يعتقد معظم يهود العالم، وربما الكثير من غير اليهود، بأن الصهيونية تعني العودة إلى أرض الميعاد التي وعدهم بها الله. وعلى حساب المخاطرة بأن أسيء لبعض القراء المنتمين لجميع الأديان من خلال هذا القول، عليّ أن أعترف برحابة صدر، أنني لا أبتلع هذا المفهوم، لذلك حدثت نفسي قائلا: «لا يوجد وعد لليهود، ولا لغيرهم، بالعودة إلى الأرض الموعودة، وفي إدراكي للمخطط الخاص ببواطن الأمور، فإن الخالق، عز وجل، هو الذي يحفزنا على أداء كل الأعمال الطيبة، الموجودة في داخل كل واحد منا، ومهمتنا الأولى هي إطلاق تلك الأعمال من داخلنا.
واليهود الذين عادوا إلى (أرض الميعاد) استجابة لدعوة الصهيونية، لم يكن لديهم أي روابط بيولوجية مع العبرانيين القدامى. وقد تحولوا إلى اليهودية بعد فترة طويلة من نهاية الغزو العبري لفلسطين، والهيمنة القصيرة على أرض كنعان، وهو الاسم الوارد في الكتاب المقدس، الذي عرفت به المنطقة في البداية في كل أرجاء المعمورة. لذلك لا يوجد حق شرعي لليهود على تلك الأرض.
أما اليهود الذين لديهم حق شرعي في الإقامة في هذه الأرض، فلربما لم يكن يتعدى عددهم 10 آلاف شخص في الوقت الذي صدر فيه أول بيان خادع عن الصهيونية العالمية، عن مقررات المؤتمر الشهير بمدينة «بال» عام 1789، حيث كان هؤلاء الأقلية الأحفاد المباشرين للإسرائيليين الذين ظلوا على أرض فلسطين بمرور الزمن. وهم يعتبرون أنفسهم فلسطينيين، وعارضوا بشدة المشروعات الصهيونية الاستيطانية لأنهم كانوا يخشون أن تحولهم أيضاً إلى أعداء للفلسطينيين.
ويصح أيضاً القول إنه قبل الإبادة الجماعية المشينة التي ارتكبها النازيون بحق اليهود، لم يكن معظم يهود العالم مهتمين بالمشروعات الاستيطانية الصهيونية، وكان العديد منهم يعارضونها. وكان أبرز الذين عبروا عن معارضتهم، وأكثرهم رصانة، يؤمنون بأن الصهيونية نزعة فاسدة أخلاقياً. وكانوا يخشون أيضاً أن تفضي مشروعاتها الاستيطانية إلى صراع لا ينتهي مع العرب. لكن معظم هؤلاء اليهود كانوا يخشون أن تحرض الصهيونية على معاداة السامية، في حال هيمنت عليها القوى العظمى وأجبرتها على أن تتبنى أهدافها.
وهذا ما يحدث الآن بالضبط، كما يشير إليه كتابي الذي يحمل عنوان: «الصهيونية: العدو الحقيقي لليهود». وفي الواقع أسست الصهيونية دولتها على نحو مشابه، وهي دولة صهيونية وليست يهودية، وهذا أفضل شيء يعرّف الطبيعية الحقيقية للصهيونية. لقد تأسست إسرائيل بصورة رئيسة على أكتاف الإرهاب الصهيوني والتطهير العرقي، في عملية مخطط لها مسبقاً، أسفرت عن تشريد ثلاثة أرباع السكان الأصليين من العرب الفلسطينيين من بيوتهم، وانتزاع أراضيهم، وحرمانهم من حقوقهم المشروعة. وهذه كلها تحمل بذور فناء المشروع الصهيوني.
وتؤكد الصهيونية على أن دولتها قد حصلت على شهادة ميلاد، وحظيت بالتالي بالشرعية، التي منحها إياها قرار التقسيم الصادر عن الأمم المتحدة في 29 نوفمبر عام 1947. وهذه حملة دعائية مثيرة للاستهزاء، فالأمم المتحدة ليس لها الحق بإصدار قرار تقسيم فلسطين، أو تخصيص أي جزء من أراضيها لأقلية غريبة من المهاجرين، لكي يؤسسوا عليها دولة خاصة بهم.
وبعد تصويت شاق أقرت الجمعية العمومية قرار التقسيم بفارق هامشي بسيط، كما أقرت إنشاء دولتين على فلسطين. غير أن قرارها هذا كان مجرد توصية، وغير ملزم ما لم يرفع لمجلس الأمن للتصويت عليه. وهو ما لم يحدث مطلقاً، لأن الولايات المتحدة كانت تدرك أنه إذا تم إقراره، فلن ينفّذ إلا بالقوة، نظراً للمعارضة القوية التي جوبه بها من قبل الدول العربية والإسلامية.
ولم يكن الرئيس الأميركي الأسبق هاري ترومان مستعداً لتقسيم فلسطين باستخدام القوة، لذلك كان قرار التقسيم غير شرعي، ولم يكترث أحد لمصير الفلسطينيين، حتى بريطانيا التي تنصلت من الانتداب، وتركت الفوضى تعم أرجاء فلسطين، استسلمت للإرهاب الصهيوني عملياً، وأعيد القرار للجمعية العمومية لإجراء مزيد من المناقشات عليه، وترك في عهدتها بصورة مؤقتة، في الوقت الذي أعلنت إسرائيل عن وجودها من جانب واحد، في تحد سافر للمجتمع الدولي، وإدارة الرئيس ترومان.
وفي الواقع، وفي ما يتعلق بإيجاد الصراع وتعزيزه في فلسطين، التي تعرف الآن باسم إسرائيل، آمل أن تكون مقولة الفيلسوف الألماني أرثر شوبنهاور صحيحة، والتي قال فيها: «تمر كل الحقائق بمراحل ثلاث: في البداية يستخف بها، ثم يُعترض عليها بصورة عنيفة، وأخيراً يقبل بها كحقيقة بديهية واقعة». وإذا صح ذلك فإن الصهيونية يمكن أن تهزم، وستهزم».
تعريف الصهيوني الحديث
ليس بالضرورة أن يكون الصهيوني في زمننا الحديث يهودياً، لكنه، بحسب تعبير بلفور، أي شخص يؤيد الطبيعة الصهيونية لدولة إسرائيل، سواء كانت على حق أو على باطل، وهو لا يمكن أن يعترف بأن الصهيونية ارتكبت خطأ رهيباً بحق الفلسطينيين، ولا يعترف بأنه يمكن تصحيح ذلك الخطأ بطريقة مقبولة للفلسطينيين، في حال تحقيق سلام ، كما لا يعترف بأنه يتعين وقف العد العكسي لهذه الكارثة، التي يطلق عليها العرب اسم النكبة، والتي ستصيب شظاياها الجميع.
وبرأيي فإن إنكار الصهيونية للنكبة الفلسطينية هو عمل فاحش وشرير. والشيء الوحيد الذي لا يستطيع أحد إنكاره هو الفعالية الكبيرة لآلة الدعاية الصهيونية، التي ربما تعلم أتباعها من النازية أنه كلما كانت الكذبة أكبر، وكثر إبلاغ الناس بها ، زاد احتمال تصديق غير اليهود، والمسيحيين، أو العالم الغربي، لها
بقلم: ألان هارت ترجمة: عمر حرزالله
