عبارات عديدة كانت لسنوات خلت، ترِد في بيانات يوزّعها طلاب الجامعات في لبنان، تمهيداً للتعبير عن الغضب، والذي غالباً ما كان يتحوّل إلى تراشق بالكراسي بين الطلاب، وشتائم، وعصي وجنازير، وكلام عن الدم، وصولاً إلى الحوار بالأقدام.. وذلك، في سلوك كان ولا يزال يجعل العمل السياسي في الجامعة أشبه بالمغامرة التي يكتفي كثيرون بالنظر إليها من بعيد.

هذه الأجواء دفعت رئاسة الجامعة اللبنانية على سبيل المثال، في السنوات الأربع الأخيرة، إلى إصدار قرار قضى بمنع النشاطات السياسية في حرم الجامعات اللبنانية بكافّة كليّاتها وفروعها، وذلك قبل أن تلغي الانتخابات الطالبيّة بقرار آخر.. والذريعة كانت: الإشكالات والحوادث والخلافات بين مختلف القوى الطالبيّة والسياسيّة في وحدات الجامعة.

وقد مثّل تعليق إجراء الانتخابات الطلابية في كليات الجامعة اللبنانيّة حلقة إضافية في سلسلة الانعكاسات السلبية للانقسام السياسي الحادّ على الواقع التربوي.. وكان قد سبق هذا القرار الإداريّ تفشّي السلوك العنفيّ وثقافة الشتم في أكثر من جامعة، الأمر الذي أدّى إلى إلغاء الانتخابات الطالبية في عدّة جامعات خاصة، أو إجرائها وفق شروط استثنائية.

ومع صدور كل قرار، كانت المنظمات الحزبيّة في الجامعة تعلن رفضها «الحاسم»، ببيان استنكار أو اعتصام، لم يكن ليخلو يوماً من خلافات وحوادث، وحتى إراقة دماء، في مشاهد لم يكن لها تفسير لدى ممثلي الأحزاب في الجامعات، معارضين وموالين ومحايدين، سوى جواب واحد: «الحقّ على التانيين»!

.. وبين الأمس واليوم تبدّل المشهد

هنا الجامعة اللبنانية، حيث يلتقي خصوم الأمس بعضهم البعض، متناسين، ولو لحين، بياناتهم وهتافاتهم وشعاراتهم القديمة، يتفقون على «شدّ هِمم الطلاب» استعداداً لخوض معركة الانتخابات الطلابيّة.. لكن، على الأرجح «لن تكون معركة في معظم الكليات، فالبلد يعيش حالة وئام سياسي، ولا يجوز تعكير صفو زعمائنا الآن»، وفق قول طارق خليل، وهو طالب في السنة الثالثة في كلية الحقوق والعلوم السياسية (الجامعة اللبنانية). «لا معارك؟»..

يضحك زميله بلال المحايد سياسياً، ويقول بمرارة: «صحيح أنهم اتفقوا على ضرورة أن يتفقوا.. لكنهم، حتى اليوم، لم ينطلقوا من نقد مشترك للأخطاء التي ارتكبت بالأمس، ولا من حوار يناقش حاضر الحركة الطلابيّة ويخطّط لمستقبلها.. في العلن، يبدون متصالحين.. أما في الخفاء، فهناك استمرار للاتهامات ذاتها ورمي للكرة في ملعب الآخرين، وسط الشعارات الرنّانة التي يزيّن بها كل طرف نفسه».

السياسة «مش لإلنا»

كان حسن ينوي أن يدرس الهندسة في جامعة بيروت العربية، لكن الأمور لم تتمّ على ما يرام، العام الفائت.. عارض أهله ذهابه إلى هناك، ولم يكن السبب يتعلّق بالمناهج التعليمية في الجامعة إطلاقاً، ولا بمستواها الأكاديمي.. السبب ببساطة، هو خوفهم عليه، من «مشاهد مخيفة» لا تزال عالقة في ذاكرتهم..

لم تقنعهم طمأنة القوى الأمنية التي تحرس الجامعة، بعدما أكدت الأخيرة في أكثر من مناسبة أن مظاهر العنف ما عادت موجودة، بفعل الاحتياطات الميدانية التي تنصّ على التفتيش ومصادرة الأدوات الحادة، إضافة إلى منع التكلّم بالسياسة داخل الحرم.

أما حسن، فقد أصرّ، هذا العام، بعدما أضاع سنة من عمره في المنزل، على الدخول إلى الجامعة العربية، متسلّحاً بإخفاء طائفته، وهكذا «تصبح الأمور طبيعية بين الطلاب، حين يتركون طوائفهم في منازلهم، حسب قوله، مع إشارته إلى أن «أعزّ أصدقائه» في الجامعة هو من «مشكلجيّة» الأمس، زياد.

وزياد الذي اتخذ قراراً، منذ العام الفائت، بأن «حطّ عقلي براسي، بعد ما كنت عطول من الراسبين»، يشير إلى أنه كان في السنوات الفائتة في عداد «المجموعات المسانِدة» التي تحمل العصي والجنازير والسكاكين وغيرها من أنواع «السلاح الأبيض»، والتي «كان يحضرها كل شخص بمعرفته من المنزل أو من عند الحدّادين»، بينما حمل هو عصا «البيسبول» التي كان يحتفظ بها في سيارته ل«حالات الطوارئ»، واستلمها باليدّ «لأنها خاصّة بالحزبيّين فقط».

«السياسة مش لإلنا يا بنتي».. بهذه الكلمات، وبعض «الابتزاز العاطفي» بشأن ما يبذله من مجهود لتأمين دخولها إلى أحسن الجامعات في البلاد، توصّل والد ريتا، منذ سنوات عدّة، إلى إقناعها بالعدول عن المشاركة في الاجتماع التأسيسي ل«مجموعة بابلونيرودا» في الجامعة اللبنانية- الأميركية في بيروت.

اليوم، تخرّجت ريتا، بعدما التزمت تنبيه والدها، إلا أنها لا تزال تشعر ببعض الأسى على هذه الفرصة الضائعة التي مُنعَت من الإفادة منها.. وعموماً، تشمل تحذيرات الأهل الفتيات أكثر من الفتيان، لأنهم «يخافون عليهنّ من أعمال العنف التي قد تقع بين مناصري مختلف الأحزاب السياسية في الجامعة.

كما يخافون عليهنّ من التحرّر الأخلاقي الذي قد يعتنقنه في الحياة الحزبية، حتى لو عنى ذلك مجرد تأخرّهن في العودة مساء إلى بيوتهن، لأن الاجتماعات قد تُعقد في وقت متأخر بما أن مواعيدها تحدّد بعد انتهاء المحاضرات».

كما يشرح فؤاد الذي يعمل في الحقل السياسي منذ ثلاث سنوات في الجامعة العربية، ويعتبر أن «العمل السياسي يصقل شخصية الطالب ويمنحه فرصة لفهم ما يدور خارج أسوار الجامعة التي هي الحدود الأخيرة، التي يبقى على الطالب اجتيازها قبل الوصول إلى الحياة العامة التي نصبح جميعاً جزءاً منها لاحقاً».

بالفكر.. لا بالسكاكين

اليوم، الحديث يتزايد عن عودة الانتخابات إلى كليات الجامعة وفروعها.. لكن، شرط: «أن يكون للطلاب الوعي الكافي لممارسة دورهم الأكاديمي والنقابي»، بحسب رئيس الجامعة الدكتور زهير شكر، والذي أشار ل«البيان» إلى أن «النشاطات ستبقى معلّقة إلى أجل غير مسمّى، طالما أن الطلاب غير مؤهّلين لممارسة النشاط السياسي من دون استعمال السكاكين».

وإذ يشير شكر إلى أن رئاسة الجامعة اللبنانية «ترفض بشكل قاطع أن تتحوّل الجامعة إلى متنفّس لصراعات الأحزاب السياسية»، فإنه يشدّد على ضرورة «أن يمارس الطلاب حقّهم كطلاب، لا كحزبيّين في الجامعة، عبر العمل النقابي والأكاديمي لا السياسي»، و«أن تناقَش الأمور فكرياً، لا عبر السكاكين التي يحملها الطلاب في وجه بعضهم البعض».

وفي هذا السياق، تجدر الإشارة إلى أن الدكتور شكر أصدر قراراً ل«مقتضيات المصلحة العامة»، في 24 مايو من عام 2006، منع بموجبه إقامة النشاطات الحزبية في مختلف كليات وفروع الجامعة اللبنانية، وذلك استناداً إلى «تكرار حصول الإشكالات والحوادث والخلافات بين مختلف القوى الطالبيّة والسياسيّة في وحدات الجامعة، الأمر الذي ينعكس سلباً على حسن سير الدروس وعلى النظام العام».

غياب مشروع للسِلم

يربط البروفسور في علم النفس عدنان حبّ الله بين حماسة الشباب للدخول في الحرب الأهليّة، وبين مجموعة من العناصر التي تنمّي بذور العنف وتشجّع على فعل الحرب والقتال.

«دورة العنف التي لم تكتمل بعد» هي عنصر أساسي برأي حبّ الله، إضافة إلى أن شباب لبنان «لم يعيشوا مشروعاً واضحاً للسلم والحياة.. وما نشأوا عليه منذ ولادتهم هو إما الحديث عن الحرب أو معاينة آثارها، من دون التطلّع إلى مستقبل أفضل»، حسب قوله ل«البيان».

ويرى حبّ الله أن الأمور تبدأ من المنزل، وتحديداً من حديث الأهل بشكل متكرّر أمام أبنائهم عن الحرب الأهليّة، إذ «لم تبقَ عائلة لم تشارك في الحرب الأهلية، إما مباشرة عن طريق الانضمام إلى الميليشيات، أو بشكل غير مباشر عبر المتخيَّل في ذهن أفرادها»، مؤكّداً أن «ترسّبات بقيت، والشباب هم مسرح لترجمتها».

عنصر آخر مثير تحدّث عنه الدكتور، هو «المتعة الخفيّة للحرب، رغم كل المآسي»، وهذه المتعة تتسرّب من الآباء إلى الأبناء «الذين تكبر دوافع المشاركة لديهم، وتصبح الحرب الأهلية حينها هدفاً غامضاً، للحصول على متعة خفية بالصراع مع الآخر». وللتماهي بالنموذج الحربي حصّته أيضاً.

حيث «يعدّ مقياساً للرجولة في مثل هذه الظروف».. وما يعزّز هذه النظرة لدى حبّ الله هو «الدخول العفوي في هذه الإشكالات دون أي خلفية سياسية عميقة عند الشباب»، مشبهاً الشباب أثناء اندلاع أي عنف «متل النور عالكبّة»، حيث يهجم كل شاب لينال نصيبه من العنف كممارسة.

ولا ينسى «الشرخ السياسي الذي يُترجم على الأرض»، محمّلاً المسؤولية للزعماء السياسيين «هؤلاء لا يفكّرون بأبعاد كلامهم الذي يمكن أن يتحول عنفاً على الأرض في سبيل إثبات هوية الغالب، وفي طيّاتها إلغاء للآخر».

وعن مستويات الشباب المستعدين لـ «المعركة»، لا يبدي حبّ الله استغراباً لكلامهم، رابطاً الأمر بعنصرين: الأول منقول من تجربة الحرب الماضية، حيث كان الطلاب والمتعلمون من أوائل المشاركين فيها.. أما الثاني، فيكمن في وضع الإنسان، مهما كان مستواه، أسيراً في معادلة: يا قاتل يا مقتول، فيضطر للدفاع عن وجوده بكل الوسائل ومن ضمنها، لا بل أوّلها العنف».

بيروت ـ وفاء عواد