يتعين علينا السؤال مجدداً: ما سبب هذه الحرب الدائرة في أفغانستان؟ هناك حقيقة مألوفة بصورة مفزعة بشأن أهداف الهجوم الذي شنته قوات بقيادة أميركية في أفغانستان، مؤخراً. فمنذ تركيز الانتباه على تلك البلاد النائية بعد صرفه بصورة كارثية عن العراق، فإن النموذج الرئيسي الذي تقوم عليه استراتيجية القتال هو التطهير والصمود والتعزيز.

ولم تجد نفعاً سبع سنين من التطبيق الدؤوب لهذه الاستراتتجية، فمن الحمق القيام بالعمل نفسه مجدداً، وتوقع نتيجة مختلفة. لنكن واضحين، فقد أيدت صحيفة «تايمز» استخدام القوة العسكرية ضد حركة «طالبان» عندما رفضت تسليم أسامة بن لادن في عام 2001، على النقيض من وجهة نظرنا بشأن غزو العراق بعد ذلك بـ 17 شهراً. كما أيدت رئيس الوزراء البريطاني السابق توني بلير لدى وعده الشعب الأفغاني بأن بريطانيا ستقف معه في دربه الطويل. والسؤال المطروح هو: هل هذه المساندة تتطلب حضوراً عسكرياً أكبر هناك؟ أم أن القوة الناعمة المتمثلة بمساعدته على التطور، أو رشوته بصورة مباشرة، ستكون أكثر فعالية؟

واستنتجنا العام الماضي بأنه آن الأوان لتقليص طموحات لندن في أفغانستان، والبدء بسحب القوات البريطانية، وإعادتها إلى الديار، وجادلنا بأن أفضل السبل للوفاء بالالتزامات المقدمة للشعب الأفغاني، تتمثل في تعزيز الحوار السياسي، وإعادة بناء الاقتصاد.

ومن دون مواربة، يعتبر الأمن مسألة مهمة في أفغانستان، لكن يجب أن يتركز الدور البريطاني، من الآن فصاعداً، على تدريب القوات الأفغانية وتعزيزها، في الوقت الذي يتم تقليص دور القوات البريطانية المتمثل في عمليات المراقبة على خطوط المواجهة، ونقله تدريجياً إلى القوات الأفغانية.

وبالنسبة إلى الدور القتالي غير المجدي، فقد أصبح الآن، بعد سنوات عدة، أشبه بعملية جز الأعشاب بحسب الاصطلاح العسكري.

وكانت صحيفة «تايمز» هي الصحيفة البريطانية الأولى التي دعت قبل أيام إلى الانسحاب المرحلي من أفغانستان، ولم يحاول أي طرف بريطاني، سواء من الحكومة أو المعارضة، بحث هذا الخيار، أو الاقتراب منه.

وبالطبع، فإن كل أمر يتعلق بالترويج للعمليات العسكرية المشتركة يزيد من شكوكنا في حكمة هذه الاستراتيجية. وبحسب تعبير أحد صحافيينا المخضرمين، فإن الهجوم الأخير على معقل «طالبان» في أفغانستان معد للاستهلاك المحلي الجاهز لوسائل الإعلام الأميركية.

وتبدو اللغة الحقيقية القائمة على: الهجوم، التحصّن، واحتلال الأرض، غير ملائمة لوصف عمل عسكري ضد قوات غير نظامية. ومن المرجح أن يؤدي ذلك إلى نصر مسرحي يصرف انتباه الغرب، ويهدئ من حدة مخاوفه، ويعيد «طالبان» إلى سدة الحكم.

وقد يتم الاعتراض على ذلك بالقول إن التعزيز العسكري الأميركي نجح في العراق لأن الوضع هناك مختلف، حيث تم إبرام صفقة سياسية بين ممثلي الأقلية السنية، وحكومة بغداد المدعومة من واشنطن، لكن الوضع في أفغانستان مختلف تماماً. وهذا الاعتراض يبدو منطقياً ويجب أخذه بعين الاعتبار.

حلقة مفرغة

لم يطرأ على أفغانستان أي تطور، بشأن التركيبة العرقية، أو الدينية، أو الاقتصادية، لكي نضمن أن المكاسب المؤقتة التي قد يتم إحرازها في أي عمل عسكري، يمكن أن تتحول إلى مكاسب دائمة. وبإمكان القوات الأميركية والبريطانية حكم أفغانستان خارج كانتون كابول، الذي يحكمه الرئيس الأفغاني حامد قرضاي.

كما يمكن لتلك القوات التمسك ببعض المظاهر الخارجية البراقة لنظامها العسكري، لكنها ستعتبر بمرور الوقت قوة احتلال أكثر مما ينظر إليها الآن. ويبدو الوضع أشبه بورطة كبيرة، أو حلقة مفرغة، وهو ما تحاول إدارة الرئيس الأميركي التفاني في تجنبه دون جدوى.