منذ إقامة إسرائيل (1948) نزح منها حوالي مليون يهودي، على مر ستة عقود، غادروها إلى دول أوروبية، أو إلى الولايات المتحدة الأميركية، لأسباب مختلفة، أو عادوا منها إلى بلدانهم الأصلية؛ بمعنى أن هؤلاء باتوا يحملون هوية أخرى، إضافة لهويتهم الإسرائيلية.

ومعلوم أن النظام الانتخابي في إسرائيل جرّد هؤلاء من حقهم في الانتخاب، حيث حصر هذا الحق، خارج إسرائيل، في الإسرائيليين من ممثلي البعثات الدبلوماسية، والتعليمية. لكن وبالنظر للتجاذبات السياسية المحتدمة في إسرائيل، فقد بات كل حزب فيها يسعى لاستقطاب هؤلاء اليهود إلى جانبه. ولما كانت التيارات اليمينية أكثر قدرة على مخاطبة الوعي «القومي» اليهودي، كونها تركز على الأمة اليهودية، أكثر من تركيزها على الأمة الإسرائيلية، فقد نجحت هذه التيارات في تجييش قطاعات واسعة من اليهود الإسرائيليين، في الخارج. ولعل هذا ما يفسر توجه كل من بنيامين نتانياهو رئيس الحكومة الإسرائيلية (وزعيم ليكود) وأفيغدور ليبرمان، وزير الخارجية (وزعيم حزب «إسرائيل بيتنا» لليهود الروس»)، لدفع تشريع يتيح مستقبلا للإسرائيليين، الذين يعيشون خارج إسرائيل، التصويت في الانتخابات للكنيست، في الدول التي يقيمون فيها.

وتدّعي التيارات اليمينية بأن تصويت الإسرائيليين في الخارج يعزز علاقتهم بإسرائيل، ويعزز من صورة إسرائيل كدولة لكل اليهود. وبحسب افتتاحية «هآرتس»، فإن «هذه الفكرة ليست جديدة. فهي تُطرح كل بضع سنوات من قبل سياسيين من اليمين، ممن يأملون في أن يحققوا بواسطتها هدفين: تقويض الادعاء الديمغرافي، الذي يُلزم تقسيم البلاد مع الفلسطينيين كي تحافظ إسرائيل على هويتها اليهودية والديمقراطية؛ وتكريس الأغلبية للأحزاب اليمينية في الكنيست انطلاقا من الفرضية بأن معظم الإسرائيليين المهاجرين من إسرائيل يحملون مواقف شوفينية.» (11/2)

على خلفية ذلك نشأ جدال في الوسط السياسي في إسرائيل بشأن تبرير هذا التشريع، وبشأن تمريره أو عدم السماح به.

وترى الأوساط المعارضة لهذا التشريع بأن ظروف إسرائيل مختلفة عن ظروف الدول الأخرى، التي تسمح لجالياتها، التي في الخارج، بالمشاركة في العملية الانتخابية، كون عدد اليهود الإسرائيليين في الخارج كبير جدا، بالقياس لعدد سكان الدولة الإسرائيلية.

إضافة إلى ذلك فإن معارضة هذا التوجه تنطلق من أن القوانين تؤكد الترابط بين الحقوق والواجبات.

وعليه فإن الإسرائيلي المقيم في الخارج، الذي لايدفع الضرائب، ولا يخدم في الجيش ولا يتحمل أي عبء من الأعباء التي تقع على عاتق دولته، ومواطنيه فيها، لاينبغي أن يشارك في الانتخابات وفي التقرير بمصير الدولة.

إضافة إلى النظرة التي ترى أن هؤلاء اليهود الإسرائيليين غادروا دولتهم هربا من مصاعب الحياة فيها، مفضلين العيش في أميركا الشمالية وغربي أوروبا، أو العودة إلى بلدانهم الأصلية. (افتتاحية «هآرتس» 11/2)

عن اليهود الإسرائيليين في الخارج يقول عاموس هرئيل «هناك أناس قرروا عن وعي بأن مكانهم ومستقبلهم ليسا في هذه البلاد ولهذا فقد خرجوا منها كي لا يعودوا. لا يوجد ولن يوجد الكثير من المنطق في تصويرهم كـ «بعوض متساقط». هناك بينهم غير قليلين ممن حتى ساهموا في الماضي بغير قليل في أمننا ورفاهنا جميعا. ولكن يوجد فيهم خلل من زاوية نظر صهيونية.

من زاوية نظر المبرر الأساس لوجود دولة يهودية سيادية هنا بالذات. ولعلهم يتخلصون من هذا الخلل بعد سنوات عديدة، ولعله توجد طرق لتشجيعهم على التخلص منه ولكن طالما كان هذا الخلل قائما، فإن حقهم في أن يشاركوا في الانتخابات للكنيست مرفوض من زاوية نظر صهيونية..

ومع كل الفروق اللازمة، الكثيرة جدا: قانون العودة يمنح كل يهودي الحق في المواطنة في الدولة. من زاوية نظر صهيونية، محظور، بالطبع، إلغاؤه. ولكن زاوية النظر هذه لا تستوجب بأي حال منح المهاجرين الجدد كامل الحقوق المدنية فور وصولهم. لا يوجد أي منطق صهيوني.

وبالتأكيد لا يوجد منطق ديمقراطي في ضمهم إلى سجل الناخبين، قبل أن يصلوا إلى درجة حد أدنى من معرفة الواقع الإسرائيلي. وقبل أن يستقروا هنا بثبات لسنتين ـ ثلاث سنوات ويتمكنوا من معرفة جملة الإمكانيات غير الجذابة على نحو خاص المعروضة علينا جميعا. (يديعوت أحرونوت 16/2)