كانت أولى الأصوات الداعية إلى تحقيق النظام الفدرالي في العراق، هو التحالف الكردستاني الذي أصر وبشكل مباشر على تحقيق هذا الهدف، كخطوة أولى للخلاص من سيطرة حكومة بغداد المركزية.

وهذا الأمر له جذوره التاريخية، فقد عمل النظام السابق على منح الأكراد في شمال العراق حكمهم الذاتي في العام 1973، ومنحهم إزاء ذلك سلطات محلية خاصة بهم، فضلا عن حق استخدامهم اللغة الكردية وجعلها لغة رسمية إلى جانب اللغة العربية في البلاد، وغيرها من المكتسبات التي كانت وما زالت ممنوعة لدى أكراد دول الجوار العراقي؛ في كل من إيران وتركيا وسوريا، وبذلك تعمقت لدى أكراد العراق فكرة الإقليم وسياسة اللامركزية في الحكم.

وفي العام 1992 أقرت الحكومة الكردية الأولى مبدأ الفيدرالية الإقليمية، مستغلة ضعف حكومة صدام السابقة، إثر خسارتها لحرب الخليج الثانية 19911992، وعدم قدرتها على السيطرة على المناطق الشمالية بسبب التواجد الأميركي هناك، وبغض النظر عن موقف العرب السنة والشيعة وموقف التركمان والآشوريين وبقية الأقليات الأخرى.

كما دعت القوى السياسية المعارضة لنظام صدام حسين في مؤتمر لها في المهجر عام 1999، إلى بناء عراق فيدرالي موحد، إذ أقر المؤتمرون بناء على دعوة حركة الوفاق الوطني بقيادة إياد علاوي، إقامة نظام ديمقراطي فيدرالي، وأشادوا بتجربة كردستان العراق وجعلوها نموذجا يحتذى به لتطبيقه على بقية أنحاء العراق، ثم أقر المبدأ رسميا في مؤتمر لندن للقوى السياسية المعارضة لنظام الحكم السابق عام 2002 والمؤتمرات اللاحقة.

ثلاث فيدراليات

وبعد الاحتلال الأميركي ـ البريطاني للعراق عام 2003 زادت الأصوات المطالبة في تطبيق الفيدرالية في العراق، إذ لم يقتصر الأمر على الأكراد وإنما وصل إلى بقية الأحزاب المشتركة في مجلس الحكم الانتقالي، وخاصة المجلس الأعلى للثورة الإسلامية المسمى حاليا بالمجلس الأعلى العراقي، فقد طالب رئيس المجلس الأعلى السابق عبد العزيز الحكيم وبقوة تطبيق مبدأ الفيدرالية في الجنوب الشيعي العراقي وأخر سني في الوسط أسوة مع إخوانهم الأكراد، وقد لاقى هذا الأمر معارضة من بعض القوى السياسية العلمانية والعرب السنة والتركمان والمسيحيين وبعض الفصائل الشيعية أمثال التيار الصدري وحزب الفضيلة الرافضة لمبدأ الأقاليم والتقسيم، الذي وجدت فيه خطوة نحو تقسيم العراق.

ومهما يكن من أمر فقد اقر دستور العام 2005 قانون الفيدرالية للعراق وخاصة في المواد (1، 57، 112121) وتقسيمه إلى ثلاث فيدراليات كردية، سنية، شيعية وقد يتم تقسيمها إلى عدة أقاليم.

لقد أثار هذا القانون الكثير من الهواجس والمخاوف لدى العراقيين، وهناك سبب مباشر أدى إلى هذه الحالة وهو القلق لدى اغلب العراقيين على وحدة البلاد، فقد أعلن قبل الاحتلال الأميركي للعراق عن مخططات إقليمية ودولية لإعادة بناء النظام الدولي الجديد، وخاصة بعد انهيار الاتحاد السوفيتي وانتهاء الحرب الباردة بين القطبين الأميركي والسوفيتي، ومشروع شرق أوسطي يهدف إلى تفتيت العراق وجعله دويلات وكيانات عرقية وطائفية ضعيفة ومتنابذة.

وقد أفصح وزير الخارجية الأميركي الأسبق جيمس بيكر علنا عام2006 انه ليس أمام أميركا سوى تأييد تقسيم العراق إلى ثلاثة أقاليم ذات استقلالية عالية، يتولى كل إقليم فيها مسؤولية حفظ الأمن ضمن نطاقه، على أن يناط بالحكومة المركزية في بغداد مسؤولية السياسة الخارجية وحراسة الحدود وتوزيع الثروة النفطية.

دعاوى الانفصال

الفيدرالية اسم حديث العهد بالنسبة للعراقيين ويثير لهم الهواجس القلقة، لارتباطها بفترة الاحتلال الأميركي للعراق وإقرارها في دستور وضع تحت مظلة الاحتلال، فكيف يتقبل العراقيون هذه الفكرة؟

إن مما يزيد من إثارة الهواجس حول مبدأ الفيدرالية، هو إن بعض العراقيين من الأكراد يلوحون ويهددون بين فترة وأخرى، وعند كل أزمة مع حكومة بغداد بالانفصال والاستقلال، وهذا ما عبر عنه كل من مسعود البرزاني وجلال الطالباني في يونيو 2004 عندما رفعا مذكرة إلى جورج بوش (الابن) يهددان بقطع علاقاتهما بالعراق ما لم يدعم قانون إدارة الدولة في قرار الأمم المتحدة رقم 1456 الذي اعترف بالحكومة الانتقالية فضلا عن الأزمة الأخيرة بين حكومة بغداد واربيل حول كوبونات النفط.

وتوقيع عقود استثمارية نفطية مع شركات أجنبية كبرى، وتصرف كردستان بشكل منفصل عن حكومة بغداد ودون الرجوع إليها، وكأنها دولة مستقلة مؤكدة على الدوام بان اتحادها مع العراق هو اتحاد اختياري وليس إجباريا، مستندة في ذلك إلى مبدأ حق تقرير المصير، ومبادئ حقوق الإنسان.

لم يقتصر الأمر على أكراد العراق، وان تعداه إلى أطراف عربية هددت بالانفصال عن العراق، وفي وقت مبكر من الاحتلال الأميركي، فقد هدد سلام المالكي نائب محافظ البصرة في (حكومة إياد علاوي) في 9/8/2004 بانفصال المحافظات الجنوبية الثلاث في العراق (البصرة، والعمارة، والناصرية) وإقامة إقليم الجنوب العراقي المنفصل، إذا لم تستجب حكومة اياد علاوي لمطالبها، فإنها سوف تنفصل عن العراق حيث قال سلام المالكي (أعطينا أمراً لشركة نفط الجنوب بان توقف صادراتها النفطية العراقية، حتى تتم الاستجابة لمطالبنا) وعلى اثر ذلك أوقفت الحكومة إنتاج النفط من حقول العراق الجنوبية.

صراع المناطق

إن المتتبع للشأن العراقي يرى أن تطبيق الفيدرالية، قد يؤدي إلى الكثير من المحن والمشكلات منها التسابق المتواصل للكتل السياسية الحاكمة في البرلمان العراقي وخاصة التحالف الكردستاني إلى توسيع الرقعة الجغرافية للأقاليم، لتضم كافة الأقضية والنواحي التابعة لمحافظات أخرى وهذا ما يتردد اليوم باسم المناطق المتنازع عليها.

ومثال على ذلك محاولة الأكراد مناطق خانقين ومندلي في محافظة ديالى، ومخمور في اربيل، وسنجار وزما والشيخان في محافظة نينوى فضلا عن محاولة ضم محافظة كركوك الغنية بالنفط إلى الإقليم والتي يسكنها عرب وأكراد وتركمان وغيرهم، ومحاولة تغيير الطبيعة الديمغرافية للمناطق الآنفة الذكر بترحيل سكانها بحجة انهم سكنوها في العهد السابق لأغراض التغيير السكاني.

فضلا عن اتخاذ التدابير والإجراءات التي توحي بأن الإقليم كيان مستقل بحد ذاته كالتعامل المباشر مع الدول الأجنبية والشركات العالمية وتوقيع الاتفاقيات الاقتصادية والتجارية والثقافية دون الرجوع إلى حكومة المركز وكما نوهنا، وكل ذلك يجري تحت ذريعة انه متوافق مع قوانين الدستور العراقي الجديد.

فالتخوف من تطبيق قانون الفيدرالية قد يؤدي إلى تقسيم العراق فعليا، وخاصة ان التقسيم العرقي والطائفي في العراق مواتيا اليوم إلى حد بعيد مع التقسيمات الجغرافية الموجودة على ارض الواقع، فالأكراد في الشمال، والسنة في الوسط والشيعة في الجنوب، وتجدر الإشارة إلى أن هناك مناطق تتداخل فيها الأعراق والطوائف مثل كركوك والموصل.

وكما ذكرنا، ومناطق في الوسط والجنوب، حيث يتداخل فيها العرب من السنة والشيعة وبقية الأقليات كما في البصرة وبابل والكوت والانبار وديالى وصلاح الدين فضلا عن بغداد، مما قد يؤدي إلى نشوب حروب وصراعات داخلية للاستحواذ على اكبر قدر ممكن من المناطق، والاستيلاء على الثروات الطبيعية.

وافتقار عراق اليوم إلى أهم عنصر موحد له إلا وهو تكريس مبدأ المواطنة الصالحة وما يترتب عليها من حقوق وواجبات متساوية على جميع العراقيين وبغض النظر عن انتمائهم العرقية والقبلية والدينية والطائفية، مما يجعل الفيدرالية في العراق أمرا مشكوكا فيه.

غياب المصلحة الوطنية

إن ضعف حكومة المركز في بغداد وعدم سيطرتها على المحافظات سوف يعزز المزيد من الانفلات الحالي للمحافظات، وتعديها على صلاحيات وسلطة الحكومة المركزية فضلا عن الوضع الأمني المتدهور وغير مستقر، وانعدام الخدمات، والحالة المتردية للمواطن العراقي، كل هذه الأمور تستوجب الوقفة وعدم فرض الفيدراليات في الوقت الحالي، فلابد ان يعود العراقيون إلى حياتهم الطبيعية المستقرة أولا، بعدها يقرر العراقي النموذج الذي يختاره.

إن الحل الأنسب للوضع العراقي الحالي هو الاقتصار على فيدرالية الشمال (كردستان العراق) وكما هو موجود في الوقت الحالي، أما بقية محافظات القطر الوسطى والجنوبية فمن الأفضل أن تتمتع بالصيغة اللامركزية الإدارية فضلا عن الإدارات المحلية، وهذا يضمن بشكل قاطع عدم تقسيم البلاد مستقبلا وباسم الفيدرالية، فالعراق وكما عرفه التاريخ دولة واحدة ولم يأتي من تجميع كيانات منفصلة كما هو الحال في بعض الدول الفيدرالية.

وينظر اليوم الكثير من العراقيين وخاصة الكرد والشيعة في العمل بالنهج الفيدرالي، وتطبيقه في نظام الحكم، دون أن ينظروا إلى عواقب الأمور، فكل ينظر إلى المسالة من زاويته الخاصة، دون النظر إلى المصلحة الوطنية العليا للبلاد، وهذا ما كرسه الاحتلال بطبيعة الحال، واعتقادا منهم بان الفيدرالية يمكن أن توصلهم إلى بر الأمان والوصول إلى مستويات عليا من الرقي والازدهار، غير ان ما ينطبق على الدول الفيدرالية لا ينطبق على الوضع العراقي.

فوارق بين نظامين

هناك عدة فروق بين الفيدرالية والكونفدرالية، من أهمها:

1ـ أن الدولة الكونفدرالية تشرف على هيئات مشتركة بين الدول الأعضاء، أما في الدولة الفدرالية فالحكومة المركزية هي التي تدير شؤون الدولة وتترأس أعضاءها.

2ـ يحق لكل دولة عضو في الاتحاد الكونفدرالي الانسحاب متى شاءت من الاتحاد، لكونها دولة مستقلة، أما أعضاء الدولة الفيدرالية فليس لهم الحق، لأنهم يعدون أقاليم وجزءاً لا يتجزأ من الدولة الفدرالية.

3ـ لكل دولة عضو في الاتحاد الكونفدرالي، الحق في ممارسة السياسة الخارجية والتمثيل الدبلوماسي الفعلي، بينما في الدولة الفدرالية لا يحق لها ذلك، ويكون التمثيل الدبلوماسي والسياسة الخارجية من اختصاص السلطة التنفيذية والحكومة المركزية في الدولة الفدرالية.

4ـ مواطنو الدولة الكونفدرالية يتمتعون بجنسية بلدهم، وليست هناك جنسية موحدة، في حين أن مواطني الدولة الفيدرالية يتمتعون بجنسية الدولة الاتحادية.

5ـ للدول الأعضاء في الاتحاد الكونفدرالي الحق في إعلان الحرب، وليس بإمكان الدولة الفيدرالية (حكومات الأقاليم) ذلك، لأنه يعد من صلاحيات الحكومة المركزية الفدرالية.

د. سهير عواد الكبيسي