ازدحام كبير.. «عجقة» ناس تذكّر ب«عجقة» الأفران في زمن الحرب.. ما القصة؟ يجيب أحدهم: «يا عمّي، صارت الجائزة بالمليارات.. لحّقوا حالكن».. وسمتَ بطاقاتك؟ «تكّست» اللوتو؟.. الجائزة «بتحرِز (تستحقّ) وصار إلها زمان ما انربَحت».. هي عبارات يردّدها معظم الحاضرين في أحد مراكز وسْم شبكات اللوتو في بيروت، وكأنهم حفظوها عن ظهر قلب، وردّدوها آلاف المرات، حتى في أثناء نومهم!
هم أناس سئموا وعود الإصلاح، فعلّقوا آمالهم على أرقام تطرق أبوابهم عند الخامسة والنصف من بعد ظهر يومَي الثلاثاء والخميس من كل أسبوع، فتتدحرج قلوبهم مع مسار الكرات الستّ في دواليب «اللوتو اللبناني»، والتي ترسم الفرحة على بعض الوجوه، وتصفع الآلاف بواقع العودة إلى همومهم المعيشية اليومية.
هذا هو باختصار واقع المجتمع اللبناني، اليوم، حيث الحلم ب«ضربة حظ» تغيّر مجرى الحياة، في زمن ضاعت فيه الآمال والأحلام بالتغيير، واصطدمت بجدار، حسب قراءة سامر مكّي الذي يشعر بـ «لذّة» وهو يدخل إلى محلّ لوسْم اللوتو.. هي لذّة تحمل بعضاً من كهرباء الجائزة الكبرى، أو حتى الثانية وما يليها، إذ لا فرق عنده في حساباته..
يتناول ورقة حمراء ل«تأكيس» (وضع علامة «إكس») المربّعات الستة.. يفكّر بالأرقام التي يتوجب عليه اختيارها من ضمن 42 رقماً، وتدغدغ مخيّلته عشرات الأفكار: منزل جميل في الجبل.. سيارة فخمة.. رحلة سفر حول العالم..
وذلك، قبل أن تقطع عليه حبل أفكاره سيدة خمسينيّة «مستشقِرة» تدخل إلى المكان، تنظر إلى الأرقام التي بين يديها بتمعّن، كتلميذ يُمتحَن للمرة الأولى في مسابقة، تختار أرقامها بعناية ودقّة، من دون التفوّه بأية كلمة، وحتى من دون أي تعبير.. فهذه اللحظة «مقدّسة» بالنسبة إليها.
«مجانين» المليارات
المحل لا تتجاوز مساحته الأمتار المربّعة الثمانية، وهو «يضجّ» يومياً بمئات الأشخاص الذين يقصدونه.. أما البائع، فيتّسم بتهذيب واضح، وهو قلّما ينطق إلا عندما يسأل، وإذا ما تحدّث فيكون حديثه مقتضباً.. لكن، عندما يتعلّق الأمر بالجائزة والرابحين «الصالحين للفرْجة»، ينطلق لسانه..
يقول: إن حمّى اللوتو بدأت منذ بضع سنوات، على مستوى شارع الحمرا، عندما تأكّد الجميع من أن اللعبة تؤدّي إلى الربح الحقيقي.. و«كلما ارتفعت قيمة الجائزة، يزداد الطلب عليها».
ويستذكر أنه «ذات سحب، عندما بلغت قيمتها ستة مليارات ليرة، جنّت الناس وصارت تتدافع كالمجانين في نقاط البيع».. ويومها، وصلت غلّته اليومية إلى ثمانية ملايين ليرة.. و«جزء بسيط من هذا الرقم هو حصّتي، أي ما يعادل الأربعة في المئة من حجم المبيعات».
«الأثرياء يربحون أكثر من الفقراء»، هذا ما يجزم به البائع، ف«كلما أكثَر الزبون من وسْم الشبكات، يرفع من احتمال فوزه»، لكنه يؤمن أنه في مكان ما ورقة رابحة يجب أن تكون من نصيب أحدهم، و«أنا، شخصياً، أسِم ما قيمته ثلاثين إلى أربعين ألف ليرة في كل سحب».. ولكن، أكثر ما يثير سخطه هو رؤية زبون ميسور يقوم بوسْم ورقة واحدة، أو رؤية رابح يعود للّعب مرة أخرى، لأن الاثنين «يسرقان» فرصة أناس آخرين بالربح..
لضمان الشيخوخة
يدخل رجل سبعيني إلى المحل متعرّقاً وعابساً، فاللوتو بالنسبة إليه «تعويض عن ضمان الشيخوخة المفقود».. هو يختار، دوماً، ستة أرقام ثابتة تعنيه: عيد زواجه، عيد ميلاده، عيد ميلاد زوجته، عيد ميلاد حفيدته «المدلّلة».
إضافة إلى رقمين لهما صفتهما السياسية «8 و14 يلّلي خربوا البلد، ورجّعونا عشرين سنة لَوَرا»، في إشارة منه إلى الرقمين المرتبطين بالمعارضة والموالاة في لبنان.. وبعصبيّة لافتة، يرمي القلم الذي وسم به شبكاته أرضاً، انتقاماً من كونه «يخذله دوماً»، وينصرف دون أن يلتفت إلى الوراء.
تقطع عاملة سيريلانكية حبل هدوء الماكينة التي توقفت لفافتها الورقية عن الدوران لثوانٍ، طالبة أرقاماً معينة.. الصبية الثلاثينيّة السمراء تعمل مع زوجها منذ عدة سنوات في هذا البلد..
تحلم بربح الجائزة لكي تعود فوراً إلى بلادها، حيث ستتبرّع ببناء مسجد وكنيسة، لاعتبارين متعلّقين بكونها مسيحية وبكون زوجها مسلماً.. يدعوها صاحب المحل للزواج منه في حال فازت بالجائزة الكبرى.. لا تستسيغ دعابته، فهي تحب زوجها، بينما «المصاري بْيِجي وبيروح»!
.. و«مصعة» العصفور في الحسبان!
إذن، هذه هي علاقة اللبناني، كما المتواجدين على الأراضي اللبنانية، مع الحظّ، فما من شهر يمضي إلا و«يبصر النور» مليونير (وحتى ملياردير) جديد.. وكلما ازدادت قيمة الجائزة الكبرى، تزايدت آمال الربح، وتكاثر أضعافاً مضاعفة عدد البطاقات الموسومة عبر آلات الوسْم في المحال التجارية أو عبر الإنترنت، لتبلغ أكثر من أربعة ملايين شبكة في كل جولة.. هي لعبة متشعّبة ومتشابكة تحوطه من كل جانب.
وقد بدأت رسمياً مع «اليانصيب»، منذ إنشائه عام 1943 في عهد الرئيس بشارة الخوري، والذي كان ينتظر نتائجه طالبو الحظ، كل خميس.. وذلك، قبل أن تولد «اللوتو» مرتين في الأسبوع، ثلاثاء وخميس، ما دفع بالشاب ربيع إلى الإقلاع عن التدخين لصالح «تأكيس» عدد من الشبكات أسبوعياً..
يزيد عددها أو يقلّ، حسبما تبشّره «مصعات» العصافير التي خصّص لها مكاناً على شرفة منزله، واعتاد أن يراقبها ليل نهار، علّ عصفوراً يمنّ عليه بفضلاته تبشيراً بربح لم يطرق بابه حتى اليوم!
اللوتو «نزوة» تمتلك مدمنيها
ربيع هو احد لاعبي اللوتو الذين تصفهم المعالجة النفسيّة والأستاذة المحاضرة في الجامعة اللبنانية الدكتورة ماري خوري، بـ«المدمنين»، لأنهم «شديدو التعلّق بهذه اللعبة، ويفرطون في ممارستها، ويعتبرونها المصدر الوحيد لإبقاء شعلة الأمل بغد أفضل..
وهؤلاء يشعرون في معظم الأحيان بأنهم غير قادرين على السيطرة على أنفسهم والتحكم بإرادتهم، فيتحول اللعب بالنسبة اليهم نزوة تمتلكهم.. وعند الخسارة، يتعرّضون لخيبات أمل كبيرة، يعبّرون عنها بغضب وبانهيار وبتوترات عصبية، لا سيما أنهم يلعبون بشعور أكيد بالربح وبحتميته».
أما لماذا يكثر لاعبو اللوتو؟، فترى خوري أن هذا الأمر عائد إلى عدة عوامل، تختصرها ب«فقدان الثقة بالنفس أو بالمؤسّسات أو بالآخر أو بمرجعية القانون والحق، إضافة إلى اهتزاز مبدأ بذل الجهد (بعرق جبينك تأكل خبزك)، عدا عن فقدان الشعور بالأمان والقدرة على المواجهة.
وإنتشار حالة البؤس والفقر والمنطق الاستهلاكي للمدى القصير»، لافتة إلى أن الاتكال على الحظ الذي تروّج له المؤسّسات الإعلامية، بل تفرضه كمثال وطريقة فضلى للعيش ومجابهة الصعاب (بدّك تغتني ما إلك إلا...)، يحدّ من الطموح و«يكرّس مبدأ اللعب كوسيلة وحيدة للخروج من المشاكل».
وإذ تشير خوري إلى أن مخاطر الإدمان على لعب اللوتو، كما غيرها من ألعاب الحظ، تتنوّع وتتعدّد ومنها: «تثبيت العجز وتأكيده، ازدياد نسبة الاضطرابات النفسيّة (كآبة، قلق، يأس، توترات،..)، وقتل روح مقاومة الفساد»، فإنها تدعو إلى مواجهة هذه «الآفة» عبر «استراتيجية فضح العجز المكتسَب.
تثبيت الإيمان بالمقدرة على التغيير، تسهيل الأمور أمام المواطنين لإنجاز المشاريع وتحقيق الذات، التعرّف إلى الواقع وإلى الخلل بجرأة، ومعالجة أجهزة التقييم والتقدير داخل المؤسّسات».
.. وقصص لا تفارق الذاكرة
المشهد الأول: حاولت سوما، الآتية من إثيوبيا للعمل في لبنان، الانتحار، بعدما لم تنفع الدموع التي ذرفتها في إقناع من أتت لخدمتهم في المنزل بعدم إعادتها إلى بلادها.. توسّلت إليهم، وبكت كثيراً.. وقبل تنفيذ القرار بأيام، جاءها الحظّ من حيث لم تعمل له حساباً: وسمت شبكة «لوتو»، وربحت الجائزة الكبرى التي كانت قيمتها 200 ألف دولار أميركي.
المشهد الثاني: دخل سامر ابن الثمانية سنوات محلاً لوسم شبكات «اللوتو» وهو يحمل حقيبته المدرسيّة.. سأل عن كيفيّة الوسم، واختار أرقامه بشكل عشوائي.. وبعد أن تبيّن له أنه أصاب خمسة من الأرقام الستّة التي تكمّل الجائزة الكبرى، بما أمّن له ربح 900 ألف ليرة لبنانية، لم يدر في باله سوى سؤال واحد: «صار فيّيي أشتري بيسكلات؟»..
المشهد الثالث: ذات يوم، حضر زبون ستّيني إلى محل لوسْم اللوتو، وطلب أرقاماً محدّدة.. صار يداوم على لعب الأرقام نفسها لعدة سحوبات متتالية، فحفظها البائع.. مرّت فترة أسبوعين، ولم يظهر صاحب الأرقام.. أصابت الأرقام الستة الجائزة الكبرى.
فتمنّى البائع لو يكون الزبون قد وسمها من أي مكان آخر، لكن نتائج السحب بيّنت العكس.. كان الزبون في المستشفى وقتها، يخضع لعملية في القلب.. لم يطلعه البائع على نتيجة السحب، عندما ظهر من جديد، حتى لا يصبح هذا الخبر بطاقة عبوره إلى العالم الآخر.
المشهد الرابع: في نهاية عام 2006، فاز الزغرتاوي سعيد الحربيّة بجائزة قدرها 5 .3 مليارات ليرة.. (1، 18، 20، 34، 40، 41)، هي أرقام شبكة غيّرت مجرى حياته وحياة زوجته وأولاده الأربعة.. يومها، لقِّب بـ «مليونير المعارضة»، ولا يزال، بعدما ترك عربة خضاره ليشارك في الاعتصام الذي نفّذته المعارضة في وسط بيروت، من أجل إسقاط الحكومة «اللا شرعية».. ويومها، صادف بائعاً متجوّلاً ل«اللوتو»، فاشترى منه ورقة واحدة موسومة سلفاً، دون أن يعير اختيار الأرقام أي اهتمام.
المشهد الخامس: لم تدمِن مارييت المصري بوضاهر (57 عاماً) على وسْم أوراق اللوتو، بل قامت بذلك أربع مرات فقط طوال حياتها، فكانت «الرابعة ثابتة»، إذ أصابت الأرقام الستة الأساسية (3، 9، 10، 12، 15، 31) وربحت جائزة المرتبة الأولى وقدرها 3 .1 مليار ليرة.. يومها، تراءت لها في الفنجان خمسة أرقام، وما كان على زوجها إلا اختيار الرقم السادس.
بيروت ـ وفاء عواد
