتور باسيفتش لم يكن في هذا المضمار بالذات يكتب بوصفه أستاذاً للتاريخ والعلاقات الدولية فقط.. بقدر ما كان يكتب أيضا بوصفه أبا مكلوما فقد ابنه الضابط الشاب نتيجة ما يحسبه من هذه النزعة المفرطة في زهو القوة وفي المبادرة دون تروّ إلى استخدامها.

من التوسع إلى الحرية

في كل حال فالمؤلف لا يعوزه أن يتوسل بحقائق تاريخ بلاده.. وهو يعرف أدواته كباحث وأستاذ ويجيد استخدامها بمهارة حين يواصل تحليله قائلا: لو كان للولايات المتحدة منذ بدايات شبابها رسالة تضطلع بها. فإنها لم تكن رسالة تحرير بل كانت رسالة توسع (ص20).

وفي هذا السياق بالذات أعلن الرئيس ثيودور روزفلت في عام 1899 ما يلي: «إن كل تاريخنا القومي ما برح تاريخا من التوسع». ويعلق المؤلف قائلا: هذا التوسع هو الذي جعل أميركا ـ كما يصفونها ـ «أرض الفرص المتاحة».. ومن هذا التوسع أيضا تحققت الوفرة وهو ما تنبه إليه المؤرخ الأميركي القديم فردريك جاكسون تيرنر (1861 ـ 1922) حين كتب يقول: إن ما أدى إلى ظهور الديمقراطية الأميركية ليس الدستور بل هو الأرض المتاحة بالمجان فضلا عن وفرة غزيرة في الموارد الطبيعية التي أتيحت لقوم أكفاء.

من هنا ظلت حوليات التاريخ الأميركي ـ وهو تاريخ محدث ومعاصر بحكم التعريف ـ تحفل بكل عوامل هذا التفاعل بين عامليْ التوسع والوفرة.. ثم بين هذين العاملين وبين الحرية.. ولقد بلغ هذا التفاعل ذروته في الفترة التي أعقبت الحرب العالمية الثانية ـ أواخر الأربعينات وفواتح الخمسينات- ولم يكن صدفة أن كانت مجلة «تايم» هي أول من استخدم تعبير «القرن الأميركي» ـ كان ذلك في عام 1945 ـ وهو المصطلح نفسه الذي عاود استخدامه المحافظون الجدد عندما أنشأوا مشروعا بحثيا بهذا الاسم.. ما لبث أن ازدهر في التسعينات وكان لأركانه أدوار فاعلة في صعود جورج بوش ـ الابن إلى الموقع رقم واحد من هرم السلطة بالولايات المتحدة.

ومن الناحية الموضوعية لم يكن هذا الدور الفريد ولا تلك المكانة أمرا خياليا لا يستند إلى واقع مادي ملموس. لقد كانت أميركا موضوعيا تستحق هذا كله وخاصة بعد أن غرق الفرقاء الأوربيون ـ أولاد عمها إن جاز التعبير ـ في صراعات دموية خلال حربين ضاريتين لم يفصل بينهما سوى عقدين من الزمان الحديث.

هكذا جاء عام 1947 ليجد أميركا ـ كما يقول المؤلف ـ وهي تمتلك نحو ثلثي احتياطيات العالم من الذهب وما يقرب من نصف قدرات التصنيع في العالم أيضا، وتحوز وحدها أيضا ثلث صادرات الدنيا بأسرها، وتنعم بميزان تجاري لصالحها على طول الخط حيث كانت صادراتها أكثر من ضعف الواردات وحلق دولارها المزدهر ـ وقد حل محل الجنيه الإسترليني الإمبراطوري العتيق ـ إلى عنان البورصات لدرجة اعتمدوه عملة عالمية في منظومة «بريتون وودز» التي تألفت من صندوق النقد والبنك الدوليين مما جعل أميركا ـ كما يقول مؤلفنا ـ رئيس مجلس إدارة النقد في العالم.

إضاءة

إذا كان الشاعر العربي يؤكد أن «من السموم الناقعات دواء» فإن مؤلف كتابنا يواصل إتباع هذا المنطق قائلا: ومن عجب أن تسفر الأمور عن العراق عن أنه مصدر لإنقاذنا (من سلبيات الموقف الراهن). ثم يواصل المؤلف ليقول: لقد أثبت العراق مدى عقم التعويل على القوة العسكرية وسيلة تستند إليها أساليبنا في الحياة بكل ما يكتنفها من شطط وإفراط. وأحسب ـ يضيف المؤلف ـ أن جاءت ساعة الحساب.. وبدلا من الإصرار (كما كان يفعل المحافظون الجدد) على ضرورة أن يتبع العالم مسيرة الأميركان وأن يكيف نفسه مع أجندتهم، فإن هؤلاء الأميركان بحاجة إلى معاودة السيطرة على مقاليدهم بحيث يكبحون أوهامهم نحو السيطرة الإمبراطورية على مقاليد العالم الذي يعيشون فيه.

تأليف: أندرو باسيفتش

الناشر: مترو بوليتان بوليسي، نيويورك، 2009

عرض ومناقشة: محمد الخولي

عدد الصفحات: 210 صفحات