لم تكن عملية اغتيال محمود المبحوح (19/1) الأولى من نوعها، ولن تكون الأخيرة، في سجلّ أجهزة الأمن الإسرائيلية، التي تعتبر عمليات الاغتيال جزءا من أنشطتها، وترى في عواصم البلدان الأخرى مجرد ساحة لها.
وكانت إسرائيل نفذت عشرات عمليات الاغتيال في بيروت وتونس ودمشق وعمّان، وروما وباريس وقبرص ومالطا، كما في الضفة الغربية وقطاع غزة، ضد عدد من قادة وكوادر المقاومة الفلسطينية.
لكن عملية اغتيال المبحوح، التي بدت للوهلة الأولى كعملية ناجحة، ومن دون شبهات، ما أثار مشاعر الارتياح عند المسؤولين السياسيين والأمنيين الإسرائيليين، سرعان ما تكشّفت عن كونها مجرد عملية فاشلة، بعد أن تسبّبت بفضيحة سياسية ومخابراتية ودبلوماسية كبرى لإسرائيل، إثر قيام الأجهزة الأمنية في دبي بوضع يدها على حقائق هذه العملية، وكشف تفاصيلها على العالم.
هكذا، فوجئت إسرائيل بانكشاف تفاصيل هذه العملية على الفضاء الإعلامي، وأُخذت بردّة فعل عديد من الدول (بريطانيا، ايرلندا، فرنسا والنمسا) التي تم استخدام جوازات سفرها، وشبكات اتصالاتها، وبوليصاتها المالية، من قبل مرتكبي هذه الجريمة. وقد وصل الأمر حد إصدار منظمة الانتربول «مذكرات حمراء» للبحث والتوقيف المؤقت للمتهمين ال11 الذين كشفت دبي تورطهم في عملية الاغتيال، والتي ربما تشمل، مستقبلا، ملاحقة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو ورئيس جهاز «الموساد» مائير داغان. فوق ذلك وجدت إسرائيل نفسها بمواجهة مشكلة داخلية بعد أن تبيّن انتحال منفذي العملية أسماء وأرقام جوازات سفر أشخاص إسرائيليين، دون علمهم.
نتيجة كل ذلك فقد وجدت إسرائيل نفسها في مواجهة ورطة، داخلية وخارجية، وفي مواجهة متوالية من الأسئلة، من مثل السؤال عن المبرر الأخلاقي والقانوني لعمليات الاغتيال، ومدى ملاءمة هذه العملية، في هذه المرحلة، للأهداف المتعقلة بتحجيم إيران، وعن ردة فعل الدول التي حمل مرتكبو الجريمة جنسيتها، وعن تداعيات هذه العملية على مكانة إسرائيل ووضعها الأمني.
وقد لخّصت صحيفة «هآرتس» هذا الوضع على النحو التالي «من يحاول أن يحظى لنفسه ببعض المجد من العملية.. يندم الآن. التحقيق الذي أدارته شرطة دبي كفيل بأن يطرح أسئلة قاسية على القيادة السياسية وأسرة الاستخبارات في إسرائيل.. ما بدا في البداية كعملية «نظيفة» يبدو الآن كعملية ترافقت وخلل اهمالي.. هل اخذ في الحسبان.. مخاطر الانكشاف والقيود التي ستفرض على عمليات مشابهة في المستقبل؟.. هل مبرر المس بالعلاقات مع دول صديقة في أوروبا، استخدمت جوازات سفرها لتصفية المبحوح؟.. هل جدير التعريض للخطر مواطنين إسرائيليين سرقت هوياتهم، ظاهرا، واستخدمتها خلية الاغتيال في دبي؟ الخوف من سرقة الهوية يذكر بأنظمة ظلامية ويبدو كمس غير متوازن بالمواطنين. (افتتاحية، «هآرتس»، 218)
وذهب جدعون ليفي، أبعد من ذلك، بتشكيكه بجدوى هكذا عمليات، حيث «بدل محمود سيعين محمد، وسيحاول هو أيضا أن يقتل جنودا إسرائيليين وان يهرّب سلاحا إيرانيا إلى غزة. بل إن الوريث ربما يتفوق على سلفه.
كما حدث بعد عمليات تصفية سابقة.. الجدل الوحيد الذي نشأ بعد دبي هو في الفشل.. لقد نسينا أن الموساد يفترض أن يكون ذراعا استخباراتية، لا ذراعا تزرع الموت، وان دولة قانون لا تملك وحدات تصفية. حظي دغان بصوت هتاف المحللين للسنة الثامنة (؟) في عمله. لماذا؟ لأنه من جملة ما يفعل مغتال. («هآرتس»، 218)
وفي إطار القلق من الآثار السلبية التي أحدثتها هذه العملية على مكانة إسرائيل، وصورتها، على الصعيد الدولي، برزت وجهات نظر تطالب بإقالة مئير دغان (رئيس الموساد)، متهمة إياه بوضع إسرائيل في زاوية حرجة. وبهذا الصدد يقول أري شافيت «منذ عيّن دغان رئيسا، عاد الموساد إلى نفسه.
فالموساد يحبط والموساد يصفي. والموساد يعمل.. والموساد سيخلص دولة إسرائيل. غيّر مؤتمر صحافي واحد في دبي الصورة من النقيض إلى النقيض.
إذا كانت العملية إسرائيلية في الحقيقة.. فإن دغان لم يعد فجأة البطل المجهول بل الفاشل القومي. لم يعد فجأة العزيز على الأمة بل خزي الدولة. بل إن البعض يطالبون برأسه.. إن اعتقاد أن لكل مشكلة استراتيجية حلا استخباريا هو اعتقاد خطر. فهو قد ينوّم أمما في ساعات مصيرية». («هآرتس»، 218)
وبحسب أمير اورن «إذا كان الموساد هو الفاعل، فإن نتانياهو ملزم بأن يشعر.. بمرارة حادة من تكرار الخطأ. مرة أخرى اغتيال لأحد قادة حماس في دولة عربية.. مرة أخرى ورطة سياسية.. مطلوب قرار سريع بإنهاء مهام دغان.. لكل خلل، حسب منشورات أجنبية، يوجد إصلاح: نعم لعودة المتقاعد دغان إلى بيته. («هآرتس»،217)
مع كل ذلك، ورغم الورطة، التي وجدت إسرائيل نفسها فيها، ثمة في أوساط اليمين الإسرائيلي من دافع بشراسة عن هذه العملية، كونها (برأي هذه الأوساط) تعزّز من صورة إسرائيل كدولة رادعة، ومن هيبة جهازها الاستخباراتي، وتؤكد على قدرة ذراعه الطويلة على الوصول إلى حيث تشاء.
رأس الحربة
بروس ريدل، الذي عمل 29 سنة في وكالة الاستخبارات الأميركية، أوصى هذا الأسبوع، في مقابلة مع الصحيفة الأميركية «فينيشن»، بالانتباه إلى وحدة «كيدون» (رأس الحربة) في الموساد. «إنهم مهنيون جدا، وشبان، ومصممون، وذوو قدرة رياضية مذهلة. لهم سجل مذهل من النجاح.
لم يكشف إلى اليوم عن الكثير جدا من التصفيات الغامضة التي وقعت كيدون عليها».. يعرض مسؤول الـ «سي آي إيه» بروس ريدل توزيع المهام بين أعضاء خلية كيدون: نفذ اثنان الاغتيال، واثنان للحراسة، وامرأة لـ «التليين»، وسائق.. أعد مسار هرب بديلا في حال حدوث خلل في تنفيذ الخطة الأصلية.
(سميدار بيري، «يديعوت أحرونوت»، 212)
ماجد كيالي
