شجون الثقافة العربية تبعث الكثيرين على اليأس، لكننا عندما نتتبع مسارات الثقافات الموازية في القارات القديمة والجديدة؛ في الشرق والغرب، ندرك أننا لسنا وحدنا منْ يواجه هذه الإشكاليات، وأنّ غيرنا قد سبقنا في الانتصار على صعوبات التنمية العلمية والمعرفية، وأن الأمم العريقة التي استطاعت تطويع تراثها وتدريب ثقافتها على الانفتاح والتعددية، وأن تستوعب مقتضيات ثقافة المعرفة من نهم التجديد.
والالتزام بالتطورات المنهجية للعلوم الطبيعية والإنسانية دون تفرقة، ومساءلة الموروث الثقافي ونقده بل ونقضه أحياناً؛ اعتماداً على الحجة والبرهان وتغليباً للصالح العام، والتقيد بمنظومة القيم الأخلاقية لعصر العلم، مع الحفاظ على المرتكزات الروحية لثقافتنا القويمة، كل ذلك في تقديري يضمن لنا تأسيس مجتمعات المعرفة وتأصيلها في وعينا الجماعيّ وإرادتنا الكلية.
إنّ المثقّف بطبيعته، يجب عليه أن يأخذ موقفاً ناقداً تجاه مجْتمعه، فليس دوره التأكيد على الأيديولوجيات السائدة، بل مساءلتها؛ فهو عنصر التجديد الفكريّ في المجتمع. ولكنّه في الوقت نفسه، حافظ هوية هذا المجتمع.
ومن ثمّ عليه التجديد مع التأصيل، فيضمن العودة إلى الجذور من جهة والانفتاح على الجديد من جهة أخرى، فكلّ ثقافة حية متغيرة متجددة، يجب عليها التواصل مع ماضيها والانفتاح على غيرها. فيصبح التجديد مع التأصيل دور المثقّف في كلّ مجتمع، فإن الجري وراء الجديد دون تأصيل، سيؤدّي إلى التخبّط في الضياع، كما أنّ الانغلاق في الماضي ورفض الجديد الوافد، هو استسلام لانتحار بطيء.
إن الإمكانيات الهائلة المتوفرة في أجيال الشباب، ينبغي تفعيلها بأقصى طاقاتها لضمان الدخول بالمجتمع العربي وبثقافته العامة، إلى أبواب المستقبل بعيداً عن الآفات التي ذكرناها في بداية حديثنا.
ولعلّ في هذا ما يكوّن في الوقت ذاته دعوتنا للمستقبل حيث يتعين علينا:
ـ فتح المجال للشباب من أجل القيام بدورهم في قيادة حركة المجتمعات العربية.
ـ فتح الأبواب للتعددية والتواصل مع التيارات العالمية.
ـ الدخول في عصر الثورة العالمية المعرفية.
إن ثقافتنا العربية متجددة بلا ريب، وثّابة بعقول أبنائها، متخلصة من قيود بالية، يريد البعض فرضها عليها محققة لقول الشابي:
إذا الشعب يوماً أراد الحياة فلا بدّ أن يستجيب القدر
ولا بدّ لليل أن ينْجلي ولا بدّ للقيد أنْ ينكسر
