قضية العنف داخل الحرم الجامعي اليمني محدودة عدا القضايا التي تغذيها نوازع وميول أيديولوجية تستجر الصراع من خارج أسوار الحرم الجامعي إلى داخله، مما يجعلها في الغالب الأعم قضايا عنف سياسي بين أنصار التوجهات الأيديولوجية والسياسية المتباينة.

الدكتور أحمد الكبسي نائب رئيس جامعة صنعاء للشئون الأكاديمية في تعليقه على ذلك قال لـ «البيان»: في الحقيقة الجامعة هي جزء من المجتمع تتأثر به وتؤثر به، وبقدر ما تعمل على التكوين الثقافي والعلمي للشباب تصبح ساحة مفتوحة لحضور كل الألوان الاجتماعية والثقافية والقيمية وحتى السياسية، وغالبا ما يمثل الحرم الجامعي محطة التقاء الأفكار القديمة بالأفكار الجديدة، أو الحديثة. ويستطرد الكبسي موضحا: إنه بالنظر إلى اختلاف تلك الأفكار وتنوعها تتولد التباينات وتختلف المنطلقات والرؤى وهذا يولد بطبيعة الحال صراعا قد يعبر عنه بصورة أو بأخرى أي بما معناه.

كما يوضح نائب رئيس جامعة صنعاء: أن الخلاف بين القديم والحديث إما يعبر عنه بحوار ونقاش أو بالانحدار إلى مستوى أدنى وهو العنف والصراع بين موقفين وأمام هذه الحال لابد أن تضطلع المؤسسات التعليمية وخاصة في سلك التعليم العالي بمهمة الحفاظ على التعايش والتساكن بين مختلف الفرقاء وفرض سلطان القانون كي يسود النظام لا الفوضى.

علاوة على كل ذلك يرى الكبسي: أن الأحزاب السياسية والانتماء الحزبي يطرح مشكلة كبيرة على الجامعات ويزيد من خطورة العنف داخل الحرم الجامعي لاسيما أن بعض الطلاب يسيرون من قبل الأحزاب والتنظيمات السياسية رغم التحذيرات المتكررة والموجهة لهم من أن لا يكونوا وقودا للعنف، والصراع في الحرم الجامعي وهؤلاء حسب رأيه هم في نهاية المطاف ضحايا للتوجيه من خارج الجامعة مؤكدا أنهم يطرحون مشكلة كبيرة على الجامعة ويعيقون في بعض الأحيان العملية التعليمية.

وحول فعالية ودور وسائل التنشئة والتوجيه لهذه الفئة العمرية يقول نائب رئيس جامعة صنعاء: الحقيقة دور وسائل الإعلام وأجهزة التنشئة والتعليم العام دور ضعيف، ولذلك لابد أن تصاغ إستراتيجية إعلامية هادفة تستطيع أن تؤثر في هذه الفئة العمرية مابين 18 / 25 عاما، لأن من هم في هذه السن إما نور أو نار، مشيرا إلى أنه في حالة إذا ما جرى توجيههم توجيها سليما يمكن أن يكونوا طاقات إبداعية خلاقة في مجال العلم والبناء.

وإذا جرت تعبئتهم تعبئة خاطئة يمكن أن يتحولوا إلى طاقة عنف تذكي الصراعات داخل المجتمعات وتهدد أمنها واستقرارها، لاسيما أن الشباب هم الفئة الأكثر استقطابا من قبل الجماعات المتشددة التي استطاعت أن تخترقهم وتوجههم نحو العنف.

ولذلك لابد أن تضطلع كل مؤسسات التنشئة بدورها وننصح أن يكون لوزارة الأوقاف والإرشاد قصب السبق في هذا المضمار وترسم سياسة واضحة بالنسبة للتعامل مع المساجد وبالذات مع خطباء الجمعة الذين أصبحوا يعملون على تحفيز ميول الشباب نحو العنف بدلا من تهذيب السلوك والقيم.

أما ما يتعلق بظاهرة العنف وسط الشباب بالمفهوم المتعارف عليه في البلدان الأخرى فهو في اليمن محدود أذا ما استثنينا العنف السياسي ولذلك هذه الظاهرة قد لا تكون بارزة، لأن الجامعة تعمل دائما على تطبيق اللوائح المنظمة للعملية التعليمية وللسلوك الاجتماعي ومن ضبط يسلم للأجهزة المعنية لاتخاذ التدابير الرادعة لأن الجامعة وجدت لخدمة المجتمع لا لأن تكون ساحة للصراع أو الفتوة.

ومن هذا المنطلق وبإعمال اللوائح والنظم السارية حجمت المشكلة وأصبح من النادر حدوث قضايا عنف داخل أسوارها.

غياب الجدية

ويقول الدكتور أحمد الرفيق عميد كلية العلوم الإدارية بجامعة المستقبل من خلال عملي كعميد سابق لشؤون الطلاب لاحظت أن قضية العنف مطروحة بحدة لاسيما في ظل الظروف الحالية التي جعلت من التعليم عند البعض مجرد رغبة في الحصول على شهادة وكفى، وهذا ناتج بطبيعة الحال يضيف الرفيق: الذي يعاني الكثير منهم البطالة.

مما ينعكس على الجدية في التعليم والتحصيل العلمي ويؤدي إلى ظهور بعض السلوكيات السلبية، لكن وكما يستدرك الرفيق بقوله: في هذه الحالة يجب على الإدارة وهيئة التدريس أن تكون حسا تجريبتي مرنا قادرا على التعامل مع نماذج مختلفة من البشر لكن تلك المرونة لا يجب أن تصل إلى حد التفريط بالصرامة الإدارية خاصة تجاه التصرفات التي يمكن أن تندرج تحت ما يسمى بالعنف.

ووفقا للرفيق: مفهوم العنف مفهوم واسع يشمل العنف اللفظي والعنف غير اللفظي وهذا الأخير حسب رأيه لا يقصد العنف الجسدي وإنما الإيماءات والحركات التواصلية التي قد تنطوي على معاني التهديد، والوعيد الذي يصدره الطلاب ضد بعضهم البعض أو ضد المدرسين أو الإدارة وهذا يطرح إشكالية تربوية كبيرة يصعب التعامل معها لأنها خاصة بالنسبة لاولئك الذين يفتقدون للدربة والخبرة الطويلة في التعامل مع قضايا من هذا النوع.

ويخلص الرفيق إلى أن الحد من ظاهرة العنف بجميع أشكاله وأنواعه لا يمكن أن يتحقق إلا بتطبيق اللوائح النافذة من جهة والعمل على تحديث تلك اللوائح والقوانين بشكل دائم وبما يواكب المتغيرات والتحولات التي تساعد على تفشي سلوك العنف داخل المؤسسات التعليمية.

لاسيما فيما يتعلق بالجوانب السياسية التي غالبا ما تكون سببا لاندلاع المواجهات بين الشباب داخل الحرم الجامعي ولذلك لابد من التشديد على عدم السماح بالنشاط الحزبي وحظره داخل الحرم الجامعي خاصة في اليمن التي تشهد تناميا ملحوظا للنشاط الحزبي داخل الحرم الجامعي منذ إقرار التعددية السياسية وتطبيق النهج الديمقراطي عام 1990.

إجمالا يبدو أن العنف في المؤسسات الجامعية اليمنية لم يصل بعد إلى الحد الذي يمكن أن يصنف على أنه ظاهرة لاسيما إذا ما استثنينا منه الأنشطة السياسية لبعض الطلاب والتي تخرج عن حدودها لتأثر على سير العملية التعليمية وتنظيم المظاهرات الاحتجاجية من حين إلى أخر وهو ما يضع الحرم الجامعي تحت رحمة المحتجين والمتظاهرين.

الأمر الذي يبرر وضع قواعد زاجرة تعمل على النأي بالمؤسسات الجامعية بعيدا عن أملاءات وتوجيهات السياسيين التي تأتي في الغالب الأعم من خارج أسوار الجامعة ومن أيدلوجيات شتى غايتها تسويق خطابها السياسي على حساب العملية التعليمية.

صنعاء ـ عبد الكريم سلام