تطرح ثقافتنا العربية المعاصرة العديد من الأسئلة في مواجهة ثقافة العصر الذي نحياه، بكل أماله وتحدياته، بإنجازاته وإخفاقاته، سأحاول في كلماتي أن التزم أقصى درجات الصدق والمصارحة الودود وعلى الرغم من أننا قد تعودنا الآن نسبياً على نقد الذات، بل وجلدها في أحيان كثيرة فإننا لا نزال بحاجة إلى مراجعة استراتجياتنا الفكرية، تلك التي تقود حركتنا الجماعية، لكي تتسق مع اتجاهات أفراد منا، أبصروا طريق المستقبل، ودعونا للمضي فيه قدماً، ولكننا لم نملك حتى الآن الإرادة الجمعية، ولا الوعي الضروري، لمتابعة هذه الطليعة الرائدة من قادة الفكر عندنا.

ثقافات شابة ... وربما كان موقعي حيث علاقتي المباشرة بالتحولات المعرفية، والفروق الهائلة بين الثقافات الإنسانية، ومعاناتي أحياناً في اليوم الواحد بين درجات الحرارة في مختلف القارات، ما يتيح لي أن ألمس التباين الجذري فيما يشغل الناس شرقاً وغرباً، جنوباً وشمالاً؛ مما يسمح لي ـ مدفوعاً بقوة الانتماء ـ أن أسمي الأشياء بأسمائها في مظاهر التخلف والتقدم. دون رضوخ للمبررات، أو استسلام لحتمية الأسباب، فأقول قولي هذا لأنني واحد من أبناء هذه الأمة العربية، يعتز بماضيه، لكنه لا يقدسه، بل يحاول أن يكون وفياً له، بتجاوزه والتفوق عليه، ولا يرى أي موانع هيكلية تحول بيننا وبين التقدم السريع في طريق البناء الحضاري الخلاق.

ليست الثقافة كما تعرفون تقاس بحصيلة المعارف والآداب والفنون والآثار التي تمتلكها الأمم فحسب، بل ولا بمنجزاتها التاريخية في العلوم والاختراعات، بقدر ما هي القوة التي تتبقى من كل ذلك لتمثل الطاقة المتجددة والمبدعة للإنسان، والقدرة على مواجهة التحديات الطبيعية والبشرية، والتفوق على ضروراتها.

والفرق بين الثقافات المختلفة يتجسد في مدى هذه الطاقة وحيويتها، فهناك ثقافات متجمدة، متكلسة؛ أقرب إلى الموت منها إلى الحياة، وهناك ثقافات وثابة، شابة، متوالدة، خلاقة، مهما كان عمرها. فما هي دلائل هذه الحيوية، وما حظنا منها في ثقافتنا العربية؟

أحادية النظرة

أولاً: ورثنا من فترات الركود الحضاري أحادية النظرة في رؤية القضايا الخلافية، فتعصب كل منا لرأيه، ومصلحته، واتهم غيره بالخطأ واشتط في ذلك حتى رماه بالخيانة أحياناً وبالكفر أحياناً أخرى، دون إدراك حقيقي لضرورة التحليل التفصيلي والاعتراف بتعدد الأبعاد في كل المشاكل، والتسليم بتفاوت القدرات لدى الشخصيات العامة، وانتزاع أجمل وأقوى ما في كل منها.

نميل إلى اختزال هذا الثراء في تعدد المنظورات إلى ثنائيات ضدية، ونقيم بينها تعارضاً مفتعلاً، مثل: الأصالة والمعاصرة، والمصلحة الخاصة والعامة، وطموح الفرد ونهضة الأمة؛ ليس هناك تناقض على الإطلاق بين هذه الأطراف، بل إن جدليتها هي التي تصنع حركة الإنسان والمجتمعات.

ثانياً: يؤدي هذا التشبث المتعصب بأحادية النظرة إلى الضحالة والسطحية، وافتقاد العمق في التحليل، والعجز عن تنمية الوعي بمعرفة دوافع الآخرين وبراهينهم، إنه يشف عن فقر الفكر بمقدار ما يقود إلى تحوله إلى سلوك عدواني غريزي، من هنا يفقد قدرته على الحوار، ويفتقد إلى روح التسامح ويضيع مفهوم حق الاختلاف، بل وإمكانية الخطأ الذي يحرر المجتهد ويصون إمكاناته.

ثالثاً: إن العرب والمسلمين هم الذين رفعوا راية العلم والمعرفة، منذ أكثر من ألف عام، حين تمردوا على النص الأرسطي الموروث وأرسوا قواعد المنهج العلمي الحديث، المبني على التجريب والقياس، وذلك قبل ستة قرون من ظهور جاليليو، الذي أجبرته محاكم التفتيش في أوروبا على التراجع، بينما كان العلم بأيدي عمالقة مثل ابن الهيثم يتقدم في العالم العربي الإسلامي.

ولعلنا نتذكر في هذا الصدد كلمات ابن الهيثم التي يقول فيها.

«نبتدئ في البحث باستقراء الموجودات، وتصفح أحوال المبصرات، ونميز خواص الجزئيات، ونلتقط بالاستقراء ما يخص البصر في حال الإبصار، وما هو مطرد لا يتغير، وظاهر لا يشتبه من كيفية الإحساس. ثم نترقى في البحث والمقاييس على التدريج والترتيب، مع انتقاد المقدمات والتحفظ في النتائج، ونجعل غرضنا في جميع ما نستقرئه ونتصفحه، استعمال العدل لا اتباع الهوى، ونتحرى في سائر ما نميزه وننتقده، طلب الحق لا الميل مع الآراء».

تسامح وانفتاح

رابعاً: إن مجتمع العلم والمعرفة الذي أقاموه طوال فترات القرون الوسطى كان مجتمع التسامح والانفتاح... فلنتذكر أيضاً كيف كان أبو العلاء المعري، المعاصر لابن الهيثم، شاعراً ضريراً يقيم في قرية معرة النعمان يطلق فكره وخياله ولسانه بما يعده مجتمعه خروجاً وزندقةً، ولكنه يظل حجةً في اللغة وإماماً في الأدب ومرجعاً في فلسفة الفكر حتى يومنا هذا، فإذا ما تذكرنا بعض شواهده الجسور أدركنا إلى أي حد كانت حريته وكانت سماحة المجتمع الذي يحتضنه ويعلي قدره رغم اختلافه معهم في الفكر.

خامساً: إن هذا المجتمع المنفتح المتسامح، لا يفسح المجال للإبداع الأدبي والفني فحسب، بل يتسع صدره للتعبير عن الشك والإيمان لهؤلاء الذين ؟ مثل أبي العلاء المعري ؟ يفصحون عما في قلوبهم في رحلتهم من التساؤل إلى اليقين، ومن الشك إلى الإيمان... إن هذا المجتمع لا يخشى الغزو الثقافي ولا يخاف ترك الموروث والمتعارف ولا يهاب احتضان الجديد الغريب... فإليكم كلمات ابن النفيس في القرن الثالث عشر الميلادي...

«وربما أوجب استقصاؤنا النظر عدولاً عن المشهور والمتعارف، فمن قرع سمعه خلاف ما عهده فلا يبادرنا بالإنكار، فذلك طيش. فرب شنع حق، ومألوف محمود كاذب. والحق حق في نفسه، لا لقول الناس له».

تقديس الماضي

وأرجو إلا يفهم من قولي هذا أنني ممن يقدسون الماضي ولا يعبأون بما فيه من أخطاء، بل رويت هذه الأمثلة للتذكرة بجوهر روح الانفتاح والتسامح التي ليست بالدخيلة على ثقافتنا، بل هي أصيلة في تراثنا، وإنني أعترف أن كثرة تغنينا بميراثنا الحضاري القديم، دون إدراك حقيقي لمقوماته أدى إلى أننا نتصور في كثير من الأحيان أن الماضي والحفاظ عليه وتقديسه هو النموذج الذي ينبغي احتذاؤه في صناعة المستقبل، وهذا أكثر الأوهام فتكاً وأشدها ضلالاً.

صحيح أنه كان من الضروري لنا - لكي نمتلك الثقة في شخصيتنا القومية ولا ننسحق أمام الآخر، خاصةً في الفترات الاستعمارية - أن نستنجد بهذا الماضي، ونستمد منه قوة المقاومة، والثقة في الذات، لكننا بعد أن تخطينا هذه المرحلة، نضر بأنفسنا أفدح الضرر عندما نتحول إلى عبادة الأسلاف بدلاً من احترامهم... وفي هذا الصدد نذكر أيضاً مقولة ابن النفيس دعماً للتجديد والمجددين:

«ولنذكر قولهم: إذا تساوت الأذهان والهمم، فمتأخر كل صناعة، خير من متقدمها».

لا يجوز أن ندير ظهورنا لحركة التاريخ، ونتصور واهمين أننا عوالم مغلقة على ذاتها، تعيش وحدها على هذا الكوكب، فنصاب بداء مدهش من الرضوخ للصبغة المحلية والإقليمية، نحاول أن نخترع العجلة في مشكلات الدول والثقافة، ويكفينا أن ننظر حولنا، لنعرف كيف واجه غيرنا ذلك لنتعلم ونبني على أسسه.

ومما يجب التأكيد عليه في هذا المجال هو تعليم البنت وتمكين المرأة لتلعب دورها كاملاً في شتى مجالات الحياة، فلا تقدم حقيقياً يحرز في المجتمعات التي لا تنصف المرأة ولا تعترف بدورها المحوري الخلاق:

فالأم مدرسة إذا أعددتها

أعددت شعباً طيب الأعراق

الاحتكام للدين

سادساً: على أن ذلك يرتبط بداء آخر، هو البعد عن الثقافة العلمية المعاصرة التي أصبحت المقياس الحقيقي لحيوية الثقافات. فمن المعروف أن الفلسفة في العصور القديمة كانت أم المعارف وذروة هرمها، هي التي تمثل أسس الأفكار وتوجه حركة الشعوب مدنيةً أو عسكريةً.

وقد أضحى العلم اليوم هو القطب الذي يوجه حركة المعرفة ومسيرة الحضارة، ومن ثم أصبحت سيادة التفكير العلمي والثقافة العلمية هي ضمان المعرفة والتقدم، ولا سبيل لنا للإسهام في تشكيل الحضارة المعاصرة من الدخول في هذا السباق العلمي، بكل طاقاتنا المادية والبشرية، على جميع المستويات الفردية والجماعية.

سابعاً: وهذه مشكلة حساسة، آن لنا أن نواجهها بشكل حاسم ونهائي، وهي إقحام الدين فيما لا علاقة له به، وتحكيم رجال الدين في مختلف شؤون الحياة، وانفجار عصر الفتاوى العشوائية، وسيادة الدعاة المحترفين والمتطوعين.

إن الميزة الكبرى للإسلام هي الاهتمام القاطع بشؤون الدنيا والاحتكام للخبرة الإنسانية في إدارتها، منذ حادثة تأبير النخل الشهيرة في التراث الإسلامي وكلمة الرسول (صلى الله عليه وسلم) الجامعة: «أنتم أعلم بشؤون دنياكم»؛ فلدينا الحرية في إدارة مجتمعاتنا اعتماداً على مصلحة الناس وحكم العقل وخبرة التاريخ ونمو المعرفة العلمية، بما في ذلك صياغة القوانين التي تخدم النفع العام مستأنسةً بفهمنا للثوابت في تراثنا، منفتحةً على التطورات الجديدة واحتياجاتها.

وإنني أرى أنه من الضروري إلا نقحم الدين في أمور؛ الرأي فيها ليس لعلماء الدين ولكن لأهل التخصص، لأنها أمور لا تتعلق بالحل والحرمة، بل بالصواب والخطأ قياساً على المصلحة العامة القابلة للتغير حسب الزمان والمكان والظروف.

فإذا قررنا أن نحدد السرعة على الطريق بين القاهرة والإسكندرية بمئة كيلومتر في الساعة، فليس معنى هذا أن (110) مئة وعشرة كيلومترات في الساعة حرام، وأن (90) تسعين كيلو متراً في الساعة حلال، فإن مثل هذه القرارات ـ وغيرها الكثير الكثير ـ تبنى على نوعية الطريق، وتكنولوجيا الانتقالات، وإحصاءات الحوادث في الطرق، وكلها موضوعات أهل الاختصاص، وليست مجالاً لخوض علماء الدين فيها.

الدين والعلم

وإننا نتعجب لهذه الظاهرة التي تتجه بكل كبيرة وصغيرة إلى علماء الدين للحصول على فتوى، حتى إذا كان الموضوع ليس موضوعاً دينياً، وفي هذه الظاهرة تعطيل للعقل، فهي تبتغي تحميل مسؤولية القرار ؟ أياً كان هذا القرار - على صاحب الفتوى، بينما عرفنا من كبار مفكرينا - مثل عباس محمود العقاد - أن «التفكير فريضة إسلامية»، وأن استعمال العقل واجب على المسلمين.

والوجه الآخر لهذه الظاهرة المقلقة، هو إقحام الدين في تقييم العمل الفني، بما في ذلك من فرض رقابة اجتماعية شرسة من فئة منغلقة متعصبة على ما يجوز للمجتمع أن يقرأه أو يسمعه أو يراه، وذلك لأنها لا ترى رأياً غير رأيها، ولا تريد التعددية وثراءها الثقافي في المجتمع، ونحن لسنا من أنصار مصادرة الأفكار؛ ليس فقط لأن ذلك ضد الحرية، وإنما لأنه يحقق شهرةً وانتشاراً لأعمال لا تستحق ذلك.

ولتنظيم مجتمعاتنا أقول:

أقول في شأن الدين ونظم الحكم، بعد أن ابتكرت الثقافة الإنسانية الصيغة الديمقراطية المتجددة؛ التي هي تحقيق للمبدأ الإسلامي الأصيل: «وأمرهم شورى بينهم»، أقول: لابد في مجتمعاتنا العصرية، المتعددة المكونات، أن نؤكد على مفهوم المواطنة ومساواة المواطنين أمام القانون، رجالاً ونساءً، مسلمين وغير مسلمين...

وأقول أيضاً: لا شأن للدين بأمور العلم؛ بعد أن تطورت المعارف بسياج أخلاقي يحميها، وإن كانت التطبيقات التكنولوجية للمبادئ العلمية في كل المجتمعات تحتاج إلى القيم الأخلاقية ؟ الدينية والفلسفية ؟ لتوجيهها.

لقد آن لنا أن نحافظ على ديننا بالتمسك بروحه، والتحلي بخلقه، والتحرر من حرفية بعض فقهائه في إدارة شؤوننا الجماعية؛ لنكون أقوى وأكثر تقدماً.

أ.د. إسماعيل سراج الدين