أبيات الشعر التي أوردناها أعلاه للشاعرة «ميريام غوندوفي» قد يلفت نظر المحلل السياسي أنها لم تنشر في ديوان شعر.. ولا حتى في دراسة عن آداب القارة وإبداعات فنونها.لقد كانت هذه الأشعار بمثابة الافتتاحية لكتاب صادر منذ 3 أعوام أو أقل..
وحمل العنوان التالي: «السباق حول بترول إفريقيا»، وفيه يحرص مؤلفه «جون غازفنيان» وهو أستاذ جامعي حاصل على دكتوراه الاقتصاد من جامعة أكسفورد على تذكير الناس بأن إفريقيا عادت في زماننا لتخضع لذلك التنافس المقيت على أثمن مواردها، وكأنما يستعيد سابقة تاريخية حدثت في الظروف نفسها وللقارة نفسها ومن أجل الأهداف نفسها أو فلنقل المصالح والأطماع نفسها منذ نحو 125 عاماً من عمر الزمان المعاصر. إن الدكتور «غازفنيان» يعمد إلى تذكيرنا في كتابه المذكور (قدمت «البيان» عرضاً تحليلياً للكتاب فور صدوره) بما سبقت إليه قوى الإمبريالية الأوروبية من عقد مؤتمر برلين عام 1883، الذي حمل بدوره اسمه الشهير: «مؤتمر التسابق (بمعنى التكالب) على إفريقيا».
وفيما كان الهدف هو اقتسام أراضي القارة بين قوى الاستعمار الغرب ؟ أوروبي في تلك المرحلة التي شهدت بالطبع ذروة المد الإمبريالي في العصر الحديث..
فقد كانت الغاية الاستراتيجية هي اقتسام موارد القارة السمراء، وكان في مقدمتها في تلك الفترة نواتج الزراعة والغابات (المطاط والقطن بالذات)، إلى جانب نواتج المناجم المعدنية (الذهب والفضة والألماس وغيرها).
لكن مع دخول العالم في حقبة النصف الثاني من القرن العشرين، تجلت بوضوح قيمة البترول الذي ما زال متربعاً على عرش الطاقة في طول العالم وعرضه.
أوباما وإفريقيا
من هنا فما برح المراقبون السياسيون في أميركا يؤكدون ضرورة أن يحتل البترول.. بل وقضية الطاقة بشكل عام، مواقع الأولوية على أجندة إدارة أوباما، التي ما زالت تبذل قصارى جهدها لدفع سياستها الإفريقية قُدماً إلى الأمام.
بيد أن حكاية أوباما مع إفريقيا تستحق التوقف ملياً بقدر أوسع من الاهتمام. لماذا؟
لأن انتخاب «باراك حسين أوباما» إلى المنصب الأول في الولايات المتحدة الأميركية قوبل في إفريقيا بالذات بترحيب عاصف، انطوى بداهة على آمال زاهرة عريضة.
لقد فوجئ سكان إفريقيا ـ جنوبي الصحراء الكبرى بالذات ؟ بهذا السياسي الأفرو- أميركي كما يقول مصطلح السياسة الأميركية - ذي البشرة الموغلة في السمرة والأصول المتجذرة في جماعات المسلمين في كينيا، وقد أصبح الرجل رقم واحد، قرب ختام سنوات العقد الأول من القرن الواحد والعشرين.
ولم تكن المفاجأة لتقف عند حكاية البشرة السمراء، ولا الأصول الإفريقية، بل تعدت إلى عوامل متكاملة شتى، من بينها مثلًا:
- أن الرجل رفع شعار الأمل.. بعد فترة إحباط قانط تسببت فيه الإدارة الجمهورية التي ورثها في البيت الأميركي الأبيض.
- أن الرجل أطل على المنصب والعالم من موقع السياسي المثقف، وليس المغامر، ومن موقع المسؤول الذي يود لو ينفتح على ثقافات واهتمامات وهموم الآخرين داخل بلاده وخارج حدودها.
- أن أوباما ارتقى إلى منصبه، لا في انقلاب مباغت، ولا بترقية مفاجئة، ولكن من خلال عملية انتخابية بالغة التشابك، وربما التعقيد، رسختها تقاليد بلده الأميركي في الممارسة الديمقراطية.
هذا المزيج من منطلقات الأمل ومحاولة تفهم الآخر وشعار نعم: نحن نستطيع و ثمار الأسلوب الديمقراطي في إدارة الشأن العام، هو الذي دفع إفريقيا إلى أن تطل على شؤونها وشؤون العالم من منظور جديد.
إطلالة على المستقبل
وكان بديهياً أيضاً أن يتنادى الدارسون إلى التركيز على مستقبل تطور العلاقات بين إفريقيا وأميركا في حقبة رئيس شاب واعد.. وإفريقيّ الملامح عن الحزب الديمقراطي العتيد..
وكان بديهياً كذلك أن تتناول مثل هذه الدراسات قضية محورية في هذا المضمار، هي:«مستقبل أجندة أوباما بالنسبة إلى إفريقيا».
صحيح أن هذه الأجندة سبق إلى بلورة بنودها مسؤولو الإدارات السالفة، سواء في البيت الأبيض أو في إدارة إفريقيا بوزارة الخارجية في واشنطن.. لكن ثمة مستجدات تزامنت مع ارتقاء أوباما إلى منصبه الرئاسي الكبير.على رأس هذه المستجدات كان ثمة عامل جوهري يحمل العنوان التالي:«تركة الإدارة الجمهورية في عهد بوش ؟ الابن».
هذه التركة ظلت تضم في بعض موروثاتها قضايا أقدم عهداً، ومن بينها مثلًا الحالة في الصومال، الذي ما زالت فوضى التيارات العشائرية والقبلية والفصائلية تسود ربوعه، وتكاد تجعل منه في نظر الأميركيين بالذات ـ مرتعاً خصباً، أو معمل تفريخ لما تصفه واشنطن بأنها «عناصر القرصنة» و«كوادر الإرهاب».
وفيما أضيفت إلى هذه الأجندة حالة السودان ومشكلاته، وبخاصة في ما يتعلق بإقليم دارفور ؟ إلا أن إدارة أوباما جاءت إلى مواقعها لتجد واشنطن مطالبة بأن تنشط على صعيد مواقع ومشكلات وتحديات شتى.. ومنها بالذات: أفغانستان.. العراق.. إيران.. كوريا الشمالية.
3 محاور أساسية
وما كان لهذه التحديات أن تصرف واشنطن عن مداومة تفعيل أجندة إفريقيا التي تتركز على محاورها الأساسية الثلاثة، وهي:
(1) الأمن السياسي.
(2) الطاقة ـ البترول بالذات.
(3) الصحة ـ والتنمية بشكل عام.
إننا نحيل في هذا السياق بالذات إلى دراسة مهمة في الموضوع من إعداد باحثة متخصصة في هذا الشأن.. هي الأستاذة «جنيفر كوك» مديرة برنامج إفريقيا في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن.
بالنسبة إلى المحور الأول، نلاحظ أن الباحثة الأميركية تطّل على قضية الأمن في إفريقيا من منظور محاربة ما أصبحوا يصفونه بأنه «ظاهرة الإرهاب الدولي».
من هنا فهي تتناول ما تصفه أيضاً بأنه «الأسباب الجذرية» للظاهرة المذكورة، التي تراها غير مقتصرة على العنصر الشُرَطيّ (البوليسي) كما قد نسميه، بل إن ثمة عناصر سوسيو ؟ اقتصادية تدخل بدورها ضمن معادلة الأمن الإفريقي.
تحاول جنيفر كوك تلخيص أهم هذه العناصر في ما يلي:
- الاتجار غير المشروع في الأسلحة.. عمليات غسيل الأموال لتحقيق أرباح طائلة غير مشروعة بدورها.. هذا فضلًا عن مشاعر السخط بين صفوف السكان الأفارقة، وأحاسيس الاغتراب بين شبابها.. واستضعاف المؤسسات والسلطات المكلفة بإنفاذ القانون، ومع ما يرتبط بذلك من ضعف السلطة القضائية..
وإذا كانت هذه السلبيات قد تجلت في استشراء ظاهرة القرصنة مثلًا في القرن الإفريقي، فثمة ظاهرة موازية تشير إليها الباحثة الأميركية، وتتجلى بدورها في تهريب المخدرات من أميركا الجنوبية عبر غينيا ؟ بيساو في أقصى غرب القارة السمراء، ومن ثم تحويل هذه السموم المخدِّرة إلى قارة أوروبا.
- في قضية الطاقة: تؤكد الدراسة الأميركية أنها من أهم ما يشغل سدنة السياسة الخارجية في واشنطن.. لا بفعل الاهتمام الطبيعي بإفريقيا بوصفها إحدى قارات عالمنا، ولكن في ضوء حقيقة الدور المتنامي أو الأهمية المتزايدة التي ما برحت تكتسبها القارة السمراء في دنيا البترول.
تضيف الدراسة التي بين أيدينا
- لقد زاد نصيب إفريقيا من واردات البترول الأميركية من 15 في المئة عام
2001 إلى 24 في المائة في عام 2008، فيما ارتفعت صادرات إفريقيا من الغاز الطبيعي إلى أميركا بمعدل 9 أضعاف(!) منذ عام 2000.
المهم هو المستقبل
من جانبنا نلاحظ في هذا الصدد أن الأهمية المتزايدة للقارة الإفريقية لا تنبع فقط من واقع إنتاجها المتزايد من البترول والغاز الطبيعي.. ولكن من آفاق مستقبل هذا الإنتاج.. لماذا؟.. لأن القارة السمراء ؟ كما تنّبه الدراسة الأميركية - تتميز عن سائر الأسواق في عالمنا بحقيقة نلخصها بدورنا على النحو التالي:
- أن إفريقيا ما زالت مفتوحة أمام الاستثمارات الأجنبية الوافدة من أنحاء شتى من العالم.
- وأنها بذلك أضحت حلبة للمنافسة الاقتصادية ـ الاستثمارية الضارية إلى حد الشراسة أحياناً بين حيتان الاستثمار ما بين الهند وماليزيا شرقاً إلى البرازيل، وبالطبع أميركا في نصف الكرة الغربي.
فما بالك وأن هذه الشرذمة من حيتان الاستثمار الأجنبي تضم رقماً مستجداً بالغ الخطورة في معادلة الاقتصاد العالمي، والرقم اسمه الصين، وما بالك أيضاً وأن التقارير المتخصصة في هذا الميدان تتوقع لإفريقيا أن تصبح من أكبر مصدري الغاز الطبيعي في العالم خلال الأعوام العشرين المقبلة.
- أخيرا نأتي إلى المحور الثالث ـ الأخير من محاور الشأن الإفريقي على أجندة الرئيس الأميركي أوباما: وهو محور الصحة والجوانب الاجتماعية - الاقتصادية والإنتاجية (بخلاف البترول أو الغاز) من أنشطة القارة.. العذراء كما كانت تسمى في بعض الأدبيات.
والدعوة هنا تؤكد على أهمية إعادة التوازن بين ما توظفه أميركا من استثمارات طائلة في المجال الصحي بإفريقيا وبين سائر القطاعات المهمة الأخرى التي تمّس في الصميم حياة ومعايش الإفريقيين.
الصحة وميادين أخرى
لقد كانت الأجندة الإفريقية تتطلع إلى أن تتضاعف استثمارات الدعم الأميركية المقدمة إلى إفريقيا إلى 50 مليار دولار بحلول عام 2012. صحيح أن الأزمة الاقتصادية الراهنة قد تقلل من المبلغ المنشود، أو قد تؤخر الوفاء به في هذا الموعد الذي أصبح قريباً.. إلا أن هناك من يدعو إلى توسيع مجال الإنفاق الأميركي الداعم في إفريقيا كي يشمل.
فضلاً عن ميدان الصحة (وباء الإيدز بالذات)، مجالات أخرى؛ مثل تطوير الزراعة بما يعزز الأمن الغذائي، وترشيد إدارة الغابات التي أصبح تدهور نوعيتها واجتثاث أشجارها مصدري خطر جسيم يتمثل في زيادة انبعاثات ثاني أكسيد الكربون الضار بمجمل حياة البشر فوق سطح كوكبنا.
إلى هذا الحد يتسم تنفيذ أجندة أوباما الإفريقية بقدر لا يستهان به من الأهمية والجسامة وفداحة التكاليف.
إن الأفارقة يتطلعون إلى التغيير والتحول إلى حياة أكثر سلامة من ناحية أمن الغذاء، وإتاحة الموارد المائية، وتطوير الزراعة، وترقية التعليم والتدريب.. ومواجهة آفات تلوث البيئة، ومن ثم الانفتاح على الثمار اليانعة التي أفضت إليها تطورات العلم والتكنولوجيا.
وهذا حقهم.. لأنه يشكل عنصراً جوهرياً من حقوق الإنسان.
محمد الخولي

