التباين بين ما يطرحه أوباما وبين ما يرتضي به، في النهاية، يكاد يتحول إلى ماركة تميّز رئاسته. معظم مشاريعه انتهت،في هذه الخانة؛ من خلال المساومة عليها والتراجع عن صيغتها الأصلية وطابعها التغييري.
ينطبق ذلك على مشاريعه الداخلية كما على توجهاته الخارجية. هذه المرة جاء دور مشروعه النووي. ما وعد به، شيء. وما خلصت إليه موازنته الخاصة بالترسانة النووية الأميركية شيء آخر. بدل خفضها، طلب زيادتها وبنسبة عالية، بل هي الأعلى منذ سنوات.
كان المفترض، في ضوء ما دعا إليه وتعهد به؛ أن يؤسس لعملية البدء في تفكيك هذا السلاح، للخلاص منه في آخر المطاف. لكن الحسابات السياسية لعبت دورها مرة أخرى، على حساب وضع حجر الأساس للتغيير النووي الجذري الموعود.
قبل حوالي خمسة أشهر، وقف الرئيس أوباما أمام الجمعية العمومية للأمم المتحدة؛ طارحاً تصوره لعالم نظيف من السلاح النووي. وعد برفع مشروع قرار إلى مجلس الأمن الدولي في هذا الخصوص.
مبادرة غير مسبوقة، من جانب رئيس أميركي. وضع النقاط على الحروف التي تقول إن خطر أسلحة الدمار لا يعالج إلا بصورة تشمل الكبار قبل الصغار. التصدّي لها بالمفرّق، لا يجدي. والشواهد كثيرة. اتفاقيات الحد والخفض ومنع الانتشار، كلها بقيت عاجزة عن حصر عضوية النادي النووي والحيلولة دون توسّعه.
دعوته يومذاك، لإعداد مشروع «معاهدة لنزع السلاح الشامل والكامل، تحت الإشراف الدولي الصارم»؛ لاقت الترحيب الواسع. ولو أنها ما زالت مجرد طموح ومشروع للمستقبل البعيد. مقاربة جديدة وكفيلة بتخليص البشرية من شرّ هذا السلاح. وحده الاستئصال الجذري لهذا السلاح، يحمل على الاستبشار بعالم لا يهدده الدمار النووي.
في الموازنة لعام 2011، التي أرسلتها إلى الكونغرس، تطالب إدارة الرئيس أوباما بزيادة ميزانية مخصصات «إدارة الأمن القومي النووي»، بنسبة 4 .13%، ما يوازي 624 مليون دولار. أيضاً، تطلب تخصيص خمس مليارات دولار إضافية، على مدى السنوات الخمس المقبلة لحساب الترسانة النووية الأميركية.
في تعليله لهذه المخصصات، قال نائب الرئيس، جو بايدن في خطاب هام له قبل أيام في «جامعة الدفاع الوطني» بواشنطن؛ بأن هذه الزيادة هذه تصب في «تقليص» الترسانة، في آخر المطاف. ذلك أنها تضمن الاهتمام بالترسانة، لإبقائها جاهزة؛ بدلاً من العودة إلى إجراء التجارب للتأكد من صلاحية الرؤوس والقنابل النووية.
المعروف أن الكونغرس الأميركي رفض التصديق على معاهدة منع التجارب النووية، التي أقرتها الأمم المتحدة عام 1996. والمعلوم أيضاً، أن واشنطن امتنعت تلقائياً عن إجراء التجارب، منذ ذلك الحين. لكن يمكنها استئنافها في أي وقت، طالما أنها ليست ملتزمة بالحظر هذا.
دفاع نائب الرئيس عن زيادة الموازنة، تقول أوساط الإدارة؛ أنه موجه برسم المحافظين في مجلس الشيوخ، لتطمينهم بخصوص الترسانة وجاهزيتها؛ على أمل حملهم على الموافقة والتصديق على معاهدة حظر التجارب - تحتاج لثلثي الأعضاء، أي 67 صوتاً لا يملكها حزب الرئيس .
كما لحملهم على دعم الرئيس والتصويت لاحقاً لصالح معاهدة خفض جديد للأسلحة النووية مع موسكو - بمقدار الثلث -، من المتوقع انجازها قريباً؛ وربما قبل انعقاد القمة الدولية في الأمم المتحدة، خلال مايو القادم، بشأن تعزيز وتدعيم معاهدة منع انتشار الأسلحة النووية في العالم.
الجمهوريون اعتادوا على عرقلة أي ضوابط على سلاح أميركا النووي. كان ذلك، زمن الحرب الباردة. ومازال الآن. محاولة إدارة أوباما دفعهم باتجاه التصديق على معاهدات من هذا النوع، تصبّ في خدمة تقليص الخطر النووي. وعلى المدى الطويل، يصبّ في تزخيم مشروع الخلاص من النووي.
لكن هذا نظرياً، حتى الآن. كافة التقديرات تشير إلى شبه انعدام حظ الرئيس في كسب تأييد العدد اللازم من المحافظين؛ لتمرير التصديقات. هو لم يقو على استقطاب أقل من هذا العدد، لتمرير مشروع أقل وزناً، مثل الرعاية الصحية.
تسليفهم زيادة موازنة النووي، من دون ضمانة لتغيير موقفهم، محكوم بالتالي أن ينتهي كما انتهت مساوماته السابقة: ترسانة نووية أميركية معزّزة على حساب وعده بالعمل على تفكيكها؛ والذي كان من بين أسباب فوزه بنوبل للسلام. نهج التراجع وضعه في حالة تناقض لم يقو أوباما على التخلص منها بعد.
فكتور شلهوب
