تعتبر المدرسة إلى جانب دورها كمركزَ إشعاع علمي ومعرفي، وقلعة للحصانة الأخلاقية، حاضنة للقيم الثقافية والحضارية.
لذا فالعاملون فيها من رجال التعليم والتربية هم قدوة الأمة ورسلها، وتُوكل إليهم مهمة التربية، قبل التعليم كما تُوضع على عواتقهم الكثير من المسؤوليات أبرزها تعليم التلاميذ والطلاب كيفية نبذ العنف بكل أنواعه والتعايش السلمي مع الآخر، ولا أحد يستطيع أن ينكر وجود العنف المدرسي إما بين التلاميذ بعضهم مع بعض أو بين التلاميذ وأساتذتهم.
وكلما زاد العنف في المدارس دون فرض عقوبات صارمة على ممارسيه، زادت خطورته، لأن السكوت عليه يعتبر بمثابة تطبيع وتعايش معه، ولذلك أصبح من الضروري التشهير به وإبراز العقوبات التي تسلط على المخالفين حتى يرتدع الآخرون.
يقول أستاذ القانون الدستوري راشد حمدان: العنف هو «إيذاء شخص» وإلحاق الضرر به، والعنف يغرس في نفس الطفل منذ صغره، فهو سلوك يكتسب وينشأ مع الطفل ليصل إلى ذروته في فترة الشباب والمراهقة وهي فترة التمرد والعنفوان ولا يوجد تفسير واحد صريح لأسباب انتشار العنف بين الشباب.
وإنما توجد عوامل عديدة تؤدي إلى ذلك. فالسبب الأول يتمثل في فقد الإنسان قدرته على السيطرة على أعصابه ومشاعره، سواء كرد فعل طبيعي تجاه موقف أثاره أو آذى مشاعره، أو أن تكون طبيعة في الشخص لعدم توافر صفة الصبر والمثابرة في مواجهة أبسط الأمور.
ويعتقد الشاب الذي يميل للعنف أنه يحل مشكلاته بهذه الطريقة بإخافة الآخرين، واكتسابه الاحترام، لكنه لا يعرف أن النتيجة تكون عكسية.
ويُعتبر العنف اللفظي من أبرز أنواع العنف المنتشرة بين طلاب الجامعات والمدارس في تونس، فالشباب يحلون أغلب مشكلاتهم بتلك الطريقة، ويتفادون العنف بالأيدي وغيره، لخوفهم من القانون الذي يجرم ذلك ويعاقب عليه أشد العقاب.
وكشفت دراسة أجراها المرصد الوطني للشباب سنة 2004 حول ظاهرة العنف اللفظي لدى الشباب التونسي، أن العنف اللفظي منتشر بشكل مثير للقلق، إذ اعترف أكثر من 88؟ ممن شملتهم الدراسة بأنهم يستخدمون العنف اللفظي، ويعتبر العنف اللفظي في القانون التونسي جريمة تستوجب معاقبة مرتكبها بالسجن لمدة تتراوح بين 16 يوماً إلى خمس سنوات على أقصى تقدير.
وتصدر عن التلميذ أشكال عديدة من العنف، مثل تدمير الممتلكات المدرسية والعبث بها، وتعنيف بعضهم بعضاً، والاعتداء مادياً على الإطار التربوي، وتمزيق الكتب المدرسية والكراسات أمام المعاهد والمدارس أو حرقها والتراشق بالبيض، والعنف في النقل المدرسي، أو العنف اللفظي الذي يلخص عدة دلالات تعبيرية، وبخصوص العنف اللفظي الذي يعد الأكثر انتشاراً أكدت الدراسة التي أجراها المرصد الوطني للشباب أن هذا الخطاب استطاع أن يخترق مناعة الفضاءات ويشكل سياقاً تداولياً يتبادله الأفراد والمجموعات.
وقد عبر جل المستجوبين من الشباب والمربين في نفس الدراسة بأن هذا المعجم أصبح في السنين الأخيرة متداولًا بين الشباب أنفسهم في القاعات أو بين التلاميذ والمربين من جهة ثانية وخصوصاً في المعاهد الثانوية.
وعن أسباب ممارسة «العنف المدرسي» يقول الأستاذ في علم الاجتماع سفيان الجدي: إن أسباب العنف المدرسي، يمكن حصرها في ظروف نفسية واجتماعية متشابكة ومنها: عدم الاستقرار العائلي الذي يؤثر في نفسية الطفل أو المراهق ويجعل ردة فعله عنيفة تجاه زملائه ومدرسيه.
ومن جهة أخرى فإن الليونة المفرطة التي يتعامل بها الأولياء مع أبنائهم من التلاميذ قد تسبب انتشار هذه السلوكيات وقد يشجع الأولياء أبناءهم على ممارسة العنف في بعض الأحيان، دون وعي يسبب غض الطرف أو التشجيع على الدفاع العنيف عن النفس، إضافة إلى عدم توعية الأبناء بالسلوك الحضاري ومخاطر العنف بجميع أشكاله، إلى تزايد هذه السلوكيات في الوسط المدرسي.
ويذكر الأستاذ الجدي في نفس الإطار أن عدم تصريف التلميذ لطاقاته يسبب ضغط الشحنات الداخلية غير المؤطرة والتي قد تظهر في أشكال من السلوكيات العنيفة، وقد يسبب تراكم الدروس وطول ساعات التدريس في خلق ضغوط نفسية لدى التلميذ وينعكس ذلك على سلوكه.
وفي بحثها في أسباب ودوافع انتشار ظاهرة العنف اللفظي توصلت الدراسة التي قام بها المرصد الوطني للشباب إلى أن هذا الخطاب سببه التقليد أي تقليد الصغار للكبار ومحاكاتهم، وغياب القدوة الحسنة في الشارع وفي الأسرة والمدرسة، وضعف التأطير العائلي وتغير أدوار ووظائف أفراد الأسرة، وضعف التأطير والمتابعة في مستوى المؤسسات التربوية، وضعف المراقبة ونقص صرامة الردع عائلياً وتربوياً وأمنياً.
وغياب دور فاعل للجمعيات المعنية بالأخلاق والقيم والتوجيه، وتدهور القيم الاجتماعية وانتشار نزعة الفردانية، وكثرة أوقات الفراغ وسوء تنظيم الوقت الحر، دوافع إظهار القوة وفرض الذات على الآخرين بما في ذلك إظهار الفتوة والرغبة في الاندماج في المجموعة والاضطرابات النفسية وسرعة الانفعال عند بعض الأفراد.
ويؤثر العنف الممارس من قبل التلميذ أو المسلط عليه في وظائفه السلوكية والنفسية والجسدية، فحسب الأستاذ سفيان الجدي، فإن للعنف تداعيات خطيرة على (التلميذ) إذ تظهر عليه علامات الاضطراب وغياب التركيز وضعف القدرات الذهنية، ما قد يتسبب في تراجع نتائجه. ويؤثر العنف المدرسي في ما يمكن تسميته «بالآداب العامة».
دراسة سوسيولوجية
تقول الأستاذة في التربية المدنية منية الورغي: رغم الجهود الكبيرة المبذولة من قبل الهياكل المعنية بالوسط التعليمي لنبذ العنف المدرسي بأنواعه، فإن العنف في الأوساط التعليمية «مازال يمثل أرقاً للإدارة والمجتمع المدني والإطار التربوي وأولياء الأمور في تونس».
وتشير إلى دراسة نشرتها وزارة التربية والتكوين أن الوسط المدرسي شهد 2025 حالة عنف خلال السنة الدراسية 2006/2005، في حين كشفت دراسة سوسيولوجية ثقافية أجراها المرصد الوطني للشباب وشملت ظاهرة العنف اللفظي لدى الشباب التونسي أن المؤسسة التربوية تعد ثاني الفضاءات الأساسية من حيث انتشار العنف اللفظي لدى الشباب بنسبة 21,43؟
وأكدت نفس الدراسة أن 28,93؟ من شباب العينة المستجوبة أكدوا وجوب التدخل بدرجة أولى في الفضاء التعليمي للحد من هذه السلوكيات.
ويُعرّف العنف المدرسي بأنه، كل تصرف يؤدي إلى إلحاق الأذى بالآخرين وقد يكون الأذى جسدياً أو نفسياً، والمقصود «بالعنف المدرسي»، كل عنف يمارس بين التلاميذ أنفسهم أو بين المربين والتلاميذ أو بين الأولياء والمربين، إضافة إلى كل أشكال العنف التي تمارس على التلميذ في المدرسة أو المعهد وكل عنف يصدر منه في نفس الإطار.
تونس ـ ضحى السعفي
